لم يكن الشاطر حسن : الذكورة الحاضرة والوطن الضائع في “سواق الأتوبيس”
تتعدّد أصول قصة الشاطر حسن في التراث العربي، إلى حدّ يستحيل معه معرفة أصلها الدقيق، إن كان حسن ذاكَ الصياد المغرم بالأميرة، أم إنه ابن التاجر الغني الذي غامر بالبحث عن المرأة صاحبة الشعرة السحرية، وتحدى السلطة ممثلة في الملك ووزيره، وغيرها من الشخصيات الحاضرة في الحكي التراثي الممكن نسبتها إلى نموذج “حسن”. في كل الأحوال، وكأغلب قصص التراث، تتعدد روافد القصة وتتشعب، وكل من يحكيها يغير فيها قليلًا أو كثيرًا، ويضيف إلى أحداثها أو يقتطع منها، ليرسم تنويعة جديدة على الشّخصية.
ورغم هذا التعدد، استقر حسن في مخيلاتنا وثقافتنا -أيًا كانت قصته ومهنته- بطلا يحمل ملامح الفروسية والنبل والشجاعة والتضحية. مثلما يصفه فؤاد حداد في عدة قصائد كتبها عنه؛ “حسن شاطر.. حسن خيال.. بعود فارع وقلب عيال”.
إنه حسن الملهم، حتى في التسمية. فاسمه وحده يجلب السحر والجاذبية، حتى وإن لم يتمتع الشخص المسمّى حسن، الذي نقابله في الشارع أو المقهى أو الجامعة أو موقع العمل، بصفات النّبل والشّجاعة وغيرها. وربما لذلك نفسه، ولأن صنّاع السّينما المصرية لجؤوا كثيرًا إلى حيلة اختيار أسماء شخصيّات أفلامهم بحيث يحمل الاسم صفة ما دالة على تركيبة الشخصية أو سِمة من سمات البطل أو لما يرمز إليه،لا يبدو اختيار اسم “حسن” بطلا لفيلم سواق الأتوبيس للمخرج عاطف الطيب تفصيلًا عابرًا، بل مفتاحًا تأويليًا.
الاتجاه يسارًا في زمن اليمين
يعدّ “سواق الأتوبيس” (1982) من ضمن أحجار الأساس لسينما ثمانينات القرن الماضي الجديدة، التي اختلف النقاد على تسميتها. فهناك من حاول “تعسفًا” أن يضعها في سياق موجة سينمائية لها ملامح واضحة، وآخرون اكتفوا بنسب مخرجيها إلى جيل محدد، الجيل الذي تخرج من المعهد العالي للسينما أو دخل صناعة السينما المصرية مع هزيمة 1967، وقدموا أفلامهم الطويلة الأولى مطلع عقد الثمانينات؛ علي بدرخان، عاطف الطيب، داود عبد السيد، خيري بشارة، محمد خان وغيرهم.
الفيلم، الذي شارك في كتابة قصته محمد خان، وكتب له السيناريو والحوار بشير الديك، مثل أفلام أخرى لعاطف الطيب، نلتقط فيها بوضوح تأثره بإرث صلاح أبو سيف، خاصة في توظيف الواقعية الرمزية التي كان يهواها. لكنه ينحو إلى واقعية فيها الكثير من النغمة الوطنية والخطابية وبعض المباشرة التي صبغت أفلاما أخرى لعاطف الطيب، واكتسبها من صلاح أبو سيف بعد أن حملها إلى مستويات أبعدَ.
لا تختلف نهاية الفيلم كثيرًا عن تلك النهايات التي يتحقق فيها الانتقام الرمزي الأخير من “الأشرار”، على اختلاف أنواعهم، حتى ولو لم يفز البطل بانتصار واضح أو مكتمل؛ أن تموت “شفاعات” تحت حجر الطاحونة في فيلم أبو سيف “شباب امرأة” (1955)، أو أن يُنفّذ حكم الإعدام الشعبي/الأخلاقي على الخائن “فرج الأكتع” في نهاية “كتيبة الإعدام” (1989) للطيب، أو أن يلحق حسن-“نور الشريف” بالسارق/النشال في نهاية “سواق الأتوبيس”، ويفرغ فيه طاقة الغضب المكتوم كلها، مترجمة في بضع لكمات متواصلة، وصرخة “يا ولاد الكلب”.
في كل الأحوال، ولأنني سأقترب لاحقًا من نموذج درامي ينتسب إلى صلاح أبو سيف ومنطق بنائه القصصي وشكل الوطن عنده وعند عاطف الطيب، أترك نهايات الأفلام لأتوقف أمام دلالة أن يكون “سواق الأتوبيس” أحد الإفرازات الأولى لهذه السينما/السينمات الجديدة التي تبدأ مع عقد الثمانينات، بعد اغتيال السادات. ويحاول صانعوها العودة للالتقاء بالشارع والهروب من الاستديوهات المغلقة والبحث عن الأماكن الطبيعية لأحداث أفلامهم كي يصوّروها فيها.
حمل صنّاع أفلام الثمانينات ثقافة أكثر تقدمًا ونزوعًا يساريًّا من الأجيال السينمائية الأقدم. فهو الجيل الذي بدأ حياته المهنية مع انهيار مشروع عبد الناصر، والتحول المجتمعي والسياسي الحاسم في اتجاه اليمين زمنَ السادات، وصعود الحركة الطلابية اليسارية. فشكلت اللحظةُ السياسية وما أفرزته مجتمعيًّا جانبا أساسيًّا من الهموم المشتركة لأفراده، التي تطل في أغلب أفلامهم، رغم الاختلاف الكبير بينهم في الأساليب السينمائية وطرق التعبير عن هذه الهموم. ولذلك لا أكتفي بتعبير سينما، بل ألجأ إلى الجمع؛ “سينمات”.
لا أتذكر المرة الأولى التي شاهدت فيها “سواق الأتوبيس”. لابد أنها كانت خلال أحد مرات عرضه في التلفزيون المصري، وغاب عني التاريخ. فقد كان من الأفلام التي تعرض حينها كثيرًا. ورث جيلي عن الأجيال السابقة حبّ هذا الفيلم والانجذاب إلى نبرته الوطنيّة التي ترثي زمنا فات وانتهى، والإعجاب بقوة السائق حسن وشهامته وشجاعته وصرخته الأخيرة “يا ولاااااااد الكاااالب”. وبسبب درجة إعجابي نفسها أستطيع أن أتصور درجة الإعجاب، الأكبر بما لا يقارن بالفيلم، مع عروضه الأولى، لمن كانوا في سن الشباب والنضج مطلع الثمانينات، ودرجة الانبهار بهذه السينما الجديدة التي تخطو خطواتها الأولى بوعي جديد. لكن، هل كان وعيًا تقدميًّا يفارق ما سبقه فعلًا؟ أم أن الانبهار نابع من اختلاف سينماهم الجديدة شكليًّا وموضوعيًّا بنوعية أبطالها، عن سينما مقاولات السبعينات؟ أو لتجنّبها تلميع الواقع ووضع ماكياج له؟ لا إجابات عن هذه الأسئلة، بل مزيد منها وبعض الملاحظات على أحد الأفلام الأولى لهذا الجيل.
ذكر مشروخ… لكنه ذكر وفارس
يشكل صنّاع الفيلم حسن بحيث يبدو بطلا حقيقيًّا آتيًا من الحياة الواقعية العادية ونموذجًا ينحازون إليه وبوضوح. والانحياز هنا لا يتوقف عند الانحياز إلى هدفه النبيل؛ إنقاذ ورشة الأب. بل كذلك إلى تركيبته، تلك التي تحمل نوعًا من “الأصالة” والتمسك بالقديم، ورفض التغيرات السلوكية والنفسية والأخلاقية في زمن الانفتاح. فحسن يصرّ على فرادته وفروسيته العصريتين طبعا، ورفضِه التّغيرَ، ليظلّ في صورة المواطن الذي لا يزال يحمل عددًا من القيم في زمن نفي هذه القيم نفسها. ورغم هزيمته وفشله في إنقاذ ورشة أبيه قبل أن يموت الأب بحسرته، ورغم فقدانِه زوجتَه وعائلته، ظلّ متمسكًا حتى اللحظة الأخيرة بقيمه وبأخلاقياته تلك، وبفروسيّة عفا عليها الزمن، ودهسها مجتمع ما بعد عبور القناة 1973.
إنه تنويعة على “الفارس”/المواطن العادي في سينما الثمانينات، والممتدة إلى منتصف التسعينات. ظهر في أفلام هذا الجيل متنوّع الأشكال والمِهن انخراط في مغامرات ورحلات مختلفة. سواء كان اسمه أحمد الشاذلي في “العوامة 70” (1982)، لخيري بشارة. أو منتصر في “الهروب” (1991) لعاطف الطيب. أو يوسف وأحيانًا يحيى في عدد من أفلام داود عبد السيد، وغيرهم. وصولًا إلى استخدام محمد خان صفة الفروسية كاسم، لنتعرف على “فارس” في أفلامه. سواء كان فارس بطل “طائر على الطريق” (1981)، أو “الحريف” (1984)، أو فارس بطل “فارس المدينة” (1991)، بعد أن أضاف إلى اسمه “حسن الهلالي”.
ولا تخلو العودة إلى مشاهدة “سواق الأتوبيس” في زمننا الحالي من الصدمات الصغيرة. صدمات لا تبدد أثر الإعجاب الشديد ببعض مشاهده، ولا تقّلل من الحنين إلى زمنه، ولا إلى تلك الحقبة التي امتازت بجدية واضحة في صناعة السينما ومحاولة اكتشاف الجديد. لكنها في المقابل صدمات صغيرة، تتراكم لتخلق حالة من الغربة أو المسافة التي تفصلنا عن الفيلم، وعن بطله حسن، وعن خطاباته والكثير من سلوكياته.
يحمل الفيلم تناقضات تنزع عن حسن هالةَ الفروسية وعن الفيلم هالةَ التقدم. بل إن القيم التي يتبنّاها حسن فيها الكثير من الرجعية. من ضمنها اللجوء إلى العنف الفردي نفسه. وليس غريبًا أن يوجه هذا العنف إلى زوجته وحبيبته ميرفت-“ميرفت أمين”، التي ينتظر منها أن تكون خادمته ومربية ابنه وأن لا تعمل وأن لا تتعلم، وأن لا تقبل فستانًا هديةً طبيعية من أمها، وأن تنتظره في البيت فيما يعمل هو “ورديتين”؛ سائق أتوبيس وسائق تاكسي. وحين تصرّ ميرفت على التعلّم يكون نصيبها سخرية حسن من كلماتها الإنجليزية.
تصرّ ميرفت على حماية حياتها وحقها في التاكسي الذي اشترته من أجل حسن، بعد بيع أساورها وذهبها، وأن تتعلّم وتعمل وأن لا تقطع علاقتها بأمها، فيكون عقابها الطلاق بحجة أنها “تغيّرت”. وهي الرؤية الذكورية التي تشكل أحد محاور خطاب الفيلم، ويعاد إنتاجها ضمنيًّا بتبريرات ضغط الظّروف. ليصبح ضرب المرأة مبرّرًا بأن “ياما بتحصل في البيوت حاجات”، والدعوة إلى التسامح والنسيان لأن الحب أقوى من لحظات الغضب تلك التي يمرّ بها حسن بسبب أزمة الورشة، أو أن يتم تذكير ميرفت بأيام غرامها المراهق بحسن، لتظل أسيرة هذه الحالة المراهقة وأن لا تنضج. فتتبدّى هنا المفارقة اللافتة، أن حسن، المجسّد للقيم المطلوب الحفاظ عليها، نموذج حامل لقيم محافظة، بل رجعية.
تتأصل هذه الرؤية الذكورية أكثر فأكثر عبر الشّخصيات الثانوية. فأخوات حسن تابعات لأزواجهن تمامًا. والأب، المعلم سلطان-“عماد حمدي” يُنسب إليه كل شيء، البيت والورشة والعائلة. في حين تقف الأم في الظلّ، لا يُنسب إليها شيء، ولا تفعل شيئًا سوى مراعاة زوجها والفرجة على علاقته بأبنائهما. بل إن “الشر” أو الخطر، يتمثل في النساء إن ظهر ذكور آخرون. مثل ابن الخالة ماهر-“المنتصر بالله”، العائد من الخارج بأمواله، فيراه حسن خطرا محتملا أو منافسا له، لمجرد تفوّقه عليه اجتماعيًّا وماليًّا، فيكون قادرًا بالتالي على إغواء زوجته.
يبدو انفصال حسن عن ميرفت حتميًّا. لا تُكافَأُ ميرفت دراميًّا لأنها تمسكت بحسن، وتزوجته رغم رفض عائلتها. فيما ينال حسن بلعبة عدالة شعرية جائزة صغيرة رغم هزيمته؛ عودته إلى حضن الأب الذي أبعده عنه سابقًا. عودة تبدو تعويضًا، وإن كانت لأب خائب لم ينتبه خلال أعوام طويلة إلى أن زوج ابنته ينهبه وينهب ورشته، ويريد أن يستولي عليها برخص التراب.
حسن وعم مُنجد الخائبان
شروخ حسن وتناقضاته، وتناقضات الفيلم الذي يلعب بطولته، لا تتوقف عند جانب الذكورة والقيم التي يعبّر عنها. تمتدّ إلى منطقتين أُخْرَيَيْن؛ النموذج الدرامي الذي تأثر به عاطف الطيب عند صلاح أبو سيف، ونوع الوطن الذي يلوح في بعض أفلامهما، ويتجلى في “سواق الأتوبيس” في وطن سرقه البعض في غفلة فضاعَ، أو في مبنى أصابته الشروخ فانهار عند صلاح أبو سيف.
يسمح النظام الناصري بعد هزيمة 1967 ببعض النقد السياسي. فتظهر موجة الأفلام التي تتحدث عن الديكتاتورية أو الفساد أو أسباب الهزيمة، وإن لجأ أغلبها إلى الرمزيّات. في هذا السياق يقدم صلاح أبو سيف فيلمه “القضية 68” (1968)، ما يناهز عقدا ونصفا قبل “سواق الأتوبيس” لعاطف الطيب، وفي مجتمع مختلف عن ذاك الذي رأينا فيه رحلة حسن بطل عاطف الطيب، والمفترض أنها تقع أواخر السبعينات أو مطلع الثمانينات.
يتناول فيلم “القضية 68” قصّة اللجنة التي يشكلها أبناء الحي لإدارته ورعاية شؤون أبنائه، ويرأسها عم مُنجد-“صلاح منصور”، الشخص الطيب صاحب المبنى الذي تتخذ منه اللّجنة مقرًّا لها. لكن عم مُنجد ساذج، يتصور أن القواعد والقوانين وُضعت لمصلحة العامّة وما عليهم سوى الالتزام بها وتنفيذها. ويكتشف خلال الأحداث المتتالية أن الحقيقة عكْسَ ما تَصوّر، وصولًا إلى انهيار المبنى المتصدّع، نتيجة غفلته وفساد من يسيطرون على اللجنة وبيروقراطية نظام الحكم الأكبر منهم ومن الجميع.
إنها رحلة تتشابه في جوهرها مع رحلة حسن سائق الأتوبيس، الذي يتصوّر في البداية أنه سيقنع زوج أخته اللّصّ بأن ينقذ الورشة. يفشل، فيتصوّر أنه سيقنع إخوته بالتّضامن لإنقاذها، فيكتشف خلال الطّريق، وقبل الوصول إلى خسارة الورشة، أن الواقع ليس كما تصوّره. ينتهي الفيلمان بالانهيار مع اختلاف شكله. في “القضية 68” انهيار المبنى واكتشاف عم مُنجد للحقيقة المفزعة، وفي “سواق الأتوبيس” موتُ الأب وبيعُ حسن سيارةَ التاكسي واكتشافُه قبحَ المجتمع في تحولاته الجديدة وخسارتُه عائلتَه فعليًّا. والانهياران يحدثان بسبب الغفلة والفساد وتغير الناس إلى الأسوأ، دون أن يتغير البطلان الأساسيان الخيّران.
صراع الخطابات مع القصص
تكشف القراءة المتأنية للفيلمين انطلاقهما من منطقتين مختلفتين تمامًا، رغم أن جوهر الرحلتين يتشابه. ففيلم “القضية 68” لمخرج مولع بالرمزيات، تصل فيه المباشرة أحيانا كثيرةً حَدَّ درجة الخطابية. يكتب قصته ويشارك في حواره واحد من أهمّ الكتاب المؤدلجين والمتورّطين سياسيًّا من الحركة الماركسية وقتها، لطفي الخولي. فيظهر الفيلم كأنه مخطّط دراميّ لخطاب سياسي وموقف فكري من تجربة ناصر، وما يجب فعلُه الآن بعد الهزيمة/انهيار المبنى. ويتم البحث عن قصة وشخصيات وأحداث، كي تحمل الفكرة المجرّدة إلى منطقة العمل الفني. لكن فيلم عاطف الطيب، رغم أن مخرجه مولع أيضًا في بعض أفلامه بنوعيّة تشبه الرمزيات التي كانت ضمن أسلوب صلاح أبو سيف، ولا يتخلّص تمامًا من رمزيّة الورشة/المبنى/الوطن، إلا أنه في هذا الفيلم تحديدًا ينجو منها بدرجة مًّا. ربما لأن القصة لمحمد خان والسيناريو لبشير الديك، وكلاهما يأتيان إلى السينما من منطقة الهوس بالسينما والحكايات، وليس من منطقة السياسة والإيديولوجيا واستخدام السينما أداةً لتقديم خطابات سياسية، مثلما هو حال لطفي الخولي.
قيل وكُتب كثيرٌ عن أن ورشة النجارة التي أسسها الأب في “سواق الأتوبيس”، وقام زوج الابنة بنهبها حتى أفلست وتمّ الحجر عليها لتُباع في المزاد، رمزيّة لمصرَ بلدًا تمّ نهبُه في غفلة من أبنائه الوطنيين المخلصين، المجسدين في حسن وأصدقائه الذين شكلوا “شلة القروانة” على شاطئ القناة خلال السنوات الممتدة بين 5 يونيو 1967 وأكتوبر 1973. هم بمعنى أو بآخر الفئة الناجية من التحولات الأخلاقية المزرية، رموز لجيل حرّر الأرض وضحّى من أجلها، وربما يأتي الخلاص على يديه. هذه الطريقة في فهم الفيلم والبحث عن رمزيات فيها بعض التعسف، تجعله مناسبا لخطاب إيديولوجي محدّد. وفي غياب توثيق حقيقي لتاريخ السينما المصرية وإشارات مباشرة من صناع الفيلم بأن هذه الرمزية كانت مقصودة، لابدّ أن نضع المسألة موضع شكّ على الأقل. بحيث تكون الورشة مجرد ورشة فقط، ومصدر الرزق الذي قام الأب بتربية أبنائه عبره. وأن الحجر عليها مبرّر درامي يدفع حسن إلى الاقتراب من جديد من أبيه ومن بعض أفراد عائلته وأصدقائه، وأن يخوض رحلته.
وعبر تفاصيل هذه الرّحلة يرسم الكاتبان والمخرج صورة لتحولات مجتمعهم مثلما يعيشونها ويرونها، ويعبرون عن موقفهم النقدي منها. أي أن البداية ليست بالبحث عن رمزية لمصر المنهوبة، وعن قصة تعبر عن وجهة النظر السياسية لأصحاب الفيلم. ولأخطو خطوة إضافية؛ تسويق مسألة أن الورشة رمز لمصر تفرض سؤالًا ساذجًا موازيًا: وما هي رمزية عربة التاكسي التي يبيعها حسن ويخسرها في نهاية الفيلم بعد صراع مع زوجته لينقذ ورشة الأب؟ إنه سؤال ساذج لأنه متوائم مع عملية الدفع برمزية الورشة/مصر بدايةً أو منطلَقًا لفهم الفيلم، ويوقع عمليّة تلقّيه في حالة “أدْلجة”، وبشكل متعسّف يبتعد عن روح الفن التي تتطلّب ولو بعض التلقائية في صناعته وتلقّيه، خاصّةً أن الكثيرين استمتعوا بالفيلم وتأثروا به، دون أن يعلموا بهذه التفسيرات، ولم يروا الورشة إلاّ ورشةً، ولم يتلقّوا الفيلم إلاّ فيلما يقدم حكاية عائلة في مجتمع يتغير بسرعة، ورحلةً لبطل يكتشف هذه التغيرات ويحاول تحدّيها.
وعكسَ ذلك، يأتي فيلم “القضية 68″، منذ بداية عناوينه الأولى، محمّلًا برمزيات تفرض على المشاهد قراءة كل تفاصيله من الزاويتين الإيديولوجية والسياسية، لتجسيد فكرة مجردة أو موقف سياسي والدعاية لهما. فمنذ البداية، وبالرسوم المتحركة، يدفعنا صنّاعه إلى رؤية الحارة والمبنى بوصفهما صورتين رمزيّتين من المجتمع المصري. وأن اللجنة هي “الاتحاد الاشتراكي” أو النظام الحاكم. ويفرضون علينا بوصفنا مشاهدين قراءة بقية التفاصيل بناءً على هذا الفهم. فعم مُنجد صاحب السلطة السياسية، الطيب، مطلوب منه أن يهدم المبنى المشروخ، والذي تمّ شرخه تحديدًا بعد أن بُنيت فوقه حجرة اجتماعات اللجنة، التي تحولت إلى عبء. والتي لم تفعل شيئًا لأهل الحارة نظرا إلى وجود بعض الفاسدين فيها، فيكون الحلّ البناء من جديد بعد الهدم. وهو ما لا يبتعد عن خطاب التيّار اليساري الذي انتمى إليه كاتب القصة لطفي الخولي أواخرَ الستينات، وكان من أبرز ممثليه في التواصل مع عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل، أملًا في أن يبنيا من جديد، و”على نظافة”، تنظيمًا طليعيًّا بديلًا عن الاتحاد الاشتراكي المثقل بالبيروقراطيّة والفساد. أو ربما بناء نظام سياسي جديد تمامًا، مع الاحتفاظ برئيس اللجنة الذي يحمل اسمه دلالة على أنه “سيُنجد” الوطن، (عبد الناصر)، وبالشخصيتين الشريفتين من الشباب المتعلم، والفقراء من ممثلي أهل الحارة. فلا يكتفي صنّاع الفيلم بسرد حكاية، بل يبنون نموذجًا رمزيًّا مغلقًا.
بطل ضائع في وطن ضائع
يدعو افتراق أو التقاء المبنى المنهار في “القضية 68” بالورشة المنهوبة في “سواق الأتوبيس”، إلى التوقف أمام شكل الوطن الضائع في هذا الفيلم الأخير. ويتمثل ذلك في حسن نموذج البطل الذي هزمه أو خذله الجميع، مثل عم مُنجد في “القضية 68”. إلا أن هناك من يمكن تسميتهم بالفئة الناجية، الحفنة القليلة من زملاء الجبهة في مواجهة العدوّ الخارجي. وهي الفئة الناجية من تدهور القيم والأخلاقيات في زمن الانفتاح، بناء على الفيلم، لأنهم شاركوا في معارك الوطن الحربية، وصمدوا سنواتٍ في الخنادق. لذلك تحديدًا ينجون من التحولات الأخلاقية السلبية، حتى وإن سافر بعضهم إلى الخليج. وهم كذلك ممثلون للمجتمع أو للشعب الذي يقطُن هذا الوطنَ المسروق. فحسن، سائق أوتوبيس، هو في الأصل “صنايعي” تطوّع في الجيش سنواتٍ طويلةً، و”رزق” مدرس في الخليج، وهناك وكيل النيابة والفنان التشكيلي المسيحي الذي يعمل نادلًا في مطعم، وتحضر سيرة “صادق” الذي كان أول من استشهد بعد دقائق من رقصه احتفالًا بقرار العبور في 6 أكتوبر 1973، ونشعر بصدقه من اسمه وحكاية استشهاده.
إنهم ممثّلون لمجتمع مَّا يتمتّع بالأصالة ومستمرّ رغم ضعفه، عبر استضافتهم لـ”ضيف” الكومسري الأصغر منهم سنًّا، في مواجهة من سرقوا الوطن وغيّروا ملامحه وسرقوا ورشة الأب، ويأتون مثل الضّباع لنهش ما تبقى من جثّة الورشة. لكنّ المفارقة أن حسن لا ينتقم من هؤلاء، بل يكتفي في المشهد الأخير الشهير بالانتقام الجسدي الفردي العنيف من أضعف حلقة في سلسلة اللّصوص، نشّال الأتوبيس، فيما نسمع لحن النشيد الوطني “بلادي بلادي”.
التّناقض بين الفروسيّة المفترضة في سائق الأتوبيس ورجعيّته وذكوريّته الحاضرة، والتي تُصوّر بها قيمة مطلوب الإبقاء عليها، واستخدامُه تفوّقَه البدنيَّ في مواجهة زوجته، تمتدّ إلى صورة الوطن المسروق والمجتمع المتغيّر. فالوطن، هذا الضّائع، محمّل بتناقضات غير مفهومة. فهناك إدانة ضمنيّة للتّجارة في بورسعيد ونهضة دمياط، لأنهما غيّرا الناس لصالح أصالة مَّا، لا نعرف ملامحها بوضوح. ويزداد الغموض إن لاحظنا أن حسن نفسه يناقض انتماءه إلى القطاع العام، نتاج الزمن القديم، باشترائه سيارة “تاكسي” ليعمل عليها، لاجئًا إلى القطاع الخاص من أجل حياة أفضل. والورشة تنتمي أيضًا إلى القطاع الخاص، بُنيت بديلًا عن عمل الأب في “الكامب” الإنجليزي، وطريقًا للاستقلال عنه. ناهيك عن تحميلها برمزية متعسفة، نستطيع رفضها أو قبولها، مجّدها بعض النقاد رمزًا لمصر التي نُهبت وتحولت إلى “خرابة”.
“حسن شاطر.. حسن خيال.. بعود فارع وقلب عيال”، مثلما رسم فؤاد حداد صورة عن الشاطر حسن. لكننا لا نرى في هذه الحالة تحديدًا شطارة أو قلب عيال. رأينا العود الفارع في قوة حسن العضلية. لكننا لا نشعر أبدًا بأن قلبه قلب العيال البريء. بل إنه يبدو قلبًا قاتمًا ومجروحًا قبل أن تبدأ أحداث الفيلم، محمّلا بهموم لا يجد لها حلًا سوى باللّجوء إلى عضلاته وجولاته بسيارة التاكسي لاستطلاع حال البلد الذي تغيّر وفُقد، ولن يُستعاد بعضلات الفرد. مثلما لم يعد ممكنًا أن يبقى حسن معبرًا عن قيم وأفكار وأحلام أكثر اتساعًا من محيطه شديد الضّيق وذكورته المتيقظة وزمنه الأغبر. شاخ قبله بعقد ونصف “عم مُنجد” بطل “القضية 68″، وانهار المبنى مرات لا تحصى، ولم يستطع بناءَه من جديد ملبّيًا هتاف أطفال الحارة “هدها يا عم مُنجد وابنيها من جديد”.
ولأن عم مُنجد لم يبْنِها من جديد، هُزم حسن سريعًا إن اعتبرناه امتدادَه الزمني. ضاعت الورشة/الوطن وضاع التاكسي وضاعت العائلة، وبقيت ذكورية مفرطة لا تجد متنفسًا لها إلا زوجته ميرفت، والحلقة الأضعف من سلسلة اللّصوص.