مناجاة أصوات الجماهير المغيبة قسريًا
في النصف الثاني من شهر مارس الماضي، وفي صلاة عيد الفطر، التي تزامنت مع بدايات الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، وقف الشيخ الدكتور السيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف المصرية، ليلقي خطبته أمام أركان الدولة، وفي مقدمتهم الرئيس السيسي. وجاء من بين أدعيته: “بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبانيها وبالسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك”. وفاطمة المقصودة هي فاطمة الزهراء، ابنة الرسول، الذي لقبها بـ”أم أبيها”، وزوجة علي بن أبي طالب، وأم السبطين الحسن والحسين.
لم يثر الدعاء توترًا أو انزعاجًا داخل المسجد أو خارجه. فهو دعاء تقليدي يحبه المصريون، ويعكس تعلقهم الوجداني بآل البيت. دون أن يرتبط بالضرورة بتبعية مصر التاريخية للمذهب الشيعي إبان حكم الدولة الفاطمية خلال قرنين من الزمان. خصوصًا أن الشيخ عبد الباري، الذي ألقى الخطبة، عُرف عنه حبه لهذا الدعاء تحديدًا.
إلا أن الأزمة اشتعلت من بوابة التأويلات التي ربطت بين لحظة ترديد الدعاء واحتدام الحرب على إيران الشيعية، وحزب الله. وكأن توقيت الدعاء، وبحضور السيسي، تعبيرًا عن انحياز مصري، “رسمي”، لهذا الطرف من الحرب. وتزايدت هذه التأويلات حين عبّر عدد من إعلاميي دول الخليج عن انزعاجهم منه، ومن غياب الدعم العسكري المصري لهم في الحرب، ومن المصريين الذين يشهرون انحيازهم لإيران، وتعاطفهم معها على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، متسائلين إن كانوا المقصودين بوصف “اللئيم”، ومرددين لسؤال “أين مصر؟”، الدولة الكبيرة التي تعهد رئيسها قبل سنوات بنجدتهم عند أية تهديدات، قائلًا “مسافة السكة”، مقابل المساعدات المالية السخية التي تدفقت إليه خلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت حكمه.
سؤال “أين مصر هذا البلد الكبير؟”، ليس فقط سؤالًا خليجيًا، تردد خلال الأسابيع الأخيرة، وقصد به الجيش المصري للدفاع عن بلدان الخليج ومقدراتها. بل ردّدته قطاعات من المصريين، بدلالات مغايرة. قطاعات تدرك أن البلاد تتعرض لخطر إسرائيلي وإن كان مؤجلا، وتنتظر، منذ السابع من أكتوبر الشهير لعام ٢٠٢٣، مواقف واضحة تتخذها الدولة المصرية، تلجم على الأقل، الجموح الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة.
من هذه الزاوية تحديدًا تلقف معسكر المقاومة سؤال “أين مصر؟” دون طرحه مباشرة. ليرى في الدعاء وتوقيته إشارة رمزية تتجاوز العفوية الخطابية، وإن لم يفهمها أحد بعدُ، أكثر من مجرد ترديد لدعاء يحبه المصريون والشيخ الذي قاله. فكانت تلك اللحظة فرصة لاستدعاء الثقل المصري الغائب -بأبعاده الشعبية والديبلوماسية والثقافية وربما العسكرية- وتذكير القاهرة بإرثها التاريخي في قيادة المنطقة.
بعد أيام من عيد الفطر، نشرت قناة الميادين المقربة من حزب الله اللبناني فيديو يستهل بالدعاء نفسه، “بحق فاطمة وأبيها….”، وتضمن الأهم، كلمات من خطبة قديمة للمرشد الأعلى علي خامنئي بالعربية، بدايات ٢٠١١، عن ثورتي مصر وتونس. وتحديدًا خطبة الجمعة يوم الرابع من فبراير ٢٠١١، خلال تلك الأيام القليلة التي فصلت بين هروب بن علي وخلع مبارك، حين كانت الشوارع والميادين تحتشد بالجماهير.
اهتمت خطبة المرشد الأعلى يومها بإبراز الجانب الإسلامي من الثورتين المصرية والتونسية. مع التركيز بدرجة أكبر على الثورة المصرية، فالإنجاز التونسي كان قد حدث فعلًا. معتبرًا الثورة المصرية ثورة “إسلامية تحررية”. ولم يرَ فيها سوى جانبها الديني، متغافلًا عن مكوناتها الاجتماعية والسياسية والثقافية الأخرى، ومطالبها التي تخص الفقراء، وطموحاتها على مستوى الحريات الفردية، التي يعتبرها المنتمون إلى الإسلام السياسي منفلتة دينيًا. وبالطبع، متجاهلا في الوقت ذاته أن نظامه كان قد قمع لتوه انتفاضة شعبية في الداخل الايراني قبل شهور قليلة.
في فيديو قناة الميادين القصير اختيرت بعض عبارات المرشد علي خامنئي، بحيث تنفصل عن الثورة المصرية المهزومة قبل خمسة عشر عامًا. وإن استعانت القناة بمادة أرشيفية مصورة لبعض مشاهدها، لتصاحب الجمل المختارة تحية لمصر وقدرة شعبها على الفعل السياسي، وتحية بعض شخصياتها التاريخية، وإن لم تكن كلها مصرية تمامًا، مثل جمال الدين الأفغاني. لتضم كذلك أسماء الشيخ الفقيه محمد عبده، سعد باشا زغلول قائد ثورة ١٩١٩، والشاعر أحمد شوقي في محاولة لرسم امتداد ثقافي ونضالي واحد.
لكن المفارقة الأبرز تجلت في إيراد اسم العسكري جمال عبد الناصر في نفس الجملة مع اسم حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، رغم التناقض الجذري بين مشروعهما في الفكر والسياسة المصريتان. من ناحية القومية العربية بتعبيراتها العسكرية الوحدوية، وببعض اللمسات النازعة لما سُمّي بالاشتراكية العربية، وتحجيم سيطرة ما هو ديني على المجتمع والمجال السياسي. ومن ناحية أخرى التيار الإسلامي ممثلًا في البنّا.
تياران اصطدما دمويًا منذ 1954، ولم يتصالحا إلا في فترات قصيرة واستثنائية خلال تحالفات نفعية عابرة. حتى بعد أن تخلص الطرف الأول، الذي كان يمثله عبد الناصر حتى وفاته في 1970، من كل ما كان يربطه بالتنور الديني والاشتراكية والوحدة، محتفظًا بجوهره العسكري في عهدي السادات ومبارك، كان اللقاء بينه وبين تيار حسن البنّا موسميًا ونفعيًا؛ صلح مؤقت في النصف الثاني من حكم السادات، على أرضية براغماتية لمواجهة اليسار في الجامعة والمناطق العمالية. ثم علاقة فاترة خلال عهد مبارك، شهدت عددًا من الصدامات بناء على المواسم السياسية والانتخابية. ليعودا إلى الاصطدام الدموي في صيف 2013، بعد شهر عسل قصير فرضته المصالح المشتركة المترتبة عن ثورة يناير 2011.
امتدت اقتباسات قناة الميادين من خطبة المرشد المقتول في اليوم الأول للحرب، 28 فبراير الماضي، لتحية وتمجيد الدور الرّيادي لمصر في العالم العربي والمنطقة. وبالذات معركتها من أجل الاستقلال، وتأميم مقدراتها، وتحديدًا قناة السويس، باستعادة صوت عبد الناصر وهو يعلن تأميم القناة من ميدان المنشية في الإسكندرية يوم 26 يوليو 1956، ومستحضرةً تاريخ الدعم المصري للشعب الفلسطيني وحقوقه، مدشنًا مصر بوصف “مصر الكبرى”.
لم تخل الخطبة الأصلية، واقتباسات القناة منها، من الأخطاء التاريخية الشائعة. على سبيل المثال ربط استقلال الدولة المصرية باتفاقية الجلاء، أي بحركة الضباط الأحرار وحكم عبد الناصر. في إغفال للاستقلال الرسمي بإعلان فبراير 1922 الذي دشن مصر دولةً مستقلة، بعد أكثر من قرن من استقلالها عمليًا عن الدولة العثمانية بمشروع محمد علي باشا.
وبعيدًا عن درجة الدقة من عدمها، كان المدهش في هذا الفيديو ذلك “المزيج الزمني” المكثف عبر استدعائه ثلاثَ لحظاتٍ تاريخية فارقة، ومزجه بينها، بحيث نشعر أننا أمام لحظة واحدة ومكثفة؛ تداخلت لحظة 2026 الراهنة مع ثورة 2011، وذروة الصعود الناصري في الأفق العربي عام 1960. فبينما يمجد المرشد الأعلى، وقناة الميادين “مصر الكبرى”، بمشاهد الحشود الثورية في جزئه الأخير، نستمع لمقطع من نشيد “صوت الجماهير” الشهير. الذي كتبه حسين السيد، ولحنه محمد عبد الوهاب، وشارك في غناء أحد مقاطعه، مع نجاة الصغيرة وشادية وفايدة كامل وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ، عام ١٩٦٠، عام بداية البث التلفزيوني في مصر.
الوطن/البطل الصاعد… مؤقتًا
“صوت الجماهير.. صوت الجماهير.. صوت الجماهير.. هو اللي بيصحي الأجيال.. صوت الجماهير.. صوت الجماهير.. صوت الجماهير.. هو انتفاض عزم الأبطال.. هو اللي بيتكلم.. هو اللي بيتحكم.. هو البطل ورا كل نضال”.
إنها اللازمة الأساسية المتكررة بين مقاطع النشيد المختلفة. يتدخل فيه الصوت الجماعي، صوت الكورس، وبقوة وإيقاع المارشات العسكرية في تلك السنة لبداية البث التلفزيوني، التي شهدت إنتاج وبثّ أناشيد حماسية شبيهة. بعضها من تلحين محمد عبد الوهاب أيضًا، وتتكرر فيها توليفة محددة. يؤديها نجوم غناء يتكرر وجودهم في مثل هذه الأناشيد، مثل عبد الحليم حافظ على سبيل المثال. وبنغمات عسكرية وحماسية تمجد الجموع/الجماهير، بتصويرها كأنها حشود عسكرية، في انسجام كامل مع جوهر نظام 1952، العسكري بالأساس. والدعاية لفكرة “المجد المطلق والمصيري للوطن العربي الكبير”. والتذكير بانتصارات وإنجازات نظام يوليو الأهم؛ تأميم قناة السويس والصمود أمام العدوان الثلاثي وبداية بناء السد العالي والإصلاح الزراعي والتّأميمات وغيرها. أي عملية بناء تلك الدولة الكبرى، التي صورت في المخيلة الجماعية بوصفها “مصر الكبرى” إن استخدمنا تعبيرات علي خامنئي، وهي تحديدًا “الجمهورية العربية المتحدة” الناتجة عن مشروع الوحدة المصرية السورية. وحدة لم تعش كثيرًا، امتدت حياتها القصيرة من فبراير 1958 وصولًا إلى الانقلاب العسكري السوري، في سبتمبر 1961 والانفصال بعد بثّ نشيد “صوت الجماهير” بشهور.
يستدعي “صوت الجماهير” للأذهان نشيدًا آخر لا يخرج عن نفس التوليفة، ويبدو كأنه صنع أيضًا للمناسبة نفسها؛ تلفزيون جديد سيرفع صوت القومية العربية، وتمجيد الوحدة الناشئة بين القطرين، الجنوبي/مصر والشمالي/سوريا، والدعوة إلى توسعها. وهو نشيد “وطني حبيبي الوطن الأكبر.. يوم ورا يوم أمجاده بتكبر”. الذي كتبه أحمد شفيق كامل، ولحنه أيضًا محمد عبد الوهاب. ولا يبتعد بدوره عن تلك الرائحة العسكرية/الانضباطية البادية في الصورة، عبر الحشود المنتظمة الأقرب إلى الجنود. وتكرار صيغة البطل الفرد، التي لا تنفصل عن جانب أساسي من دعاية النظام نفسها، ويجسده جمال عبد الناصر محركًا وحيدًا لهذه الجموع.
يكتسب محمد عبد الوهاب في كلا النشيدين، موسيقارًا وقائدًا للأوركسترا، ومغنيًا في حالة “صوت الجماهير”، البطولة بصحبة النساء. وإن تشارك في هذه البطولة الرجالية مع عبد الحليم حافظ، الغائب الحاضر في النشيد الأول، والحاضر بطلًا في النشيد الثاني. ففي “صوت الجماهير” نجد لغزًا لا نعرف تفسيره؛ يغني عبد الوهاب المقطع الأول من النشيد، ثم تتوالى المطربات الأربع بعده، نجاة وشادية وفايدة كامل ثم فايزة أحمد. وفي النسخة المحفوظة في تسجيلات الإذاعة، يتغير الأسلوب الموسيقي قبل المقطع الأخير الذي يغنيه عبد الحليم حافظ. يكتسب بعض الاحتفالية الموسيقية لاستقباله. لكن، في النسخة المصورة تلفزيونيًا، يغيب عبد الحليم حافظ في المقطع الأخير من النشيد المفترض أن يغنيه، ليعود عبد الوهاب ليغني هذا المقطع بعد تعديلات على كلماته، لتكون أكثر بساطة وفهمًا على ما يبدو.
تتكرر الصيغة نفسها في “وطني حبيبي الوطن الأكبر”؛ العسكرية المنضبطة على مستوى نوعية الموسيقى والكلمات والصفوف المنتظمة عسكريًا لتشكل الكورس الذي يتحرك في “بلاتوه” التصوير الواسع، والبطل الفرد، الرجل، دون غناء عبد الوهاب واكتفائه بالحضور عبر قيادته الأوركسترا. فيفتتح ويختتم النشيد عبد الحليم حافظ، الذي تردد كثيرًا أنه كان المغني المفضل لعبد الناصر، بعد أم كلثوم بالطبع. لكن الأهم من التفضيلات الشخصية لعبد الناصر هو ما يحمله عبد الحليم حافظ من معان. إنه ابن حركة يوليو 1952 ونتاجها، ورمز الحداثة الغنائية الشبابية والرومانسية والنموذج الأبرز لإنجاز النظام غنائيًا وعاطفيًا وسينمائيًا. ينتمي إلى زمن ناصر، ليس له امتدادات قبله مثل عبد الوهاب وأم كلثوم. وبين الافتتاح والختام تنويعة من المطربات، بالترتيب: صباح، فايدة كامل، شادية، وردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة.
في كلا النشيدين يُمجد الوطن الكبير الصاعد، الممثل مؤقتًا وقبل اتساعه المفترض، في الجمهورية العربية المتحدة. دون نسيان المعارك المفتوحة، وتلك التي ربما ستفتح عن قريب، وجبهات تورط النظام خارج مصر، وتورط البطل الثوري الفرد “ناصر” الذي لا يوقفه أحد. فهو يتحرك ويتقدم بقوة صوت الجماهير. فلابد أن يأتي ذكر فلسطين بالدرجة الأولى، بوصفها المعركة المركزية. دون نسيان الجزائر التي كانت معاركها الثورية محتدمة ضد الاستعمار الفرنسي، بدعم من النظام المصري، واليمن في بداية تشقق نظام الإمامة وانهياره البطيء، والتورط المصري اللاحق إلى جانب حركة الضباط الأحرار اليمنية، التي حملت اسم الحركة المصرية الأم نفسه.
النداء المقدس
يفكك المؤرخ والباحث شريف يونس في كتابه “نداء الشعب… تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية”، إيديولوجيا النظام الناصري، عبر خطاباته الرسمية ووثائقه، وكيف تطورت. بداية بالدعوى الأساسية التي قامت عليها حركة الضباط الأحرار، أنها حدثت نتيجة نداء الشعب لهم -للضباط، وحاجته إليهم. فهم ضباط وطنيون، لديهم الجرأة والشجاعة، غير راضين عن الأوضاع العامة، فيقررون التدخل -الانقلاب- لصالح هذا الشعب الذي ناداهم كي ينقذوه. وصولًا إلى تصوير الوحدة العربية والاشتراكية بوصفها تكاد تكون من المقدسات التي لا يجوز النيل منها أو تجاوزها أو التجريح فيها. إلى درجة أنه جرت محاولة إصدار ميثاق شرف للإعلاميين المصريين ليقسموا عليه، مفاده بناء على شريف يونس: “أن يعمل كل إعلامي لمصلحة الوطن العربي، ويحرص على وحدة الأمة العربية في إطار الاشتراكية الديمقراطية التعاونية”. أي الأسس التي يقوم النظام/الثورة بتصديرها إلى النطاق العربي.
يحلل شريف يونس مسارات هذا المنطلق الإيديولوجي وتطوره التاريخي. ورغم أنه لا يستخدم في تحليله المنتجات الفنية، ويكتفي بالخطب والوثائق السياسية وإجراءات السلطة، إلا أنه يلتقط أحجار الأساس الدعوية التي استخدمها النظام الناصري في بناء مشروعه، والمترجمة حرفيًا في كثير من المنتجات الفنية. وتحديدًا فكرة الزحف المقدس، الزحف الحتمي إلى الأمام. وتعبير النظام عن طموحات الوطن/الجماهير، وتلبيته لنداءاتها. وأن الضباط ممثلون ومعبرون عن هذه الجماهير العريضة، فتمحى نظريًا الحدود بين السلطة والجماهير، ليتحدا داخل الجسد نفسه. جسد كبير، بل مهول، مدرك لمقولة أساسية من مقولات الضباط “دقت ساعة العمل الثوري”.
نجد هذه الأسس الإيديولوجية منعكسة بصورة شبه حرفية، في نشيد “صوت الجماهير” الذي استعانت به القناة المقربة من حزب الله مع كلمات المرشد علي خامنئي، قبل أسابيع. وأحيانًا ما نجدها مترجمة في النشيد بمباشرة غير شعرية، تكاد تدفع المستمعين للشعور بأنهم يستمعون لأحد وثائق هيئة التحرير أو الاتحاد الاشتراكي.
يؤسس النشيد، منذ البداية، لفكرة سرمدية؛ الصدام المستمر والحتمي بين الشعوب من جهة، ومن جهة أخرى شيء مّا، ضبابيّ، غير ملموس، يسميه بـ”الظلم”. ففي مقطعه الأول يغني عبد الوهاب: “من عهد آدم والظلم حاول… يعادي دايما شمل القلوب. والشعب دايما كان صوته عالي… والنصر دايما كان للشعوب”. منذ هذا المطلع تُعتمد بعض الأخطاء التبسيطية أساسًا لما سيأتي لاحقًا. مثل استخدام تعبير شعوب، وإرجاعه إلى عهد آدم، آلاف السنين قبل تشكل فكرة الشعب من الأساس. مضافًا إليها افتراض أن هذا الشيء المسمى بـ”الظلم” عبارة عن قيمة مبهمة، تقف خارج صفوف الشعب وفئاته وقطاعاته. وليس بوصفه نتاج علاقات استغلال وصراع داخل البنى الاجتماعية نفسها.
في العبارة التالية، يدخل عبد الوهاب مباشرة في جوهر المطلوب من هذه الاستعارة لتلك الحتمية التاريخية القديمة؛ صدام الشعوب بالظلم الذي يحاول تفريقها. فتكون النتيجة غير دقيقة بدورها، لكنها مطلوبة دعائيًا، وهي أن صوت الشعوب كان دائمًا الصوت الأعلى، ودائمًا ما انتصرت، محتفلًا بما نعلم أنه غير صحيح: “في تاريخ كل نضال.. على مر الأجيال.. يبتدي من همسات بترج آهات الظلم في كل ضمير.. وانتصرت خطوات.. وانطلقت صيحات.. تفضل تكبر.. تفضل تعلى.. لحد ما تبقى صوت الجماهير”. إنها البداية الإيديولوجية والدعائية الأساسية للمشروع الناصري ومن قبله حركة الضباط الأحرار، أن هذه الحفنة القليلة من الضباط، التي نفذت انقلابًا يوم 23 يوليو 1952، قامت بحركتها المغامرة، لتلبية نداء الشعب الذي وجهه إليها كي تتحرك جيشًا أو قطاعًا منه، لإنقاذه. فالبداية كانت حسب النشيد بالهمسات، ثم الآهات، ثم الخطوات، ثم الصيحات، لتشكل تدريجيًا “صيحات شعبية” تراكمت عبر الزمن لتكلف هؤلاء الضباط بمهمة الإنقاذ.
كان لا بدّ للضباط الوطنيين من الجيش أن يلبوا هذا النداء الشعبي المقدس. وفي لحظة تلبيته يلتحمون بالملايين، بالجماهير، أو تلتحم الجماهير بهم، ليصبحوا قوة واحدة تصور حركة الضباط بوصفها ثورة الجماهير الكاسحة. وبصوت نجاة الصغيرة، يكتمل مشهد “الالتحام المقدس” بين الملايين والضباط الأحرار في 23 يوليو، بوصفه الانفجار الثوري الأول للتحرير: “واتقابلوا الملايين.. يوم تلاتة وعشرين.. يوم الشعب العربي ما فجر أول ثورة للتحرير. واتعاهدوا الثوار.. واتفقوا الأحرار.. يبنوا طريق العزة وحطوا إيديهم في إيدين الجماهير”.
يحب حسين السيد، كاتب النشيد، هذا التعبير “يوم تلاتة وعشرين”، دون ربطه بسنة محددة، ويكرر تمجيده في نشيد آخر لعبد الوهاب أيضًا، وهو نشيد “دقت ساعة العمل الثوري”، حيث يقول “هي إرادة شعب اتحرر يوم تلاتة وعشرين”. لكنه لا يكتفي بتمجيد هذا الالتحام بين الجماهير/الشعب والثوار/الضباط الأحرار، بل يصوره حدثًا استثنائيًا، بداية تنفي كل ما سبق هذا اليوم الشهير وحركة الجيش، التي سميت لاحقًا بـ”المباركة”، من ثورات وانتفاضات عربية ومصرية. كأن لم يكن هناك أي شيء قبل ثورة ناصر ورفاقه، قبل ثورة الأبطال الأفراد. حتى وإن تطلب ذلك نفي حركات سابقة خرجت من رحم الجيش المصري نفسه، مثل حركة عرابي التي استمرت ثلاث سنوات وانتهت عام 1882 بالاحتلال البريطاني لمصر. ناهيك عن الثورة الشعبية في 1919، وعدد من الانتفاضات التي حدثت خلال العقود السابقة لهذا التاريخ. وإغفال، وهو الأهم، حقيقة أن المجتمع المصري كان يغلي سياسيًا ونضاليًا عشية حركة الضباط، وكان على مشارف انفجار ثوري وشعبي مَّا.
لا تخلو العودة إلى “صوت الجماهير” اليوم من عدد من المفارقات، التي لا تفقد مذاقها المر رغم مرور الزمن. كأن يتأسس النشيد، وماكينة الدعاية/”البروباغاندا” الناصرية التي أنتجته وتقف خلفه، على قدسية الوحدة العربية الطوعية والاشتراكية، بوصفهما حجَريْ الأساس للمشروع العربي الطليعي. لكن، دون التهاون أو التراخي في الهيمنة المصرية/الناصرية المطلقة عليهما. في حالة الوحدة حدث الانقسام بعد بثّ النشيد بشهور لأسباب كثيرة من بينها أنها لم تكن طوعية بالكامل، وتعاملت مع سوريا البلد الكبير على أنه تابع لمصر. ولم تتكرر أبدًا بعدها. وفيما يتم تمجيد الوحدة، والاشتراكية بصوت عبد الحليم: “خط السير معلوم.. وطريقنا مرسوم.. هو الوحدة والاشتراكية والأتنين هدف الجماهير”، كانت المفارقة الأخرى أن الاشتراكيين يتم تعذيبهم وقتل بعضهم في السجون المصرية، وتتم ملاحقتهم في الشام، وتذويب جسد أحد قادتهم، فرج الله الحلو، في الأسيد، في تناقض صارخ بين الشعار “المقدس” والممارسة القمعية.
الجانب الآخر من هذه المفارقات، هو اعتماد الدعاية الناصرية على حجر أساس مفاده أن النظام المصري هو قائد المحور التقدمي، المعبر عن التحرر ومعاداة الاستعمار والوحدة والاشتراكية. لا بدّ لهذا المحور أن يكون له أعداء من داخل الصفوف العربية، لتجسد كلمة “الظلم” المبهمة، وهو المحور الملكي/الرجعي. ومثلما لم تَخْلُ خطابات عبد الناصر من شتائم وإهانات لملوك عرب، وبالذات ملكي السعودية والأردن، متزامنة مع مناوشات متبادلة بينهم، مخابراتيًا وسياسيًا، لا يبتعد النشيد عن هذه النغمة نفسها، لكن بتهذيب. فتنادي فايدة كامل: “باسم اتحادنا قوم يا كفاحنا قول للصهاينة المعتدين.. راية العروبة عرفت نجومها من عام تمانية وأربعين. حطمنا الأصنام.. ومحينا الخدام. مابقاش فينا عميل بيردد صوت أسياده على المزامير. خط النار موصول.. والجماهير بتقول.. دقت ساعة العمل الثوري في فلسطين باسم الجماهير”. وغالبًا أدرك جمهور النشيد بسهولة من هم المقصودون بـ”الخدام” و”العملاء”. وربما ابتسم هذا الجمهور نفسه حين تصالح عبد الناصر معهم بعد سنوات قليلة، مضطرًا، تحت وطأة هزيمة 1967.
جماهير تلفزيونية ممنوعة عن الشارع
تقزمت الأوطان تدريجيًا، وانهارت مشاريعها التنموية بفعل عوامل التعرية السياسية وقوى الرأسمالية العالمية والاعتداءات الخارجية والأخطاء الفادحة داخليًا. ربما يعبر ذلك عن الواقع الآني، لكنه يفرض سؤالًا مرتبطًا بالجماهير الغائبة عن النشيد نفسه، فيما يمجد أصواتها الهادرة. فما نراه من صور خلال النشيد لا علاقة له بالجماهير. إنها مشاهد مستعارة من أفلام قديمة لصراعات وانتفاضات، بعضها غير مصري، مشوشة، لا تمثل جماهير حاشدة حقًا. وفي ماضيها البعيد، حين تثور أو تنتفض، فهي فوضوية وربما غوغائية. لكن، في صورتها الناصرية الحديثة، تتشكل صفوفًا عسكرية منظمة ومنضبطة داخل “البلاتوه”.
تحكي المناضلة اليسارية والنسوية نولة درويش في كتابها “وأجمل الذكريات ستأتي حتمًا”، عن مجموعة من سيدات وبنات المعتقلين السياسيين الشيوعيين، حاولوا مطلع الستينيات، زمن النشيد، لقاء عبد الناصر لمطالبته بالديمقراطية والإفراج عن أزواجهن وآبائهن. تمكنت المجموعة من لقائه فعلًا، وكان من بينهن أم نولة درويش، إقبال دافيد حاسين. تورد نولة، نقلًا عن أمها، أن عبد الناصر قال لهن ما معناه إن الديمقراطية لا تصلح للشعب المصري، ولا يصلح لحكمه سوى الكرباج. سمعت مباشرة، خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، هذه القصة من الأم الراحلة لنولة درويش، ومن أبيها القائد الشيوعي الراحل يوسف درويش.
إنها من ضمن تفاصيل كثيرة معروفة وغير معروفة، تشهر التناقض الكامل بين تمجيد الجماهير علانية، وتصور أنه لا يمكن حكمها إلا عبر القمع. تفاصيل منسجمة بدرجة كبيرة مع واقع الخمسينيات والستينيات، والتكوين الفكري والنفسي العسكري للضباط الأحرار، الذي يعبر عنه النشيد. فهي جماهير كان يتمّ استدعاؤها لتمجيد الزعيم في اللحظات المحورية من مساره، أو حين مروره بالقطار أو بالسيارة، أو حين يخاطبها من شرفة في ميدان أو من منبر الجامع الأزهر، تمنح قراراته المنفردة الشرعية عبر الهتاف والتصفيق. لكنها ممنوعة من الفعل السياسي الحقيقي، ممنوعة من أن تكون هي القائد. فيما القائد الفرد يمتلك القدرة على إهانتها ومعايرتها وأن يقول لها في لحظة انفعاله، بعد ثوان من محاولة اغتياله في ميدان المنشية 26 أكتوبر 1954، بعد عامين فقط من حركته الانقلابية: “فليقتلوني.. فليقتلوني.. فقد وضعت فيكم العزة. فليقتلوني.. فليقتلوني.. فقد وضعت فيكم الكرامة. فليقتلوني.. فقد أنبت في هذا الوطن الحرية والعزة والكرامة”. فقد استبدل البطل ذات الشعب بذاته الفردية الكبرى.
تغني شادية بصوتها العذب وابتسامتها المعدية: “بطل العروبة رسم حروفها خطوط عريضة فوق الطريق.. أهـــلا ومرحب بكل عربي يمد إيده لأخوه الشــــقيق. أهلا بالأبطال.. صناع الأجيال.. يا اللي الوحدة الأم طريقكم.. خلوا بقيت الركب يسير. سيروا بعون الله.. واسعوا بأمر الله. غير الله ما في قوة ها توقف من تيار زحف الجماهير”. إنها تمجيد لهذا البطل الفرد، بطل العروبة ناصر، ولكل من سيلحق بدربه ويمد يده إليه. دون أن تخلو من اللهجة الإيمانية الضرورية التي اكتست بها كثير من الخطابات الناصرية؛ الله هو الآمر، نسير ونتقدم بأمره، هو من اختار الجهة التي يساندها ويقويها. فيكتسب النداء الشعبي قداسة نابعة من أمر الله. وهو العنصر الذي سيمتد، وسنجد صداه، وإن كان بشكل أكبر في زمننا الحالي، في تعبير بعض القوى المعادية للاستعمار، عن أنها صوت الله والجماهير في الأرض.
الانتصارات التي يحققها الفرد، قديمًا وحديثًا، هي هدايا يمنحها للجماهير وللبلدان العربية الأخرى. باعتبار أن النظام الثوري المتمرد أو الأبطال أو الأحرار، القوة الضاربة المواجهة بصوت عبد الحليم: “يا شعوبنا الحرة يا عربية.. كافحي و زيدي ثبات و عناد.. وإن كان فيه للغدر بقية.. نار الغدر حطبها رماد. نار بتصحينا.. نار بتقوينا.. مهما اتأمروا علينا.. مبادئنا بتحمينا.. مابقاش فينا خضوع.. بابتسامات ودموع.. توب الغدر بيفضح نفسه حتى ولو ملفوف بحرير”. وهدايا الثوار هنا إلى العالم العربي، هي انتصارات الشعب المصري التي يتمّ تلميعها بدرجة أكبر في نشيد “وطني حبيبي”، الذي يهدي إلى الشعوب العربية ليس فقط انتصار مصر سياسيًا في معركة السويس 1956، بل أيضًا بناء الدولة للسد العالي لخير العرب جميعًا.
توحّد فايزة أحمد بين هذه الشعوب في شعب عربي واحد، لتذكره بأن الدولة الكبرى لا تنساه: “يا دولة كبرى فرضت وجودها فداكي ياما ضحى شباب.. شهيد حياتك عرف النهاردة مارحش دمه تحت التراب. عهد على الملايين.. عهد بألف يمين.. نحمي تراب أرضك يا جزائر ونحوش عنه بحب كبير.. عهد على الملايين.. عهد بألف يمين.. عاش النصر بأرض اليمن الحرة وعاش صوت الجماهير.. صوت الجماهير.. صوت الجماهير”. وإن التزمت كلمات النشيد بالتوجه العروبي، لكن الإخراج التلفزيوني للنشيد نفسه لا يخلو من الدائرة الرابعة التي تحرك فيها عبد الناصر. فإن كانت الدائرة الأولى هي العالم العربي، والثانية حركة عدم الانحياز، والثالثة العالم الإسلامي، فالرابعة هي الدائرة الإفريقية. لتظهر تلك الدائرة الأخيرة، وإن كان بتواضع، في النشيد عبر بعض الصور العابرة، لأفارقة ثائرين في الأدغال، سيصل إليهم قريبًا صوت الجماهير.
تمجيد الكتل الكبرى بعد نهاية زمنها
أشرت قبل سطور إلى الفردية، للبطل النجم الصاعد في المجتمع والسياسة والفن، عبد الناصر الذي يتجسد في النشيدين، “صوت الجماهير” و”وطني حبيبي”، في صيغتين ستلعب المفارقات التاريخية المريرة دورًا أساسيًا في افتراقهما، أو انقسامهما وتناقضهما في منطقة رمزية؛ محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، بوجهيهما المختلفين، اللذين نجدهما عند عبد الناصر نفسه في صورته العلنية لتساهما في تشكيل كاريزماه الخاصة؛ وقار وجدية عبد الوهاب أحيانًا، ومرح عبد الحليم ودعاباته أحيانًا أخرى.
البطل الغنائي، عبد الحليم، المكتسي بصورة الشاب الرومانسي الرقيق اليتيم، على خشبة المسرح أو في شاشة السينما العاطفية الخفيفة في عز صعود عبد الناصر، هو نفسه ما قدم أبرز الأغاني الثورية الناصرية. لكن معاناته مع المرض تزداد في نهايات زمن عبد الناصر، كأنه معادل حرفي لمشروع ناصر نفسه، ليموت مبكرًا، في لحظة ذات دلالات رمزية؛ الأسابيع القليلة التالية لانتفاضة الخبز في مصر، 1977، وشهور قليلة قبل زيارة السادات إلى القدس. في حين سيعيش محمد عبد الوهاب حياة طويلة، وسيمنحه السادات رتبة لواء، ليظهر مرتديًا زي اللواء العسكري، مقدمًا توزيعًا جديدًا للنشيد الوطني “بلادي بلادي”، مستقبلًا السادات العائد من توقيع اتفاق كامب ديفيد، في لحظة الإعلان الأكثر صراحة وفجاجة، على نهاية عصر ومشروع الجماهير والوطن العربي الكبير، وبداية زمن البراغماتية والاسترزاق.
تمتدّ المفارقات زمنيًا، لتطال إيران نفسها، وتطال دولتها وثورتها، التي على العكس من حركة الضباط الأحرار 1952 التي أحدثت تغييرات ثورية في المجتمع المصري، بدأت بالجماهير الحاشدة فعلًا، وبأفعال قطاعاتها المختلفة متعددة الإيديولوجيات والتيارات السياسية ضد نظام الشاه وحلفائه. ليتم اختصارها تدريجيًا في ثوب الفرد العارف، المرشد الأعلى، ونظام أوتوقراطي. بل إنها، وإن كانت تستدعي كلمات التمجيد للثورتين المصرية والتونسية الشعبيتين في 2010/2011 على لسان مرشدها الأعلى، إلا أنها استعادة بعد أن أصبحت لا تثق في هذه الجماهير نفسها، إن لم تكن إسلامية الخطاب والتوجه. وكان موقفها مختلفًا جذريًا من الجماهير التي خرجت في الأسابيع الأولى من الثورة السورية ضد حليفها الحاكم في دمشق. وضد جماهيرها نفسها المطالبة قبل أسابيع من الحرب بالديمقراطية والمحاسبة.
تشير إيمان مرسال في كتابها “في أثر عنايات الزيات”، وفي سياق رسمها لصورة للواقع الثقافي لحقبة الستينيات، إلى أن هذه الحقبة كانت حقبة الكتل والمجاميع. كان على الفرد إن أراد التحقق أن ينحاز لأحدها، أن ينتمي إلى أحدها. من هذه الزاوية نفسها نستطيع فهم لماذا كانت فترة قمع للفردية، إن لم تكن للحاكم الفرد، أو للنجم الفرد.
انتهى زمن الخمسينيات والستينيات، نحن الآن في العقد الثالث من القرن الجديد. انتهى بكل ما شهده من مشاريع تنمية جادة وحقيقية، جسدها عبد الناصر الذي كان في جوهره تعبيرًا عن مشروع تحدٍّ وتحرر وبناء. ربما، مجرد ربما، في مواجهة المعارك الكبرى المفروضة على كل المنطقة، يتم الاستعانة، أو مناجاة، أو توسل الجماهير من جديد، وإطلاق نداءات لعودة أصواتها الهادرة، بعد أن انطفأت. إنه ما يفسر الاستعانة بالنشيد، وتمجيد مصر الكبرى في الفيديو، وفي الخطاب الذي سبقه بخمسة عشر عامًا. ربما للبحث عن مرجعية مناسبة لإعادة تشكيل كتل جديدة. لكن، على أسس شديدة الاختلاف عن الكتل القديمة، تجمع عبد الناصر وحسن البنّا في الجملة نفسها. وربما لذلك نفسه تتجذر المعسكرات المتناقضة في منطقتنا، دون أن يسمح للفرد أن ينتقد ولو قليلًا المعسكر الأقرب إليه، وأن يطرح تنويعات لونية وخطابية عليه. فعلى الجميع الدخول إلى المعسكرات، والتحصن في الخنادق، لمواجهة القادم. لمواجهة ما لا نعرف كل ملامحه بعدُ.