المنشورات

المِيتال في سياقات تاريخ الموسيقَى التونسيّة[1]

مقال من قبل ضياء البوسالمي

“المخرّبون المراهقُون من جماعة الرُّوك آندْ رولْ يحتلّون شوارع العالم”[2]

(وليامْ بوروزْ[3]، الغدَاء العارِي، 1959)

“إنّ مستقبلهُم كان هناك، في هذِه الموسيقَى. وكان هذا المستقبَل يحكمُ الحاضِر. إنَّ غناءً غير منقطعٍ كانَ يختلِطُ بحياتِهم ويقودُهم نحوَ النّصر”[4]

(جونْ بولْ سارترْ[5]، الكلمَات، 1963)

“يتّقِدُون ذكاءً، تَشترِي صدَاقتَهم، تحلمُ بمُجالستهِم وبِرَدِّ الكأسِ عليهِم. نارٌ وقَّادة فِي الهشِيم، تقتربُ منهَا تَشتَعِل”[6]

(توفِيق بن بريك[7]، كوَزكِي، 2014)

كان الزّخمُ الثقافيّ الذي شهدته البلاد التونسيّة خلال عشرينات وثلاثينَات القرن الماضي، بداية حراكٍ فنيّ سيستمرّ على مدَى عقُود طويلَة[8]. وسيتميّز بالانفتاح على مختلف الفنون ويتأثّر بمختلف التيّارات القادمة من كلّ أنحاء العالم. وبالتوازي مع تطوّر الحراك السياسيّ من خلال تصاعد الاحساس بالقضيّة الوطنيّة وبداية تشكّل ملامح الساحة السياسيّة التونسيّة[9]، شهدت الحركَة الثقافيّة أيضاً ازدهاراً لافتاً. وحملت تعبيرات فنيّة تونسيّة كانت، بطريقة غير مباشرة، تشبّثاً بالثقافة المحليّة التي حاول الاستعمار الفرنسيّ محوهَا بمختلفِ الطرق[10]. وهو ما تجسّد، في الحركَة الفنيّة التي مثّلها جماعة تحت السّور والتي احتلّت مكانَة هامّة خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. فرغم تواجد أغلب أعضائها على الهامش[11] كانَت بصمتهم واضحَة من خلال ما تركوه من أعمال في مختلف المجالات. فجَماعة تحت السور مثّلن “النّواة الصلبة لهذه الحركيّة بما ضمّته من روائيّين وشعراء وصحافيين وملحنين ومطربين سيكون لهم دور أساسيّ في نحت اللبنَات الأولى للمشروع الإبداعي التونسيّ”[12] الذي كانت  الموسيقَى أبرز تمظهراتِه.

أرادَ الإستعمار أن يبسط هيمنتَه على الأنواع الموسيقيّة بتصدير الأغاني والألحان الفرنسيّة في السّاحَة. غير أنَّ  تأسيس الفرقة الرشيديّة سنة 1934 حال دون ذلك. فقد “لعِبت دورا مميّزا في حفظ التراث الموسيقي التونسي وإعادة نشره، وقد ساعد ظهورها على إحياء جانب كبير من الذاكرة الموسيقية التي كان المستعمر يسعى إلى القضاء عليها وعلى ملامح وخصوصيات المجتمع الثقافية”[13]. لكنّ ذلك لم يكن يعني، بأيّ حالٍ من الأحوال، الانغلاق والاكتفاء بالموسيقَى التونسيّة، بل نوّعت نشاطها من خلال ضمّ آلات تونسية وأخرى غربية كالبيانو والكمنجة، وكانت الفرقة تقدّم نوبات المالوف التونسي ووصلات الموشحات والأشغال إلى جانب البشارف. “إلا أنها لم تحافظ على تركيبتها الأصلية التي تعبر على أصل الجوق التقليدي التونسي، “حيث تم إدخال آلات غربية جديدة مثل “البيانو”(piano) و”الفيولنسيل” (violoncelle) و”الكونترباص (contrebasse)”[14].

انعكسَ هذا الانفتاح على تنوّع كبير في السّاحة الفنيّة فبرزت مجموعة من المغنّين مثل شافية رشدي[15]، الهادي الجويني[16] وعلي الرياحي[17] الذي طوّر الغناء التونسيّ من خلال انفتاحه على فنّاني مصر وكذلك على مختلفِ البلدان المتوسطيّة. هكذا، بدأت ملامح تشكّل موسيقَى تونسيّة أصلها ثابت ولكنّها تفتح أبوابها أمام جيرانها المغاربيّين وموروثها الأندلسي، البربري والتركي[18].

الانفتاح الذي ميّز الموسيقَى التونسيّة إلى حدود الثلاثينات والأربعينات، مردّة مجموعة من التراكمات التي بدأت معَ تأسيسِ المدرسَة الحربيّة[19] بباردُو سنَة 1840 من طرف أحمد باي الأوّل[20]. فالمدرَسة العسكرية للمُوسيقى، ضمّت مجموعةً من الأساتذة الغربيّون  الذين علّموا الجنود التونسيين فن الموسيقى العسكرية، من فنون الفرق النحاسيّة والموسيقى الأوركسترالية العسكرية. لذلك، تُعتَبَرُ الأغنية الفرنكو-عربية، مثلًا، دليلا على الانفتاح وامتدادًا للتّأثيرات الأسلوبيّة الأوروبيّة[21]

نهلَت الموسيقَى التونسيّة، إلى حدود الأربعينَات، من موروث ثقافيّ ثريّ كان نتيجة للسياقات المتنوّعة التي عاشها البلد على امتداد عقود طويلَة. وقد تميّزت بثراء الألحان وتطوّرها سواء كان ذلك على مستوى الأداء أو آلات العزف. كما أنّ فنّانينها لم يكتفوا بلغة واحدَة بل استخدموا العربيّة والدارجَة وكذلك مزجوا بين اللّهجَة التونسيّة واللّغة الفرنسيّة في التّأليف والغناء. وقد مهَّدَ هذا الثّراء والمرونَة في التعامل مع الثقافات الأخرَى إلى أن تكون السّاحة التونسيّة مهتمّة بكلّ التغيّرات التي تحصل في مختلف بلدان العالم وتيّاراتها الفنيَّة المتغيّرة والمتطوّرة.

لم تتغيّر الأمور في السنوات التي تلت الإستقلَال. لا بل إنّ الستّينات ستسجّل جيلًا حالماً طامحاً للتّغيير. فمن خلال مشروع الحبيب بورقيبَة التحديثيّ الذي كان التعليم المجانيّ أبرزَ أسسه، كبر جيل جديد متعلّم وأصبح يطمح للتمرّد على كلّ أشكال السّلط بما في ذلك السّلطة السياسيّة. فقد شهدت البلاد خلال عقديْ الستينات والسبعينات حراكاً طلاّبيّاً وسياسيّاً كان سابقاً[22] لثورَة مَاي 68 في فرنسا.

شمل جموح الطّلبة – وجزء هام من الشّباب التونسيّ عموماً – جميع الميادين بما في ذلك المجال الثقافيّ بمختلف تفرِيعاته. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه المواجهات مع النّظام البورقيبيّ، أصبحت الموسيقى رمزاً للتمرّد ورفض الوضع السّائد. فمن الولايات المتّحدَة الأمريكيّة، تسرّبت موسيقَى الرّوك إلى مختلف أنحاء العالم تماماً كما حصل مع العديد من الأيديولوجيّات السياسيّة المنتشرة في تلك الفترة. واستقبل الشباب التونسيّ هذه الموسيقَى الوافدَة كوسيلةٍ جديدة للتّعبير. وسجّلت حضورهَا، فيما بعد، في الأماكن المخصّصة للحَفلات كالنّزل والملاهِي.

إنَّ المتمعّن في تاريخ الموسيقى التونسيّة يمكن أن يكتشفَ أنّ مجموعة من التّراكمات  ساهمت في إدخالِ العديد من الآلات الموسيقيّة الوافدَة نتيجَة الانفتاح والتطلع إلى التجدّد معَ كلّ وافدٍ، وهو ما جعَل تواجد موسيقَى الرّوك عبر مجموعات تونسيّة منذ ستّينات القرن الماضي أمراً بديهيّاً بما أنّ السّاحَة الفنيّة التونسيّة كانت مرحّبة بكلّ التيارات الفنيّة – وخاصّة الموسيقيّة – الوافدَة منذ بداية القرن التّاسع عشر.

خلال السّبعينات، بدأت يتشكّل حضور هذا النّوع الموسيقيّ ويتجذّر في المشهد التونسيّ معَ مجموعات ك”كارتاغُو”، “لِي دالتُون” و”فايرْ باندْ”. وهو العقد الذي سيعرفُ حضوراً قويّاً للموسيقى “الغربيّة” في تونس من خلال سياسات المهرجانات الدوليّة التي راهنت عليها الدّولة. ففي الدّورَة الثالثة عشرة من مهرجان قرطاج الدّولي، حضر مغنّي السّول الأمريكي راي تشارلز[23]

لم تتخلّف تونس عن ركبِ ثورة الروك آند رول[24]. فقد انخرط فيها جيل الستينات والسبعينات من خلال تلقّف أهمّ علاماتها الثقافيّة وخاصّة الموسيقيّة عبر السينمَا والإذاعة وأسطوانات الفينيلْ. صحيح أنّ الحركَة لم تكن ذات تأثير كبير بما أنّ أغلب الفرق تركّزت في المدن الكبرَى (في العاصمة تونس وفي مدينَة سوسة أساساً)، لكنّها سجّلت حضورها في النّزل وعاش أعضائها الحلم الموسيقيّ وذهبوا به إلى مداه.

زرَع هذا الجيل، المولع بالرّوك آند رول[25]، على امتداد ثلاثة عقود – وبَطريقة لا واعية- بذور حركَة ستتعزّز خلال التسعينات معَ فرق ميتال شبابيّة كان الصّخب ديدنها.

أمَام مدّ العولمَة الذي انطلقَ منذ تسعينات القرن الماضي، لم يجد نظام زين العابدين بن علي حلّا لهذه الظّاهرة. فبعد موجَة الفضائيّات الحاضرة في منازل الطبقة المتوسّطة، والتي مثّلت بوّابَة مكّنت الشّبَاب من الولوج إلى عوالم جديدة، كانَت دمقرطَة الأنترناتْ من أبرز الطفرَات التي شهدها البلد خلال التسعينات وبداية الألفينات. ففي سنَة 2005، نظمّت تونس القمّة العالميّة لمجتمع المعلومات[26]. وهو ما جعل البلد في مقدّمة الدول الإفريقيّة التي تستثمر في البنية التحتية المتعلّقة الأنترناتْ بنسبَة تصل إلى 34 بالمائة[27]

ساعد كلّ هذا الزّخم على ولوج مجموعة من الشباب المولع بالميتال إلى وسائل سريعة لمزيد اكتشاف هذا النوع الموسيقيّ بتفاصيله. فَ”الشّاب التونسيّ، فِي تلك الفترَة، يستطيع أن يتبنَّى هذه الثقافَة تماماً كما يفعل الأمريكي أو الفرنسيّ أو اليابانيّ”[28].

بالإضافة إلى الثورة الرقميّة الاتصاليّة، كان لمؤسّسات الدّولة أيضاً دوراً مهمّاً في تسهِيل انتشار موسيقَى الميتال بين فئات واسعة من الشّباب. فتنظّموا في مجموعات في المعاهد في مرحلَة أولَى قبل أن تنتقل الحفلات في الجامعات ودور الشّباب. وقد حرصت المنظومَة على أن تكون الثقافة وسيلَة للتوظيف السياسيّ. لذلك، ضربت حصاراً على أغلبِ الظواهر الفنيّة. وقد انعكسَ ذلك معَ مجموعات الميتال الذين تحرّكوا في حلقات لم تخرج عن تلك الحدود المعدّة مسبقاً.  لا يعني ذلك أنّهم كانوا خاضعين أو خانعين. على العكس تماماً. كانوا يعيشون على الهامشِ يعبّرون عن “سخطهم” و”رفضِهم” لكلّ شيء.. ولكن على طريقتهم.

نجح جيل من الشّباب في خلق طرقِ تعبيرٍ بديلَة وسطَ نظام كان يعتقد أنّه يحكمُ قبضته على كلّ شيء. امتلكَ شباب في العشرينات من العمر مدنهم ومارسوا حريّتهم عن طريق موسيقَى الميتال التي منحهم صخبها شجاعة كافية لكي يتمايزُوا عن البقيّة بخلقِ طريقٍ بين عالمين. كانوا حالمين بين الجنّة والنّار يرون القمرَ شمساً ساطعة في اللّيل[29].

ولكي تكتمل الدّائرة، كان لابدّ من أن تحضر موسيقى الميتال في الإعلام العموميّ لتعزّز تونس مكانتها في العالم العربيّ كأوّل بلد يخصّص برنامجاً إذاعيّا لهذَا النّوع الموسيقيّ منذ بداية الألفينَات. كمَا أنّ مواقع مثل “تونيزيكاَ” و”ماك 125″ ساعدت المولعين بهذه الموسيقى لكي يكتشفوا عوالمها. 

شهدت الألفينَات توسّعاً لخارطَة فرق الميتال في تونِس من خلال إقامة العديد من الحفلات في فضاءات مختلفة. وقد مكّن ذلك من تسهيل عمليّة التّشبيك بين مختلف الموسيقيّن وخلقَ ديناميكيّة في أوساط المتابعين لهذه الموسيقَى.

كانت الأوساط الشبابيّة المهتمّة بالميتال (جمهوراً وعازفين) ملمّة بأبرز تطوّرات هذا النّوع الموسيقيّ. وقد أعادت إنتاجه بتفاصيله الدقيقة. فالمِيتال الذي ظهر منذ ستيّنات القرن الماضي كان نسخَة أقلّ صخباً من الرّوك بمختلف أنواعه. وهو ما  خلق انبهاراً لدَى  الميتالهَادزْ التونسيّين الذين سارعوا إلى تكوين فرقهم بأسماء أنجليزيّة أو أخرَى تونسيّة ترتكز على اللعب على الكلمات وتوحِي بالثيمات التي تتناولها مجموعات الميتال في مختلف أنحاء العالم.

سافر هذا النّوع الموسيقيّ من بريطانيا إلى الولايات المتّحدَة الأمريكيّة ليحطّ الرّحال في البلدان العربيّة كتونس. غير أنّ الأمور في أرض قرطاج أخذت منعرجاً مغايراً. ذلك أنّ الساحَة المحليّة  أصبحَت امتداداً وصدًى لما يحصل في بلدان منشأ الميتال. فقد ظهرت مجموعة من الأماكن الخاصّة ب”الكوميتَة”[30] – كمركَز عايدَة في منطقَة المنار[31]  أو مقهَى نجمة الشّمال وسط العاصمة[32] – أين تقام الاجتماعات والنقاشات حول موسيقاهم المفضّلة وتوضع وتضبط أدقّ التّفاصيل لإقامَة الحَفَلات.

لقد وضع جيل الميتالهادزْ التونسيّين مجموعة من النّقاط التي يتحرّكون ضمنها بسلاسة على خارطة المدينَة. وهو ما مكّنهم من امتلاكها وتطويعها لممارسة نشاطاتهم والاستمتاع بموسيقاهُم بكلّ أريحيّة. ففي منطقة المنار أو المدينة العتيقَة، ظهرت أيضاً مجموعة من المحلاّت التي تبيع الملابس والأكسِسوَارَات المرتبطَة بهذا النّوع الموسيقيّ. ف”أغلب الشباب إمّا يدّخر ليشتري ملابس جديدة أو يتوجّه إلى المَلابس المستَعملة. ذلك أنّ كلّ الطرق ممكنَة لكي يكون الشباب في لباسٍ يتماشَى مع ما يرتديه أغلب المولعين بموسيقَى الميتال في تلك الفترة”[33].

في وسط الألفينات، ومعَ بداية تشكّل الفرق كظاهرة، أصبحت الحفلات تسجّل حضوراً لافتاً للشباب وبأعداد كبيرة. لذلك، كان اهتمام الصحافة بالموضوع محفوفاً بالمخاطر. ذلك أن أغلبَ ما كُتب كان بمثابة المهاجَمة لهذه الموسيقَى التي ارتبطتْ – حسب قراءتهم – بعبادَة الشّيطان[34].  ولم تؤثّر هذه الحملة على الموسيقيّين ولا حتّى المولعين بالميتال. ولكنّهَا أظهرت أنّ هذا النوع الموسيقيّ مجهول بشكلٍ كبير من طرف الإعلاميّين وحتّى الجمهور العريض.

من خلال شهادات العديد من العازفين، المغنيّين وحتّى المولعين بالميتال، وُلِدَت هذه الموسيقَى في تونس كردّ فعل من طرف مجموعة من الشّباب على نظام اجتماعيّ لا يشبههم. وكأنّ الهدف هو الثّورة “على التّقاليد التي يفرضها الوالدين”[35].  ذلك أنّ العائلة التونسيّة المنتمية إلى الطبقة المتوسّطة كانت أمام مأزق حقيقيّ فيما يتعلّق بطرق التعبير الجديدة التي يتوخّاها الشّباب خاصّة معَ بداية انتشار الأنترنَات وغزو الفضائيّات. من هذا المنطلق، “باتت أسس المؤسّسةَ الأُسَرِيّةَ، وقد استَحكمَت فيها نَزعاتُ الفردانيّة، وتَعاظَمت عليها التحدّياتُ والأسئلةُ المستجدّة، عرضةً للزّعزعة والتشكيك. ولم تَعُد هذه المؤسّسة ثابتةَ المعالم، بل غَدَت مُلتَبِسةً في كيانها. وأصبحت القِيَمُ التي تُنسب إلى الأسرة تتّخذ طابعًا خصوصيًّا، يتشكّل تبعًا للظروف، والصّعوبات، والمِحن التي تعترض الأفراد”[36].  وتشيرُ أغلبَ المؤشّرات أنّ جيل الميتال في تونس خلال عقديْ، التسعينات والألفِينات،تمايز عن السّائد في من خلال اختيار هذه الموسيقَى الصّاخبَة، وكذلك توسّل اللباس الخاصّ به في كثير من الأحيان[37]. غير أنّ مسألة اللّغة تبقَى الأهمّ والأبرز على الإطلاق. ذلك أنّ أولَى الفرق اختارت أن تغنّي بالأنجليزيّة ولم تطرح مسألة “تونسَة” هذه الموسيقَى إلاّ في حالات قليلة[38]

يرتكز الميتال، منذ ظهوره في ستيّنات القرن الماضي، على العَزف المنفرد وعلى الإستعراض الصوتيّ مع عدّة فِرق مِثل “بلاك ساباثْ”. ومن المؤكّد أنّ السياقات التي ظهر فيها هذا النّوع الموسيقيّ في تونس مختلفة تماماً عمّا حصَل في بريطانيَا والولايات المتّحدَة الأمريكيّة. فقد تلقّف العازفون الميتال وحاولوا أن يجعلوا منه لا وسيلَة ترفيه فقط بل ذريعة لخلق مساحات أمان وسط مجتمع قوامه التّنميط.

شقّ الميتال طريقه في تونس عبر طرق هامشيّة ولم يثر الانتباه رغم ضجيجه وتمايز المولعين به عن غيرهم. وقد يعود ذلك إلى مسألة طبقيّة بالأساس. فعلَى عكس ما حصل مع الرّاب التونسي، يتطلّب الميتال مجموعة من الحاجيات التي لا يمكن توفيرها دون امكانيّات ماديّةٍ بمَا أنّها ليست مُوسيقى متاحَة للجميعِ. فالميتالهادزْ، خلال التسعينات، كانوا يعرفون بعضهم بالإسم خاصّة في العاصمَة[39].

تطوّرت موسيقَى الميتال في تونس خلال أكثر من عشرين سنَة (1990-2010). وَقد ظهر ذلك في تعدّد الفرق التي اتّجهت إلى أنواع فرعيّة كالهيفِي[40]، أو البلَاك[41] أو البروغريسيفْ[42] ميتال. فعلى امتداد السّنوات، لم تعد الأمور مجرّد هواية فقط بل أصبحت أغلب المجموعات تحاول أن تبني مشاريع فنيّة متخصّصة ومتواصلة.

لم يكن الميتال صداميّاً مع السّلطة. لذلك، تعاملت معه هذه الأخيرة كظاهرة ثقافيّة تدخل تحت طائلة الرّقابة ككلّ المجالات في عهد الحزب الواحد. لكنّ هذا النّوع الموسيقي بمختلف محطّات تطوّره منذ التسعينات يمنحُ فرصَة دِراسة المُجتمع التونسيّ خلال تلك الفترة التي كان فيها نظام بن علي في أوجه. كمَا أنّها مطيّة لدراسة تفاصيل كيفيّة تفاعل موسيقى وافدَة ومجهولة معَ مؤسّسات الدّولة المتكلّسَة. كمَا أنّ محاولات “تونسَة” الميتال تستحقّ أن يسلّط عليها الضّوء خاصّة وأنّ الثورة وضعت جلّ الفاعلين والمهمتمّين بهذه الموسيقَى أمام احراجٍ حقيقيّ. فبعد 14 جانفي 2011، كان الجَمِيع يعتقدُ أنّ منَاخات الحريَّة ستدفعُ بالميتال إلى الصفوف الأولَى. غير أنّ الأمور لم تسر على هذا النّحو. فقد ظلّ في ظلمات الأندرغراوند رغم مناخات الحريّة. وانطلق في العديد من المحاولات لإعادَة التموقع دون جدوَى. لكنّه حافظ على خاصيّته في الظهور في مختلف السياقات متجدّداً بخاصيّات جديدة وتغيّرات تستحقّ التتبّع والدّرس.


[1] مقطع من نص مطوّل قيد الإنجاز.

[2] وليام بوروزْ، الغداء العاري، منشورات الجمل، ترجمة ريم غنايم، الطبعة الأولى، 2019، ص 63.

[3] كاتب ورسّام وموسيقي أمريكي من مؤسّسي “جيل البيت” (1914 – 1997).

[4] جونْ بول سارترْ، الكلمات، ترجمَة خليل صاباتْ، دار شرقيّات للنّشر والتوزيع، 1993، ص 63.

[5] فيلسوف وكاتب مسرحي وروائي فرنسي (1905-1980).

[6] توفيق بن بريك، كوزكِي، دار الجنوب، الطبعة الأولَى،  2014، ص64.

[7] صحافي تونسي ولد في 1961 بالجريصة في مدينة الكاف.

[8] كان جيل العشرينات والثلاثينات مؤسّسا لحركة فنيّة تركت أثرها في الثقافة التونسيّة بمختلف تفريعاتها.

[9] تأسّس أوّل حزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 كمَا أسّس الحبيب بورقيبة ومن معه الحزب الحر الدستوري الجديد سنة 1934.

[10] لعلّ من أبرز مظاهر سعي الإحتلال الفرنسي طمس ملامح الثقافة التونسيّة هو المؤتمر الأفخَارستي الذي انعقد بتونس من 7 إلى 11 ماي 1930.

[11] راجع كتاب “الهامشيّة في الأدب التونسي” للكاتبة التونسيّة ابتسام وسلاتي الصّادر عن دار الجنوب سنة 2019.

[12] حكيم بن حمودة، في تقاطعات المشروع السياسي بالفن والإبداع في بلادنا (مقال)، جريدَة المغرب، 05 ديسمبر 2022.

[13] عائشة قلالِي، الحياة الموسيقية في تونس قُبيْل الاستقلال، مجلّة الموسيقى العربيّة، 02 ماي 2015.

[14] BENABDERRAZAK, Mohamed Saifallah, Les orchestres arabes modernes ; influences de l’organologie occidentale et problèmes d’acculturation,   T.1, U.E.R., thèse de doctorat, Histoire de la Musique et Musicologie, Paris, Université de Paris Sorbonne, 1999, p. 188.

[15] مغنية وممثلة تونسية (1910-1989).

[16] فنان تونسي (1909-1990).

[17] فنان وملحن تونسي (1912- 1970)

[18] Wissal Chebil,  Les pionniers de la chanson tunisienne des années 30 et 40, Éditions Arabesques, 2023.

[19] المدرسة الحربيّة بباردو هي أوّل مدرسة عسكرية حديثة في تونس، تأسست في مارس 1840 بضاحية باردو على يد الملك أحمَد باي. كان الهدف من إنشائها هو تخريج ضباط فنيين ومهندسين وموظفين للجيش.

[20] أحمد باشا باي بن مصطفى باي، وحكم تونس كعاشر البايات الحسينيين من عام 1837 إلى 1855.

[21] يسرى الذّهبي، اشكالية الأصالة و الحداثة في الأغنية التونسية فترة ما بين الحربين (مقال)، الحياة الثقافية، عدد خاص بالموسيقى التونسية، عدد 181، مارس 2007.

[22] ثورة أفريل الطلابية في تونس، والتي تعرف أيضًا بـ”أزمة فيفري” أو “أزمة الاتحاد العام لطلبة تونس”، هي سلسلة من الأحداث والاحتجاجات الطلابية التي شهدتها تونس في سبعينيات القرن العشرين، خاصةً في شهري فيفري ومارس، وامتدت حتّى شهر أفريل.

[23] موسيقي ومغني سول وَبوب وَكنتري أمريكي (1930- 2004).

[24] موسيقى الروك آند رول ثورة لأنّها تطورت وأثّرت على أنواع موسيقية فرعية كثيرة. كما أنّها أحدثت تغييرات اجتماعيّة وثقافيّة في المجتمعات الغربيّة.

[25] راجع الفصل “من الستّينات إلى الثّمانينات، كيفَ مهّدَت ثورة الرّوك آندْ رول للمِيتال في تونس؟”

[26] مبادرة عالمية تابعة للأمم المتحدة تهدف إلى سد الفجوة الرقمية وتعزيز مجتمعات المعلومات الشاملة والتنمية المستدامة من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

[27] Romain Lecomte, “Révolution tunisienne et Internet : le rôle des médias sociaux”, L’Année du Maghreb, VII | 2011, 389-418.

[28] من حوار مطوّل مع مالك بن عز الدّين (مولع بالميتال)، بتاريخ 18 جوان 2025.

[29] الصّورة مقتبسَة من أغنية “الجنة والنّار” لمجموعة الميتال البريطانيّة “بلاك ساياثْ”.

[30] كلمة تعني المجموعة التي لها نفس الاهتمامات. وهي كلمة دخلت اللسان الدّارج التونسي من الفرنسيّة “كومينوتِي/ communauté”

[31] منطقة سكنية تقع شمال وسط مدينة تونس وتتبع إداريا معتمدية المنزه من ولاية تونس.

[32] مقهى ومسرح وسط العاصمَة عرف خلال سنوات طويلَة كمكانٍ يجتمع فيه المهتمّون بموسيقَى الميتال.

[33]  من حوار مطوّل مع مالك بن عز الدّين (مولع بالميتال)، بتاريخ 18 جوان 2025.

[34] راجع الفصل “المِيتال والوصمُ البنفسجيّ، موسيقَى شيطانيّة أم جهل تصدّره الديكتاتوريّة؟”

[35] من حوار مطوّل مع مالك بن عز الدّين (مولع بالميتال)، بتاريخ 18 جوان 2025.

[36] Auschitzka, A. (2002). Une société face à sa jeunesse. Études, Tome 396(4), 457-467.

[37] من المهمّ الإشارة إلى أنّ مسألة التمايز باللّباس لم تكنْ معمّمة عند جميع الموسيقيّين والمولعين بالميتال.

[38] حوار مطوّل معَ طارق بن ساسي (عازف غيتار وعضو مؤسّس في فرقة كارتاغودزْ)، بتاريخ 25 جوان 2025.

[39] حوار مطوّل معَ طارق بن ساسي (عازف غيتار وعضو مؤسّس في فرقة “كارتاغودزْ”)، بتاريخ 25 جوان 2025.

[40] نوع من أنواع موسيقى الروك يتميز بقوة صوته، واستخدام آلات موسيقية قوية مثل الجيتار الكهربائي، والطبول، والباس جيتار. ظهر في أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وتطور من موسيقى البلوز والهارد روك.

[41] أحد أنواع موسيقى الميتال. يتميز بسرعة الإيقاع الموسيقي، سرعة الطبول بالتحديد. من أشهر الدول التي عرفت بالبلاكْ ميتال هي النرويج.

[42] نوع من أنواع الميتال يجمع بين الهيفي ميتال والبرُوغريسيف روك.