صنع الله إبراهيم… الخربشة فوق صورتيْ المثقف والزمن
“- لا تنسَ أنها مدينة واحدة، أثناء الحرب كنت آتي أيضًا إلى هنا كل يوم. أترك أهلي في بلوزة وجيبة أو فستان، وبمجرد وصولي ألبس الأوفرول العسكري وأحمل الكلاشينكوف. وبالليل أغير ملابسي قبل أن أعود إلى أهلي.
– هل هم …؟
– أجل. موارنة متعصبون.
– أنت مثل زياد الرحباني إذن؟
– زياد كان متمردا على أمه.
– وأنت؟
– أنا متمردة على الوضع كله”.
(من حوار بين أنطوانيت والكاتب المصري في “بيروت بيروت”)
“إنه سحر محمود درويش”. عبارة تفسر ظاهرة يعرفها بعضنا؛ أشخاص منذ سبعينات القرن الماضي، وصولًا إلى الألفية الجديدة، كتبوا الشعر، أو انتموا إلى القضية الفلسطينية بعد تعرفهم على شعر محمود درويش. ظاهرة تتجاوز الحدود العربية، لتصل إلى بلدان تتحدث شعوبها لغات أخرى تُرجم إليها شعر درويش، وكانت قصائده المترجمة الباب الذي عبروا منه للانتباه إلى قضية شعبه، والانتماء إليها. وقبل بضعة أسابيع، قالت لي صديقة تونسية: “وصلت إلى اليسار من بوابة روايات صنع الله إبراهيم”.
كانت المرة الأولى التي يصادفني فيها هذا الاعتراف، بهذه الطريقة المباشرة، رغم أن من بين أفراد جيلي الذي يسبقها بجيلين، قد تأثروا بعمق بالإنجاز الأدبي لصنع الله إبراهيم، ولا أعلم إن كان قد دفعهم ليتحولوا إلى مثقفين يساريين أم لا. لكنه دفع بعضهم إلى القراءة، والتأثر به كان واضحًا في الجيل الذي بدأ حياته الجامعية في مصر نهاية الثمانينات وبداية التسعينات. تحتفظ ذاكرتي بمشاهد لمجموعة من طالبات الأدب الإنجليزي في جامعتي، عين شمس، شاركن بنشاط في تظاهرات رفض الحرب ضد العراق 1991، متأثرات بأستاذتهن ورئيسة قسمهن وقتها الكاتبة رضوى عاشور، قبل عام واحد من نشر رواية “ذات” لصنع الله إبراهيم، 1992. وبعد صدور الرواية شكّلن حلقات لمناقشتها واستعدن رواياته السابقة، مثل “اللجنة” و”تلك الرائحة” و”بيروت بيروت”. فشكّل المنجز الأدبي لصنع الله علامة أساسية في ارتباطهن بالقراءة، والانتباه إلى تغيرات مصر والمنطقة.
لم أصل إلى اليسار من بوّابة صنع الله إبراهيم، بل من بوابات أدبية وسياسية وعائلية موازية. لكن، عليّ الاعتراف بأن رواية “بيروت بيروت” (1984) دخلت بيتنا في الوقت المناسب، منتصف الثمانينات، لتصبح أكثر رواية قرأتها، منذ المراهقة لصنع الله إبراهيم. الأسباب واضحة؛ أحداثها تدور في بيروت مطلع الثمانينات، وفي أجواء لها علاقة بالثورة الفلسطينية، وكلاهما شكّلا أسطورة في وجدان قطاع من جيلي ووعيه. وبالطبع لأسباب جنسية منفلتة كان لا بدّ أن تجذب اهتمامي بوصفي مراهقا آنذاك، وإن بدا للبعض الآن أن هذا الخليط بين ما هو جنسي وفلسطيني ويساري، مربك أو شائك. لكنّ صنع الله إبراهيم الذي خاطب عقولنا ووجداننا في الوقت نفسه، كان منتبهًا تمامًا إلى هذه الجوانب المخفية في مكان عميق من فانتازياتنا، وحاول أن يروي ما لا يرويه الآخرون، مثلما قال في أحد حواراته المتأخرة. فيخربش على هذا الجانب من رغباتنا غير المتحققة، التي ربما ننكر وجودها، ليظهره ويخرجه إلى النور، فيصبح صحيًا بدرجة أكبر.