المنشورات

صنع الله إبراهيم… الخربشة فوق صورتيْ المثقف والزمن

“- لا تنسَ أنها مدينة واحدة، أثناء الحرب كنت آتي أيضًا إلى هنا كل يوم. أترك أهلي في بلوزة وجيبة أو فستان، وبمجرد وصولي ألبس الأوفرول العسكري وأحمل الكلاشينكوف. وبالليل أغير ملابسي قبل أن أعود إلى أهلي.

– هل هم …؟

– أجل. موارنة متعصبون.

– أنت مثل زياد الرحباني إذن؟

– زياد كان متمردا على أمه.

– وأنت؟

– أنا متمردة على الوضع كله”.

(من حوار بين أنطوانيت والكاتب المصري في “بيروت بيروت”)

“”إنه سحر محمود درويش”. عبارة تفسر ظاهرة يعرفها بعضنا؛ أشخاص منذ سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى الألفية الجديدة، كتبوا الشعر، أو انتموا إلى القضية الفلسطينية بعد تعرفهم على شعر محمود درويش. ظاهرة تتجاوز الحدود العربية، لتصل إلى بلدان تتحدث شعوبها لغات أخرى تُرجم إليها شعر درويش، وكانت قصائده المترجمة الباب الذي عبروا منه للانتباه إلى قضية شعبه، والانتماء إليها. وقبل بضعة أسابيع، قالت لي صديقة تونسية: “وصلت إلى اليسار من بوابة روايات صنع الله إبراهيم”.

كانت المرة الأولى التي يصادفني فيها هذا الاعتراف، بهذه الطريقة المباشرة، رغم أن من بين أفراد جيلي الذي يسبقها بجيلين، من تأثروا بعمق بالإنجاز الأدبي لصنع الله إبراهيم، ولا أعلم إن كان دفعهم ليتحولوا إلى مثقفين يساريين أم لا. لكنه دفع بعضهم إلى القراءة، والتأثر به كان واضحًا في الجيل الذي بدأ حياته الجامعية في مصر نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات. تحتفظ ذاكرتي بمشاهد لمجموعة من طالبات الأدب الإنجليزي في جامعتي، عين شمس، شاركن بنشاط في تظاهرات رفض الحرب ضد العراق 1991، متأثرات بأستاذتهن ورئيسة قسمهن وقتها الكاتبة رضوى عاشور، قبل عام واحد من نشر رواية “ذات” لصنع الله إبراهيم، 1992. وبعد صدور الرواية شكّلن حلقات لمناقشتها واستعدن رواياته السابقة، مثل “اللجنة” و”تلك الرائحة” و”بيروت بيروت”. فشكّل المنجز الأدبي لصنع الله علامة أساسية في ارتباطهن بالقراءة، والانتباه إلى تغيرات مصر والمنطقة.

لم أصل إلى اليسار من بوّابة صنع الله إبراهيم، بل من بوابات أدبية وسياسية وعائلية موازية. لكن، عليّ الاعتراف بأن رواية “بيروت بيروت” (1984) دخلت بيتنا في الوقت المناسب، منتصف الثمانينيات، لتصبح أكثر رواية قرأتها، منذ المراهقة لصنع الله إبراهيم. الأسباب واضحة؛ أحداثها تدور في بيروت مطلع الثمانينيات، وفي أجواء لها علاقة بالثورة الفلسطينية، وكلاهما شكّلا أسطورة في وجدان قطاع من جيلي ووعيه. وبالطبع لأسباب جنسية منفلتة كان لا بدّ أن تجذب اهتمامي بوصفي مراهقا آنذاك، وإن بدا للبعض الآن أن هذا الخليط بين ما هو جنسي وفلسطيني ويساري، مربك أو شائك. لكنه صنع الله إبراهيم، الذي خاطب عقولنا ووجداننا في الوقت نفسه، وكان منتبهًا تمامًا إلى هذه الجوانب المخفية في مكان عميق من فانتازياتنا، وحاول أن يروي ما لا يرويه الآخرون، مثلما قال في أحد حواراته المتأخرة. فيخربش على هذا الجانب من رغباتنا غير المتحققة، التي ربما ننكر وجودها، ليظهره ويخرجه إلى النور، فيصبح صحيًا بدرجة أكبر.

ذات/ذوات صنع الله

تستحق جوانب كثيرة من العمل الأدبي لصنع الله إبراهيم التوقف أمامها وبحثها، وأن تُؤلَّفَ الكتب عنها، ولا يستطيع مقال واحد الإلمام بها. لكن، يخيل إليّ أن هناك أبوابا أساسية تصلح للدخول إلى مسيرته كاتبًا. وعبرها يستطيع المهتمون بإرث صنع الله الدخول إلى مناطق أخرى. من بين الأبواب/الهواجس الأساسية لصنع الله صورة المثقف، وخاصّة اليساري من جيل الستينات التي يرسمها في كثير من أعماله. ملامحه، تناقضاته، مساره المتعثر غالبًا، وكيف يحوله الكاتب اليساري صنع الله إلى بطل عادي، نستطيع عبره تأمل الواقع المعني في زمان ومكان محدّدين. وبالإضافة إلى صورة المثقف التي “يخربش” فوقها صنع الله، لنكتشف ما لا يظهر على السطح، نجد الزمن هاجسا أساسيا في علاقته بالسينما عامّةً، والسينما التسجيلية على الأخصّ.

يقع بعض القراء في التباس الحدود الفاصلة بين الشخصية الروائية وكاتبها. فيتصورون أن الشخصيات الروائية أو “الفيلمية” إن تشابهت، ولو في ملامح قليلة مع صانعها، ستكون بالتالي تجسيدًا له، أو معادلا دراميّا له. وهو ما حذر منه صنع الله -وأذكره في بداية المقال تجنبًا للالتباس- مشيرًا إلى أنه لا يكتب سيرته الذاتية، لا يكتب ذاته، دون أن ينفي أن كتابته ذاتية عامّةً. فوجود شخصية المثقف اليساري من جيل الستينيات في عدد من الروايات، أو وجود شخصية الكاتب المتمرد أو المراقب في الروايات نفسها أو في روايات أخرى، لا يعني بالضرورة إشارة إلى أن هذه الشّخصية تحمل تركيبة صنع الله وملامحه، أو أن ما تعيشه الشخصية الروائية عاشه كاتبها. لكنها على الأغلب ستحمل همومه، ومن المحتمل أن تحمل بعض السّمات من ذاته. إنه ما يفسر لجوءَه إلى الكتابة بضمير “أنا”، مثلما يقول في حوار مع موقع المرايا نشر ربيع 2024، وكيف أنه حاول الكتابة بضمير الغائب، ولم تعجبه هذه الكتابة.

في اتجاه مضاد للكتابة الذاتية، يضع صنع الله إبراهيم إشارات في بعض رواياته، محفزًا إيانا للانتباه إلى ذواتنا بوصفنا قراءً ومتلقّينَ، ولتقاطع المصائر والخطوط بيننا وبين شخصياته. أو لينبهنا إلى أن الواقع الذي يتناوله في الرواية، أو العمل الأدبي الذي لا يخضع بصرامة لتصنيف الرواية، هو واقعنا نفسه. دون نفي أن شخصيته هو، بوصفه صنع الله إبراهيم المناضلَ السياسي ثم المعتقَلَ السياسي، ثم الكاتبَ والمثقفَ صاحبَ المواقف السياسية، تظهر بوضوح في أعمال أخرى، وبالذات تلك التي تبتعد عن التصنيف الضيق للرواية. على سبيل المثال هو البطل الراوي بوضوح ومباشرة في “يوميات الواحات” (2005)، إنها يومياته الحقيقية في المعتقل، وشهادته عن هذه الحقبة، مصاغة في عمل أدبي أقرب إلى المذكرات والمشاهدات والتسجيل.

من ضمن هذه الإشارات اسم رواية “ذات”، التي ربما تكون أشهر رواياته. لا يبدو اختيار اسم “ذات” للبطلة، ومن ثَمَّ للرواية بريئًا، أو منفصلًا عن تنبيه قرّائه لواقع ذات، ومسار حياتها المتدهور وتناقضاتها وزوجها، وكيف تتطور هذه التناقضات، أو تُحلّ خلال رحلة انهيار الطبقة الوسطى التي تسجلها الرواية. إذ نشعر بأن وقائع ذات تخصّنا كذوات، نلتقي بشكل أو بآخر بها، مثلما يلتقي المؤلف بها، رغم أنها ليست كاتبة أو مثقفة. لكنها تشاركنا، وتشارك صنع الله الرحلة في الزمان والمكان. مثال آخر على استخدامه لهذه الإشارات المنبهة نفسها، ما يفعله هذه المرة على غلاف رواية أخرى، وليس في متنها، وهي رواية “أمريكانلي” (2003). فربما لن ننتبه حين نقرأ العنوان سريعًا إلى أن الكاتب قام بتعديل الكلمة المعتادة في اللهجة العامية المصرية “أمريكاني”، مضيفًا حرف اللام. ويضع على غلاف الرواية، وتحت كلمة “أمريكانلي” المكتوبة بحجم كبير، بين قوسين: (أمري كان لي). ليس لتفصيص الكلمة أو تقسيمها، بل لإضافة دلالة سياسية مرتبطة بالزمن الأمريكي، ومرتبطة بتاريخ نشر الرواية عام 2003، سنة حرب التدمير الأمريكية/البريطانية/الإسبانية للعراق واحتلاله.

في عام 2005 ينشر صنع الله كتابه “يوميات الواحات”، كتاب ذاتي بامتياز. كان عمره وقتها ثمانية وستين عامًا. وكأنه، شيخًا، يقرر العودة إلى تفاصيل فترة محورية من حياته وحياة بلاده، نهايات الخمسينيات وأول الستينيات. ليتأمل حياتين متوازيتين، الحياة داخل المعتقل، والحياة خارجه، محاولًا خلق علاقة جدلية، علاقة صراع بينهما. يبدو أن العودة إلى تلك الفترة المحورية من حياة الكاتب، التي لعبت دورًا أساسيًا في تشكيله وجعله كاتبًا، تطلبت العودة إلى ما هو أبعد، إلى ذاته مرة أخرى في عمل أدبي، يبدو ظاهريًا كأنه يخلو مما أسميه بالتسجيل السياسي السينمائي، وهو رواية “التلصص” (2007)، أحد أهم رواياته، وإن لم تنل الاهتمام الذي نالته روايات أخرى.

يحضر في “التلصص” هذا الهاجس التسجيلي الأصيل عند صنع الله، وتداخل الخبر أو الواقعة السياسية مع الخط الدرامي التخيلي. الذي سأتناوله لاحقًا بتفصيل أكبر، وأكتفي هنا بتوضيح أحد جوانبه. في “التلصص” يحضر التسجيل السياسي كأنه حضور عفوي، دون هجران الخط الروائي التخيلي مثلما يفعل في “ذات” و”بيروت بيروت”. يحضر هذه المرة عبر تعليقات البعض وحكيهم للأخبار، وإعلانات الأفلام المعروضة في السينما، والأغاني التي تذكرنا بالحقبة الزمنية، لوضع ما هو متخيل/روائي في إطار عام واقعي وتاريخي وسياسي. يستخدم الكاتب كذلك حيلا من نوعية أن يتحرك الطفل لينظر في الجريدة التي يقرؤُها الأب، فينقل إلينا ملمحا من هذا الزمن؛ “أغادر مكاني وألف بحيث أصبح خلفه. أطل على الصحيفة في يده. صورة سيارة شرطة مكشوفة وبها عدد من الشبان في حراسة الجنود. السيارة تسير في منتصف الشارع. عربة “سوارس” يجرها حماران انتحت جانبًا. يقول “رأفت” أفندي: محاكمة “حسين توفيق” و”أنور السادات” قربت تخلص. الدور بعد كدة على الشيوعيين”. انتهى دور الجريدة، لكن الشخصيات تستمر في الحكي وطرح الآراء حول تطورات الوضع السياسي الذي يعيشونه. والتركيز في حالة “التلصص” تحديدًا يقع على الصور، لما تحمله من أهمية في تلقي الطفل/صنع الله للمعلومة وتشكيل موقفه الفطري تجاه العالم. فالطفل يتأمل في موقع آخر زيارة الملك فاروق وملك شرق الأردن، صحبةَ أميرتين ترتديان الملابس العسكرية، إلى المستشفى العسكري لتفقد الجرحى العائدين من حرب فلسطين. وبعد وصف الصورة يكمل مع التعليق: “…. يقول الجزمجي إننا شاركنا في حرب لا شأن لنا بها”.

بين الثوري والزعيم

يُشهر صنع الله إبراهيم في أعماله، صراحة أو ضمنًا، حبه وتعلقه بشخصيتين تاريخيتين لاثنين من المثقفين. يحكي بعض الملامح من تاريخ وتركيبة أولهما في بعضها، فيما ينصبّ اهتمامه الأساسي على لحظة موته ومعناها. أما الآخر، الذي لا يختفي ظله، لتأثيره على صنع الله وجيله، فيُذكر في أغلب هذه الأعمال، وصولًا إلى أن يخصّص رواية كاملة للحديث عن الشهور التسعة الأخيرة من حياته. اشتركت الشخصية الأولى مع صنع الله في التعلق بالشخصية الثانية، لكن مفارقات التاريخ المريرة تخبرنا بأن تلك الشخصية الثانية، كانت المسؤولة عن مقتل الشخصية الأولى، وعن كثير من المعاناة التي مرّ بها صنع الله وجيله من اليساريين، وحددت بدرجة أو بأخرى مساراتهم الحياتية والفنية والنضالية.

لا يحتاج الأمر إلى ألغاز، فالشخصيتان هما شهدي عطية الشافعي، المفكر الشيوعي وأحد أبرز قادة “الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني” (حدتو)، التنظيم الشيوعي الذي انتسب إليه صنع الله، وانتهى وجوده والتنظيمات الشيوعية الأخرى عام 1965، عقب الخروج من المعتقلات، وبعد أعوام من مقتل شهدي عطية الشافعي خلال التعذيب في سجن أبو زعبل، على بعد أمتار من صنع الله إبراهيم. والآخر هو الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الصعب تلخيصه في توصيفيْ “الرئيس” أو “العسكري”. فمن ملامحه الواضحة أنه كان مثقفًا أيضًا، بتوجهات وطنية واجتماعية واضحة، دفعت “حدتو” إلى دعم حركته قبل انقلابها في 23 يوليو 1952، وتأييد منحاه الوطني والاجتماعي الأساسي بعد هذا التاريخ، وصولًا إلى فترة الاعتقالات بين يناير 1959 ونهايات 1964. لتمتد العلاقة بين هذا التيار من الشيوعيين، وغيرهم بعبد الناصر بعد الخروج من السجون، بتحالفهم مع النظام الذي دمر حركتهم، والعمل تحت مظلته. وهو أحد جوانب تناقضات المثقف التي لم يغفلها صنع الله إبراهيم في عمله الأدبي.

لعبة الأسئلة التي لا تنتهي، والتي تخلق من داخلها أسئلة جديدة، دون أن يتورط الكاتب في طرح إجابات، مرتبطة بسِمة أساسية يبدو لي أنها كانت من ضمن سمات صنع الله الشخصية، وهي اللا يقينية والشك والسؤال المستمر والبحث عن وجوه أخرى لما يراه وعدم الاكتفاء بالصورة الأولى. إنه نفسه ما يفسر أن يكون أبطالُه عاديين. فحتى لو أحب صنع الله عبد الناصر، ومجّده في لحظات ومشاهد، إلا أنه يعود أحيانًا إليه كأنه يذكره بتناقضات مشروعه، وبأن سلطته قتلت شهدي عطية الشافعي.

ربما احتاج صنع الله سنوات طويلة ليستطيع أن يخاطب عبد الناصر مباشرة، في العمل الأدبي الأكثر اقترابًا من بين أعماله إلى اليقينية والإجابات الحاسمة، وبصوت الراوي العليم الذي لم يستخدمه من قبل. يتخذ كتاب “١٩٧٠” (2019) شكل اليوميات، أقرب إلى الخطاب المباشر بصيغة المتكلم لعبد الناصر. تبدأ اليوميات مع اليوم الأول لذاك العام، وتنتهي بوفاة عبد الناصر، واصفًا مشهد الجنازة والصدمة الشعبية بوفاة الزعيم، كأنه يحكي له مشهد وداعه. لكنه يختتم هذا اليوم، والكتاب، بعبارة تحدّد موقعه كمثقف يساري ناقد له، ويكاد يحاكمه: “خذلت نفسك وخذلتنا… ثم ذهبت، وذهبت معك مقدرات الأمة وأمالها… إلى حين”.

كأن في داخل مثقف الخمسينيات والستينيات رغبة في مخاطبة الزعيم ومواجهته. وهي صيغة في الكتابة لم يستخدمها صنع الله قبلها، وإن لاحت أحيانًا في تداخل السياسي مع الروائي. أو تدخل الآراء السياسية بين أحداث الروايات. لكنها تصل هنا إلى أقصى مدى لها في نهايات مساره الأدبي، ربما لإغلاق ملف عبد الناصر والتخلص من ثقله. بل إن الرواية، إن التزمنا بالتصنيف الموضوع على غلافها، تتشكل من “كولاج” للأخبار والتعليقات مع بعض التخييل ومحاولة للتوثيق غير الحيادي من وجهة نظر الكاتب لهذه الشهور الأخيرة من عهد عبد الناصر. على سبيل المثال، وبخصوص علاقة عبد الناصر بالسادات، واختياره له نائبا، يطرح صنع الله تصوره وبمباشرة، عن كيف كان السادات الشخص الأنسب ليشغل منصب نائب الزعيم، رغم معرفة ناصر بفساده وارتباطاته المشبوهة بالخارج، وعلاقته السابقة للثورة بالحرس الحديدي التابع للملك، واعتياده لـ”الفخفخة”، وتشبثه بنمط حياة أقرب إلى الأجانب. إلا أنه كان يداعب نرجسية عبد الناصر ويتملّقه، وهو ما كان يرضيه، وكان أول من استخدم لقب “الريس” في مخاطبة عبد الناصر بعد عودته من مؤتمر باندونج 1955.

الشخصيتان، شهدي وناصر، مع شخصيات مثقفين آخرين حاضرين في أعمال الكاتب، أحيانًا ما يكونون شخصيات حقيقية، وأحيانًا أخرى متخيلة، وأحيانًا ثالثة نتاج مزيج من عدد من الشخصيات الحقيقية والمتخيلة، يعبرون جميعًا عن هاجس أساسي عند صنع الله ومدخل أساسي لقراءة عالمه الأدبي، نوعية البطل المثقف اليساري الحاضرة في أغلب أعماله وصورته. بالتجاور مع المدخل الآخر المشار إليه قبل سطور، الزمن، أو اللحظة التاريخية التي يختارها الكاتب للدخول إلى عالم البطل وواقعه، واستعانته كثيرًا بالتوثيق الأقرب إلى السينما التسجيلية، لتجسيد كثافة هذه اللحظة التاريخية وحضورها. إلى درجة أن عددا من عناوين كتبه عبارة عن تواريخ، مثل “١٩٧٠” التي تحدثت عنها توًّا. و”٦٧” (2017)، وبطلها ليس يساريا، بل مهووس جنسي أقرب إلى العدمية أو إلى عدم الانتماء. و”برلين ٦٩” (2014). وفي أغلب الروايات الأخرى يبحث صنع الله عن حيل ليكون زمن الأحداث، اللحظة التاريخية، أول ما نتعرف عليه في الرواية، بالإضافة إلى مكان أحداثها. مثل رواية “الجليد” (2009)، التي نجد في صفحتها الأولى عنوان: “موسكو ١٩٧٣”.

ملامح البطل… ملامح اللحظة

يختلف عادة أبطال العالم الأدبي لصنع الله إبراهيم عن كل من جمال عبد الناصر وشهدي عطية الشافعي، في أنهم ليسوا مشهورين، ولم يُسجنوا مسبقًا داخل أطر صور متخيلة عنهم بوصفهم أبطالا مطلقين -وإن كان صنع الله يتناول تناقضات عبد الناصر وضعفه. سيكون البطل المثقف اليساري، إن ظهر روائيًا، منتميًا على الأغلب إلى جيل الستينيات، جيل المؤلف نفسه. وهنا نجد نماذج كثيرة ومتباينة، تجمعها عناصر أساسية، ليس من بينها ملامح البطولة والرومانسية والوجه الأحادي للشجاعة والإقدام والتضحية بالذات دون تردد، التي اعتاد الجمهور على استهلاكها بوصفها ملامحَ ثابتةً لشخصية البطل الوطني أو الثوري. هذه الملامح التي تتجسد في رؤيتنا نفسها لشهدي عطية الشافعي وكيف مات شجاعًا وبطلًا. وتتجسد كذلك في رؤية الناصريين الأحادية لعبد الناصر، النازعة إلى رؤية جانبه الإيجابي والوطني والاجتماعي، وإغفال الجوانب الأخرى.

يأخذ صنع الله بطله الروائي بعيدًا عن هذه البطولة المجرّدة، يضعه في منطقة الاعتيادي، وسطَ الواقع المعاش الرتيب، حتى وإن كانت لحظة تحول مفصلية في التاريخ. ينزع عنه القدرة على خوض المعارك الكبرى كبطل، وينزع عنه كذلك هالات المثقف التقليدية التي أحاط عدد من مثقفي الخمسينيات والستينيات أنفسهم بها. وفي طريقه هذا يستخدم دوافع مثل الجنس والرغبة في الحياة المريحة والحلوة، ليخربش في ذات المثقف اليساري وتركيبته، كاشفًا عن تناقضاته وأزماته الداخلية. ليس من أجل السخرية والتسفيه منه، بل كي يحوله إلى شخصية حقيقية نستطيع أن نراها ونتأملها في واقعنا المعاش، ونستطيع كذلك أن نختلف معها، بعيدًا عن هالات البطولة المزيفة، لنتمكن من فهمها.

أغامر بالقول إن صنع الله إبراهيم يتعامل مع هاجس/مادة الزمن أو اللحظة التاريخية بالمنهج نفسه المستخدم في رسم شخصية البطل. يختار عادة لحظات تحول كبرى، لحظات فارقة، ليضع فيها شخصياته، ليراقبها ويراقب ما تتركه لحظة التحول عليها من آثار وبصمات. إنه ما يرتبط ويفسر هذا الهاجس الواضح بالسينما، قبل أن يكون بالتوثيق الصحفي. ليس لمجرد أنه درس السينما فترة في الاتحاد السوفيتي مثلما يفسر البعض، وصنع فيلمًا قصيرًا بالتعاون مع المخرج السوري محمد ملص. بل لأن الحسّ السينمائي يمنحه القدرة على رسم الأبعاد المختلفة للبطل، وللحظة التاريخية بعيدًا عن الأسطورة أو الملحمية التي يفرضها خيال قارئ الأدب أحيانًا. وفي تقديري منحته السينما بعض أدواته المونتاجية لبناء الرواية. أدوات مستلهمة بشكل أساسي من مدارس المونتاج السوفيتية، بحيث تستعيد اللقطة السينمائية، العبارة أو الجملة في حالة الكتابة الأدبية، المعنى والقيمة في حدّ ذاتها، منفصلة عمّا يسبقها وما يليها. ليتشكل معنى جديد بعلاقتها بلقطة/بجملة سابقة، وأخرى تالية. وهو ما يُلاحظ بأوضح صوره في الكولاج الذي ينسجه من قصاصات الأخبار والإعلانات، وكيف يربط أحدها بالآخر في عدد من الروايات.

مثلما يخربش الكاتب في ذات البطل ليكشف تناقضاته وأزماته وضعفه، يفعل الشيء نفسه مع الزمن. فلا يمجد اللحظة التاريخية، أو يكتفي برؤية جانب “العظمة” فيها. بل يبحث عن تناقضاتها، عن جوانبها الأخرى، كي لا نقع في أسْر صورتها المخادعة، سواء تلك التي شكلتها المخيّلة الجماعية، أو أنتجتها الماكينات الإيديولوجية والسردية للسلطة. بطل “نجمة أغسطس” (1974) مثقف يساري خارج حديثًا من المعتقل الذي غاب فيه سنوات. يخرج إلى الحياة/الواقع في لحظة تحول وانتصار كبرى؛ بناء السد العالي وتحويل مجرى النهر عام 1964. لكن هذا البطل، الذي ينزع عنه صنع الله البطولة ويحمله إلى منطقة العاديّ، مهووس جنسيًا، يراقب ما يحدث حوله ببرود، دون يقينية، كأن هناك حاجزا شفافا يفصله عن الواقع. وهو أيضًا قادر على اتخاذ مواقف شجاعة أو مبدئية، دون أن يرتدي قناع البطل الرومانسي الخارق، فيرفض الذهاب لمقابلة ضابط المباحث في أسوان، فإن كانوا يريدون التحدث معه فليلقوا القبض عليه. أما المدينة، أسوان، مكان الحدث التاريخي، يبعدها صنع الله عن أي إغواء ملحمي. فهي مدينة نكاد لا نرى ملامحها “العظيمة” في الرواية، بل نرى “بلوكات” مساكن تبدو قبيحة من الطراز المعتمد في أوروبا الشرقية. ويبعد صنع الله مشهد بناء الصرح العظيم، السد العالي، عن العظمة، ليكشف تناقضات المكان والزمان، وتناقضات هؤلاء الأشخاص المجتمعين من مصر والاتحاد السوفيتي في تلك اللحظة لتحقيق الإنجاز التاريخي، ليطرح أسئلة حقيقية ومقلقة حول ما يبدو مشهدًا عظيمًا.

زمن الرواية الفارق يكاد لا يغيب. فرواية “التلصص” على سبيل المثال تدور أحداثها في القاهرة، النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتزامن مع حرب فلسطين، وبعودة مركبة إلى لحظة تحول تاريخية. فهناك أبطال ثلاثة للرواية وخطان زمنيان متوازيان. بطلها الأول الطفل الراوي، صنع الله، الذي يرسم لنا بتلصصه ملامح من البطل الآخر، الأب العجوز الذي وجد نفسه مسؤولًا عن ابنه الصغير بعد أن أصيبت الأم بخلل عقلي أو نفسي فغابت عن حياتهما. وتتشكل الأم تدريجيًا بطلًا ثالثًا، تحضر في الخط الزمني الموازي عبر ذكريات الطفل عنها بآلية التداعي، أن يحدث في يومه الآني شيء ما يدفع سيرتها وصورتها عنده إلى الأمام، لتحضر. فيما يتشكل تدريجيًا خراب اللحظة التاريخية وفوضاها بين الحربين، لا ينجو منه الأفراد، فالأب المحب والمُراعي للابن له وجوه أخرى تعبر عن قسوة ونفاد صبر واستغلال جنسي للخادمة وخيانات مخفية، بعد انهيار حياته التي كانت في الماضي أكثر راحة ورفاهة.

الجنس بوصفه أداةً للخربشة

الهاجس الجنسي، والشخصيات المهووسة جنسيًا، مثل بطل “نجمة أغسطس” المشار إليه قبل سطور، من المواد الحاضرة بكثافة في العمل الأدبي لصنع الله إبراهيم. يتكرّر ظهور تنويعات من الشّخصيات المهووسة، أو التي تتعامل مع الجنس دون تابوهات، بوصفه شيئا ضروريا وملحّا. في هذا السياق نجد شخصية صنع الله نفسه؛ الطفل الذي يشعر بالفضول تجاه أجساد الجارات وتجاه هذه المتعة التي لم يدركها بعدُ، في “التلصص”. وهو أيضًا الشاب المعتقل في مطلع الستينيات في “يوميات الواحات”، وصولًا إلى شخصية البطلة “وردة” في الرواية التي تحمل الاسم نفسه.

يحكي صنع الله في “يوميات الواحات” عن تلك اللحظة المأساوية لمقتل شهدي عطية الشافعي في سجن أبو زعبل، قريبًا من زنزانته. ويحكي عن الضغط عليه وعدد من رفاقه ليقدموا شهادات كاذبة أمام النيابة عن كيف قُتل شهدي، أو ليمتنعوا عن تقديمها. البطل/الراوي/صنع الله، وفي هذه اللحظة المأساوية، يستمني خفية؛ “حملنا أحد الزملاء فوق الأكتاف حتى أصبح رأسه في مستوى النافذة وتمكن من مخاطبة معتقلي العنبر المجاور. هكذا علمنا بوفاة شهدي. ساد الصمت والوجوم وعندما هجعت للنوم كان جسمي كله يؤلمني رغم أني لم أتعرض لضرب كثير. ولم أتمكن من النوم إلا بعد أن استمنيت خفية”. إنها تفاصيل صغيرة يضعها الكاتب في جمل أقرب إلى التقريرية أو الحيادية، تمس مثلث الموت والعنف والجنس في فقرة قصيرة، وتحطم أوهام بطولة شخصياته، ليؤكد عاديتها، حتى وإن كانت الشخصية في هذه الحالة هي الروائي نفسه.

الرواية الوحيدة لصنع الله إبراهيم التي تحتل موقع البطولة فيها امرأة مثقفة ويسارية، ومن جيل صنع الله، جيل الستينيات هي “وردة” (2000). في حين تغيب هذه النوعية من الشخصيات النسائية، أو تحتل الخلفية في روايات أخرى. صحيح أن “ذات” امرأة وبطلة الرواية التي تحمل اسمها، لكن ذات ليست مثقفة أو يسارية، بل موظفة/مواطنة تنتمي إلى الطبقة الوسطى المتعلمة التي صعدت مع زمن عبد الناصر وانهارت مع انهيار مشروعه. وفي “بيروت بيروت” هناك شخصيتان نسائيتان تبتعدان عن لعب دور البطولة. إحداهما لا نراها سوى بوصفها محور شهوة الكاتب المصري الزائر إلى بيروت، وسيخوض معها مغامرة جنسية سريعة. والأخرى أنطوانيت، المارونية اليسارية المتمردة على طائفتها وربما طبقتها، التي تجاوزت في تمرّدها زياد الرحباني، والمنتمية إلى الثورة الفلسطينية مخرجةً/مثقفةً ومقاتلةً، المشار إلى كلماتها في بداية المقال. لكن صنع الله لا يمنحنا أبعادًا مختلفة من حياتها أو تركيبتها، يكتفي بتلك اللقاءات العابرة في صالة المونتاج، وجولة تدعوه إليها، وزيارة تقوم بها إلى شقة “وديع مسيحة” حيث يقيم مؤقتًا البطل الذي يتلصص عليهما. لتظل صورتها مثقفةً يسارية متمردة حاضرة عند الهامش الروائي.

ولأنه لا وجود لعمل أدبي لصنع الله إبراهيم يغيب عنه الجنس أو الرغبة، فهو يوظفه أداةً لتحطيم هالة البطولة الأسطورية المنصوبة حول وردة نفسها، الشخصية الأساسية لروايته. وليحطم أيضًا هالات البطولة والرومانسية المرسومة للّحظة التاريخية الثورية، المتمثلة في ثورة ظفار المسلحة، وما سبقها وتلاها. تفشل وردة في قمع ذاتها امرأةً وقمع رغباتها الحسية. وعبر يومياتها تتكشف أمامنا رغباتها في أجساد بعض الرجال المحيطين بها، وكيف تتعامل مع جسدها خلال حقبة ثورية كبرى وممتدة، منذ خمسينيات وستينيات القاهرة وبيروت، وصعود حركات التحرر الوطني والقوميين العرب، وتحولات قطاعات منهم إلى الشيوعية، وصولًا إلى إشعال ثورة ظفار، وبداية انهيار وتراجع هذه الحركات نفسها، وهزيمتها.

يتوازى ويتقاطع في “وردة” خطان زمنيان؛ الأول زمن وردة وتجربتها القديمة، والثاني الزمن الحديث لـ”رشدي” الكاتب المصري الشيوعي الذي كان مغرمًا بها، ويأتي بعد أعوام طويلة ليبحث عما بقي من قصتها، وربما ليبحث عن أخيها، هذا الغامض المختفي، الذي ربما رغب جنسيًا في أخته. كلا الزمنين مزدحمان بخونة وثوار ورجال ضعفاء وأشخاص تنقصهم الشجاعة وآخرين متهورين وثوريين ومقاتلي حرب أغوار يحاولون أن يحصلوا على طبق فيه قدر أكبر من الطعام، وثوري وسيم يحاول استغلال موقعه القيادي لينال النساء. يحطم صنع الله الهالات الأيقونية حول اللحظة التاريخية وأبطالها، ليتمكن من فهم هذه التركيبات الإنسانية وتحليلها والتعاطف مع بعضها والسخرية من بعضها الآخر ليمنعنا من التعاطف معها. على سبيل المثال، شخصية “الفندي”، الرجل الخليجي الغني، المثارة حوله ماضيه وأسباب ثرائه ونفوذه الشبهات. يدفعنا صنع الله إلى الابتسام حين يقدم الفندي ابنه واسمه “بوش”، على اسم الرئيس الأمريكي بوش الأب، لأنه أنجبه بعد ما يسميه بـ”حرب تحرير الكويت”. والسخرية هنا تطال خط الزمن الجديد الصاعد، الأمريكي، الذي يسود على حطام زمن قديم يتراجع، زمن اليسار والحركات التحررية والثورية المسلحة. وإن كان الزمن القديم عند صنع الله يستحق النقد والتأمل والتحليل، فالخط الآخر، الحديث، وهذا الجانب “المتأمرك” من الخليج، لا يحتمل سوى السخرية من تفاهته، دون إغفال خطره.

مراقبة أزمنة التحول، أو الخربشة فوق صورتها التي ثبتت في أذهان الناس، كأحد الهواجس الأساسية للكاتب، تجعلنا نكتشف في أسفل الصورة البراقة خرابًا روحيًا أحيانًا. إنه واقع أسوان في لحظة بناء السد العالي وتحويل مجرى النهر في “نجمة أغسطس”. حيث هناك خراب روحي يختفي تحت قشرة صورة تبدو ظاهريًا جميلة، وتحفل بالإنجاز القومي. لا ينجو من ظلال هذا الخراب أغلب الأبطال، سواء كانوا مراقبين أو متورطين. وإن كان الكاتب الذي يزور سلطنة عُمان في رواية “وردة” لا يتحول، كون التحولات الكبرى تحدث عند البطلة الأخرى، وردة، في خط الزمن القديم عبر يومياتها، إلا أنه شاهد على تحول سياسي واجتماعي باتجاه الخراب، هذه المرة في اليمن، التي مثلت أحد أيقونات اليسار العربي، جارة إقليم ظفار الأقرب، وكيف يتقاتل قادتها “الثوريون” من أجل الانفراد بالسلطة. أو الصحفي المهووس جنسيًا في رواية “٦٧” (2017)، الذي يصعد إلى “الأتوبيسات” ليتحرش بالنساء ويلتصق بأجسادهن، ينزل من أتوبيس النقل العام ليصعد إلى آخر، يخون أخاه بإقامة علاقة جنسية بزوجته، بالتزامن مع لحظة الهزيمة وانهيار مشروع عبد الناصر، مشروع التنمية والاستقلال الوطني والوحدة العربية.

إنها تنويعات أحدث من هذا الخراب الروحي الذي أشار إليه صنع الله في روايته القصيرة الأولى، “تلك الرائحة” (1966). حيث يخرج البطل اليساري من المعتقل لمجتمع يبدو عليه الإنجاز والبناء. لا يستطيع التخلص من ثقل سنوات المعتقل الطويلة، ومقتل شهدي عطية الشافعي، فما عاشه عبارة عن معطف لا يستطيع خلعه وحرقه. واللحظة هي لحظة خراب مستتر خلف ما يلمع، تجسدها رائحة العفن التي يشعر بحضورها البطل، لا يتمكن من تحديدها، فيكتفي بالتلصص من وراء النافذة، والاستمناء.

تمتد رائحة العفن، وإن لم يستدعِها صنع الله مباشرة، ولم يشر إليها أو يسميها، إلى بيروت مطلع الثمانينيات في “بيروت بيروت” (1984). فرغم كل ما يبدو ثوريًا وبراقًا، سواء في عالم الثورة الفلسطينية، أو في عالم اليسار اللبناني الذي يحتك به الكاتب الزائر، أو في عالم النشر الأدبي المنفتح المتخلص من الرقابة الذي جاء إلى بيروت بحثًا عنه، أو في عالم الجنس، هناك خراب غير معلن، ينبِئ بملامح من لحظة التحول التاريخية، المجسدة في الهزيمة المرتقبة للثورة الفلسطينية وخروجها من لبنان خريف 1982، بعد اتفاقية كامب ديفيد في مصر، وبداية نهاية تلك الجنة اللبنانية المتحررة على المستويات الثقافية والسياسية والجنسية.

بيروت بيروت… بعد عقدين

لأتوقف سريعًا عند هذا الخراب من زاوية أداة التوثيق، أو ما أسميه بالسينما التسجيلية عند صنع الله، لبيان كيف يستخدم هذه الأداة لكشف الخراب، والخربشة فوق الواقع والزمن.

نقرأ بالتبادل في “ذات” فصلًا روائيّا من حياة البطلة ومحيطها، وفصلًا آخر عبارة عن قصاصات من الصحف والإعلانات. يبني صنع الله تدريجيًا بهذا الكولاج المتوازي بين ما هو روائي وما هو خبري/واقعي، الخلفية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لانهيار الطبقة الوسطى المصرية، وانحدار المجتمع على كل المستويات. ربما كانت تجربة المزج في هذه الرواية بين التسجيلي/الواقعي والمتخيل الأكثر نضجًا، أو لنقل ذروة هذا المزج في مساره. يعود إليه صنع الله لاحقًا مستخدمًا يوميات “وردة”، التي يجدها البطل في عمان ويبدأ بقراءتها. يوميات تسجل من وجهة نظرها ملاحظات شخصية وسياسية وفكرية، لكنها قبل هذا أو ذاك تسجيل لبعض ملامح صعود وتراجع حركة التحرر الوطني العربية والتجارب الثورية في منطقتنا، يضاف إليها ملاحظات الكاتب حول تطورات منطقة الخليج وتجربة اليمن.

ربما، وبالمقارنة مع تلك الروايتين، حيث كان مزيج التسجيلي بالمتخيل جزءا أصيلا من بنائهما، ويمنحنا ما هو ضروري لمعرفة الخلفية الواقعية لشخصيات يبنيها تخيلًا صنع الله، نرى في نماذج روائية أخرى أن التسجيلي مقحم أو زائد، أو أنه تجاوز خط رفيع، وإن لم نعرف تحديده بدقة. إنه نموذج “شرف” (1997) على سبيل المثال، حيث تحضر فجأة قبل بداية الثلث الأخير من الرواية مسرحية أراد بدخولها صنع الله، فيما يبدو، طرح هذا الصوت الآخر. أو “١٩٧٠” التي كتبها مخاطبًا عبد الناصر. أو “القانون الفرنسي” (2008)، في تعداد أسماء المؤرخين الذين تناولوا الحملة الفرنسية على مصر ومواقفهم منها، وأجزاء من مداخلات أكاديمية. دون أن نضع في هذا السياق “يوميات الواحات”، فهي ليست رواية بالمعنى التقليدي للرواية، بل يومياته المشكلة من قصاصات ورق مكتملة وغير مكتملة، وملاحظات وهوامش، لتوثيق سنوات السجن وما حدث خلالها.

لكن قبل روايتي “ذات” و”وردة”، حيث تحققت هذه “الطبخة”/المزيج الضروري، استخدم الكاتب الحيلة نفسها في “بيروت بيروت”. الرواية التي أظن أن البعض من محبي عالم صنع الله الأدبي لم يشعروا بالراحة تجاهها، وبالذات من اللبنانيين والفلسطينيين. توقع نابع مما قاله لي الكاتب اللبناني الراحل إلياس خوري في بيروت 2004، بعد نشر الرواية بعقدين، حين كنت أقوم بتصوير فيلم تسجيلي رفض إلياس خوري الظهور فيه حين اكتشف أن الفيلم يحمل اسم الرواية، قائلًا إن صداقته بصنع الله انقطعت لفترة غضبًا منها.

في “بيروت بيروت” يُدخل الكاتب بعض الفصول بحجة أنها تتابع للفيلم التسجيلي الذي تصنعه أنطوانيت، وسيكتب التعليق له. ليحكي عبر لقطاته ومشاهده المختلفة المشكَّلة من قصاصات ورق وعناوين وأخبار ومادة أرشيفية مصورة وأصوات وتعليقات وشهادات لشخصيات، بعض مما هو مخفيّ من الواقع الذي يقابله البطل الكاتب، وتاريخ هذا الواقع وتناقضاته.

قبل أن نتعرف على البطل، أو صديقه المصري وديع مسيحة المقيم في بيروت الذي سيستضيفه في بيته، أو المخرجة التسجيلية أنطوانيت، أو لميا الصباغ زوجة الناشر الغني الغائب، التي سيخوض معها البطل مغامرة جنسية، يعرفنا صنع الله منذ الصفحة الأولى ببيروت وزمنها كبطلة للرواية. يحدد المكان قبل بدء الرواية بخريطتين؛ خريطة للعاصمة بيروت المقسمة إلى شرقية وغربية، وخريطة للبنان. ويحدد التاريخ دون لبس، فتاريخ الجريدة التي يقرؤها البطل في الطائرة متجهًا من القاهرة إلى بيروت، السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1980. بداية السنة الأخيرة من حكم السادات في مصر، وعام ونصف قبل الغزو الإسرائيلي واحتلال بيروت وخروج الثورة الفلسطينية من لبنان. ومن قبل أن نقرأ فصول ومشاهد فيلم أنطوانيت، أداة “التسجيل السينمائي” الرئيسية التي يستخدمها صنع الله، نجد أن التسجيل حاضر عبر أخبار الجرائد والحوارات بين الشخصيات وتعليقاتها.

يتجسد الخراب تدريجيًا أمامنا، روائيًا وتسجيليًا، في رصده مآلات الثورة الفلسطينية في لحظة التحول اللبنانية والعربية مطلع الثمانينيات. لا يقف صنع الله منبهرًا أمام ما هو ثوري، لا يمجد ما أبهر أقرانه من الكتاب والمثقفين واليساريين في سبعينيات لبنان/فلسطين الثورية المسلحة وأيقوناتها. بل يتأمل في التناقضات، ويخربش من جديد. ليس فقط في ذوات الأبطال، بل في الواقع الثوري نفسه وعبر تفاصيل صغيرة. أسوق منها مثالين، أولهما زيارة خاطفة يقوم بها مسلحون فلسطينيون من القوة 17 التابعة لحركة فتح، والمسؤولة عن أمن ياسر عرفات، لبيت وديع مسيحة بحضور البطل. بعد رحيلهم، يخبر وديع صديقه بأنه يعرف أحدهم، كان مقاتلًا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -اليسارية- وهو الآن مع فتح. ويطرح تفسيرًا لتغيير موقعه بأنه ربما لأسباب مالية، ففتح تدفع أفضل.

أما عن المثال الآخر، فيحكي صنع الله عن أحد القيادات الفلسطينية التي لا تزال تحتل عند البعض مكانة مميزة من ضمن شخصيات النضال الفلسطيني المسلح؛ زهير محسن، قائد منظمة الصاعقة. ففي عدد من الفقرات يشير إليه عبر قصاصات ورق، ليصل إلى فقرة محددة، كأنه يستكمل رسم صورته تدريجيًا. بداية بأنه زعيم تنظيم/دكانة متحالفة مع النظام السوري أو تابعة له. ثم تورط منظمته في عمليات نهب وسطو مسلح. ثم رئاسته للدائرة العسكرية في منظمة التحرير الفلسطينية، وصولًا إلى: “اشتهر زهير محسن باسم زهير عجمي، بسبب هوايته للسجاد الذي كان يجمعه من المنازل المدمرة والمنهوبة. وقد تزوج من ابنة تاجر سجاد ثم اشترك مع أحد زعماء الكتائب (جملة اعتراضية من كاتب المقال غير واردة في الرواية: أي اشترك مع الخصم، اليمين المتطرف المسيحي المتحالف مع إسرائيل)، شقيق سفير لبنان في فرنسا، في تهريب الأسلحة قبل أن تغتاله رصاصات مجهولة على أبواب كازينو القمار في مدينة كان الفرنسية”.

بانوراما التفسخ السياسي والروحي والأخلاقي لا تنحصر في الفلسطينيين ومنظماتهم. بل يرسم صورة لجانب من هذه المدينة مرتبط بكونها ملجأ للكثيرين من المنفيين والمثقفين اليساريين العرب، الذين يغيرون انتماءاتهم في بعض الأحيان بناء على من يدفع أفضل، وليس بناء على المبادئ والأفكار. إنها تعرية لا ينجو منها البطل/الراوي المصري، الزائر المؤقت. في بدايات الرواية يقرأ البطل خبرًا عن الفيلسوف الفرنسي الماركسي “لوي ألتوسير”، وأنه خنق زوجته. وفي نهاية الرواية يحاول البطل خنق لميا الصباغ بينما يضاجعها. يختلط هنا العنف بالجنس من جديد، بوصفهما عامليْن شديديْ الحضور والثقل، يعبران عن مآزق في ذات المدينة وفي ذوات المثقفين، يخربش فوقه صنع الله ليكشفه.

نهايات الرحلات

عادة ما تكون شخصيات صنع الله وحيدة، قلقة، على سفر، لا تشعر بالأمان ولا تبحث عنه كذلك. وهي في أغلبها شخصيات مهزومة، ومنفصلة بدرجة ما عن الواقع، درجة لا تمنعها عن مراقبته ورصد تفاصيله، والتفاعل معه في بعض الحالات. ربما لذلك نجد في بعض رواياته تكدسًا للتفاصيل يدفعنا أحيانًا إلى السؤال عن جدوى رصد كل هذه التفاصيل روائيًا. أحد إجابات هذا السؤال المحتملة، في ظلّ غياب أي إجابة يقينية، أن رصد صنع الله للتفاصيل بشكل مكثف، أو رصد ضوضاء الواقع رغم الانفصال النسبي لأبطاله عنه، واحتفاظهم بهذه المسافة للمراقبة، حيلة لخلق هذه الحالة نفسها من الانفصال بينهما، انفصال لا يمنع الانتباه للتفاصيل. دون إغفال أنها، على ما يبدو، أحد أدواته لإضفاء الصبغة الواقعية على عمله الأدبي التخيّلي، ونسج الكولاج. والواقعية المقصودة هنا ليست “الواقعية الاشتراكية” الستالينية، التي تمجد الجموع في فعلها الثوري، تمجد اللحظات التاريخية الكبرى، وتدعو إلى تذويب الفرد في بحر الجموع، وتحتقر الهموم الفردية. بل إن واقعية صنع الله انتماء إلى العكس، إلى واقعية تتأمل الزمن، اللحظة، الأفراد، لحكْي ما هو مخفي.

يلفت الانتباه كيف تنتهي الضوضاء، أو بكلمات أخرى كيف تنتهي رحلات أبطال صنع الله. واستخدام تعبير “رحلات” في هذه الحالة ليس مجازيًا تمامًا، فعدد غير قليل من روايات صنع الله تدور أحداثه خلال رحلة أو زيارة مؤقتة، قصيرة أو طويلة، واستكشاف لمكان غير المكان الأصلي للبطل. وهو جانب آخر لتفسير “ضوضاء التفاصيل” إن استخدمنا هذا التعبير مجازًا. تنتهي كثير من رواياته بفعل الرحيل بصمت عن المكان، مغادرته. أو العكس تمامًا، السجن داخل جدرانه على غرار “ذات”، فهي ليست على سفر. تعيش البطلة مسار الانهيار الطويل لمجتمعها وطبقتها، وفي المشهد الأخير تمرّ بالهزيمة الأخيرة روائيًا؛ تشتري سمكًا ورنجة، وحين تعود إلى المنزل متعبة تكتشف أنهم خدعوها من جديد، وأن السمك فاسد ومنتهي الصلاحية، عفن. تفكر في الذهاب لإعادته، لكنهم بالتأكيد سيرفضون. تقرر أنها ستذهب في هذه الحالة لتقديم بلاغ في قسم الشرطة، لكنها تتخيل تعليق أمين الشرطة: “”سمكة فاسدة؟ يبقى متكليهاش”. معه حق. فالموضوع تافه. شديد التفاهة. شعرت بالدموع تتجمع في عينيها، فألقت بالسمك والرنجة في صفيحة القمامة، وتحاملت على نفسها، فغادرت المطبخ واتجهت بخطوات متثاقلة إلى المبكى: المرحاض”.

وإن كانت ذات تغلق على نفسها باب المرحاض للبكاء، فبطل “اللجنة” (1981) -ليس على سفر مثل ذات- يجلس وحيدًا ومعزولًا ليبدأ بالتهام نفسه، التهام جسده عقابًا تفرضه عليه اللجنة، أو يفرضه هو على ذاته لأنه إنصاع لها، إنصاع للسلطة، ولم يتمرد عليها مبكرًا. في حين يرحل البطل عن المكان، يغادره ربما يائسًا أو محبطًا أو مهزومًا في نهايات رحلات/روايات أخرى؛ يأخذ حاجياته، يغلق باب البيت وراءه، ويرحل إلى المطار في نهاية “بيروت بيروت”، بعد الأورجازم/الخنق/القتل غير المتحقق، والرحلة التي لم ينتج عنها ما انتظره.

لا يكتفي صنع الله في “نجمة أغسطس” باستعادة الزمن نفسه لـ”تلك الرائحة”، بل أن كلا البطلين ربما يكونان الشخصية نفسها؛ المثقف اليساري الخارج من المعتقل. إنه تضفير محتمل بين روايتين، يفعله من جديد ليربط رواية “أمريكانلي” (2003) برواية “القانون الفرنسي” (2008)، فبطل الروايتين الشخصية نفسها مع بعض التغيير، “الدكتور شكري”، أستاذ التاريخ. كان أستاذًا زائرًا في جامعة أمريكية في الرواية الأولى، ثم مدعوًا إلى مؤتمر تاريخي في فرنسا في الرواية الثانية. وفي الحالتين مهووس جنسيًا ومتلصّص. دون إغفال أن رواية “العمامة والقبعة” (2008)، هي هذا المخطوط الذي يتحدث عنه الدكتور شكري في المؤتمر التاريخي في فرنسا. وتحضر في الروايتين، “أمريكانلي” و”القانون الفرنسي”، ألعاب التسجيل السياسي والتاريخي عبر حيل عديدة، دون فصلها عن الجانب الروائي/التخيلي، عبر الأخبار والحوارات والمحاضرات التي يلقيها وملاحظاته الشخصية. وفي نهايتهما يتكرر رحيل البطل عن المكان.

إنه رحيل هادئ أو بارد، يختتم روايات أخرى لصنع الله الذي لا تستهويه المغامرات الكبرى، والساعي إلى البرودة التي تسمح بالتأمل. مثلما يحدث في نهاية “وردة”، وإن كان البطل “رشدي” لم يرحل خائبًا تمامًا في هذا الزمن الأمريكي، زمن “الفندي” وابنه “بوش”. اكتشف وردة عبر يومياتها، عرف مصيرها، عرف أنها لم تنسَه خلال رحلتها الطويلة، وأنها انتبهت إليه رغم صمته القديم، وعرف عن الثورة المسلحة التي شاركت فيها، وعرف عن خيانة أخيها لها وللثورة. بل إن رشدي يحقق انتصارًا صغيرًا في نهاية الرواية، المساومة لتجديد عقد عمل زوجة ابن عمه في عُمان لسنتين إضافيتين، والمساومة على مستقبل ابنة “وردة”، “وعد”، لتخرج من البلاد، مقابل صمته، وعدم نشر يوميات أمها. وعلى الجانب الأدبي/التخيلي، يحقق صنع الله الانتصار في منطقة رمزية عبر نشر اليوميات داخل الرواية، أن يحكي.

نهاية “يوميات الواحات” تختلف عن هذه النهايات، وأكثر تركيبًا، ربما لأنها يوميات شخصية. يتحقق فعلاَ مغادرة المكان المؤقت والعودة إلى المكان الأصلي بخروج صنع الله من السجن. لكنه في الوقت ذاته يقترب من نموذج البقاء في المكان المغلق، وإن اختلف المصير عن “ذات” الباكية في المرحاض، وبطل “اللجنة” الذي يأكل نفسه. يتحقق البقاء في “يوميات الواحات” بشروط مختلفة، من أجل خروج وتحقق مستقبلي، فيختتم صنع الله الكتاب بهذه الكلمات: “انقطعت صلتي التنظيمية بحدتو منذ لحظة الإفراج دون قرار منها أو مني. فلم يسع أحد منا إلى الآخر. وفي الوقت نفسه لم أشترك لا في الاتحاد الاشتراكي أو التنظيم الطليعي ولا حضرت أيًا من ندوات لجنة الفكر والدعوة التي رأسها كمال رفعت ونائبه محمد نصير. لم يدعني أحد لشيء من ذلك فلم أكن بذي شأن. كما كانت لي أجندتي الخاصة. ففي غرفة مصر الجديدة والغرف التي تلتها كنت أتدبر أكبر مغامرة قمت بها في حياتي وهي أن أكون كاتبًا”.

الحضور خارج الغرفة

في مساء أحد أيام شهر أكتوبر من عام 2003، يصعد صنع الله إبراهيم إلى منصة أحد قاعات دار الأوبرا المصرية، أمام ممثلي السلطة الثقافية ولجنة تحكيم ملتقى القاهرة للرواية، وزملائه من الكتاب والكثير من الصحفيين، ليتسلم جائزة الملتقى. يُخرج ورقة ليقرأ منها، مفجرًا مفاجأة مدوّية دون أدنى شك. فبعد المقدمة التي أشار فيها إلى زملائه الراحلين وكانوا يستحقون هذه الجائزة أكثر منه، وشكره للجنة التحكيم، يعلن رفضه للجائزة ببيان سياسي بامتياز، يعري حال البلد وانهيارها وانكسارها في لحظة محورية، يعري الخراب الشامل، محملًا السلطة السياسية المسؤولية، بعد جملة مهمة تعلن تعاليه وآخرين عليها، وترفعهم عن جوائزها. وهي عبارة أنها لا تملك مصداقية منحه الجائزة. ليغادر المكان بهدوء، وسط التصفيق والصخب، مثل بعض أبطال رواياته.

رفض صنع الله للجائزة، وإدانته العلنية للنظام المصري في حضور ممثليه، وللنظام العربي بأكمله، وضعه في مكانة خاصة بين كتاب جيله، وعند قرائه. لكن، بعد وقبل هذا الفعل السياسي رفضًا لجائزة، الرفض الذي أثار الكثير من الضوضاء، وتسبب في ارتياح كثيرين بأنه فعل ذلك “باسمنا”، تُطرح في المناسبات أسئلة حول موقعه بين جيل الستينيات في الكتابة الروائية المصرية، المشهورين والمجهولين. يراه البعض أكثرهم اشتباكًا مع هاجس ورد في هذا المقال بشكل عابر، وهو هاجس “هندسة الرواية”، وكيفية بنائها والتجديد والتجربة في هذا البناء. لكن، خارج إطار ما هو فني وتقني، ربما يكون صنع الله من أكثرهم اشتباكًا مع السياسة داخل رواياته. والمفارقة أن هذا الاشتباك الذي كان يحدث بمباشرة روائية أحيانًا للتعبير عن موقف سياسي، إلى درجة أن يطرح البعض أنه كان كاتبًا إيديولوجيًا، أو “ملتزمًا”، لم يفقده تقدير النقاد له، ولم يفقده التألق.

التزام شخصيات صنع الله الروائية ومدى إيديولوجيتها مشكوك فيه. ربما تكون أكثرهم إيديولوجية “وردة”، التي ماتت في الصحراء. لكنّ صُنع الله نفسُه، بوصفه كاتبًا، لا يمكن قوْلبته داخل الإطار الإيديولوجي أو الالتزام بمعناهما التقليديين. فالأدلجة والالتزام كانا سيمنعانه من هذه الخربشة نفسها في الوقائع والتركيبات والصور التي تبدو أيقونية وثابتة. حاول أن يظلّ متسقًا مع انتمائه السياسي والفكري إلى اليسار، وأن تكون مواقفه خارج العمل الأدبي معبرة عما يظنه صحيحًا، فكان مثقفًا متفاعلًا أو ملتزمًا بهذا المعنى، سواء في انتمائه السياسي التنظيمي الشيوعي في الخمسينيات وصولًا إلى منتصف الستينيات، وفي تفاعله مع السياسة والعمل العام الثقافي من صفوف المعارضة، وفي لحظة رفضه جائزةَ مؤتمر الرواية عامَ 2003، رافضًا التلوث بجوائز النظام، ليذكر أصحاب السلطة، ويذكرنا، بالواقع الذي كان يريدنا أن نراه، وحاول أن نراه ونتأمله عبر أعماله الأدبية. وكان ملخصه في هذه اللحظة من عام 2003: الخراب الشامل. فيما تدير السلطة الثقافية/السياسية عملية إدخال أغلب المثقفين إلى حظيرتها، ما عدا قليلون رفضوا، وكان صُنع الله من بينهم.

ربما لا بدّ من العودة في نهاية هذا المقال إلى عبد الناصر. فصنع الله إبراهيم، حتى لو فلتت في رواياته عبارات تقدير أو حب لعبد الناصر، إلا أنه لم يكن بأي شكل من الأشكال ناصريًا، ولم يكن له أن يكون لأنه غير يقيني، بل مثقف قلق ومتسائل ومتشكك. ربما لهذه السمة نفسها، اللا يقينية، فتح صنع الله الباب أمام الصديقة التونسية كي تعرف طريق اليسار. مثلما فتح أمام من سبقوها الأبواب لقراءة رواية مختلفة، تتناول من ضمن ما تتناوله نماذج من المثقفين اليساريين. لكن، بتحطيم أساطير البطل التقليدي، وأساطير أزمنة التحول الكبرى. رواية تفتح أعين قرائها على اتساعها ليروا واقعهم بأعين نقدية.

ربما لذلك نفسه حقق صنع الله هذا النجاح والاحترام، بنزوعه البالغ إلى العادية، وتأمل الواقع الملوث، والأفعال كلها دون أحكام أخلاقية. ربما يشكل ذلك أحد أسباب جاذبيته لأجيال لم يعد بإمكانها تصديق صورة البطل الرومانسي المخلّص، لكنها تتمسك بقيمة التمرد السياسي والأخلاقي الحاضرة في أعمال صنع الله إبراهيم وحياته. والحاضرة عند أنطوانيت المتمردة على الوضع كله، أكثر من زياد الرحباني حسب كلماتها.