امرأة واحدة أمام الطوفان
سيرةُ درية شفيق من خلال قُصاصات الأرشيف
عندما استعرت الكتاب من الصديقة حبيبة عليّة، استوقفني اسمُ المؤلّف “شُهدي عطيّة”. فسألتها مُباشرةً: هل هو نفسه القيادي الشيوعي الشهير في مصر؟ فقالت: لا، هو مُجرّد تطابق في الأسماء. لاحقًا، وعندما أنهيتُ قراءة الكتاب، وبعد البحث خلف سيرة الكاتب في الصحف والانترنت، اكتشفتُ أنّ ذلك التطابق كان مقصودًا من قبل والده اليساري لتخليد ذكرى شهيد الحركة الشيوعية في مصر الذي قضَى في السجن تحت التعذيب سنة 1960.
يحملُ الكتاب عنوان “دريّة شفيق: امرأة واحدة أمام الطوفان”، وهو عمل بحثي تاريخي وتوثيقي على امتداد 339 صفحة من الحجم المتوسّط، صادر عامَ 2025 عن مركز المحروسة في مصر وبدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ مكتب شمال إفريقيا. وهو الكتاب الثالث للمؤلف بعد “حدث في شارع الصحافة: أوراق ومعارك” (2023) و“المجدد: صاحب الجلالة محمد التابعي” (2025). ومن خلال تتبّع خصائص مشروع الكاتب في هذه الأعمال المتلاحقة نلحظ اعتماده الواسع، وبشكل رئيسي، على الأرشيف الصحفي. ويبدو أنّ الأمر تشكّل عندهُ بدايةً، من هواية شخصيّة تتعلّق بجمع الكتب والصحف والمجلات القديمة. وهو يمتلك -حسب ما يظهر في أحد الريبورتاجات المصورة- أرشيفًا شخصيًا ثريًا ومتنوعًا، جمعه طيلة سنوات، وفيه الكثير من الأعداد النّادرة. كما يظهر في حواراته وتصريحاته شغفٌ، واضحٍ وحقيقي، بالتنقيب في التاريخ الثقافي المصري عبر قصاصات الصحف والمجلات والأرشيف المكتوب والمُصوّر.
لهذا فإنّ الكتاب (مثْل كتابيه الآخرين) يبدو ثمرة لثلاثية يتداخل فيها: بُعدٌ منهجيٌّ تأريخي، مع بُعديْ الشّغف والهواية. وربّما لهذه العناصر بالذّات، يتجلّى في أسلوبه التحريري الكثير من المتعة. أي بذلك الشّكل الذي تكون فيه بصدد قراءة عملٍ تاريخي لكن بأسلوبٍ قصصي شيّق، مشفوعًا بالوثائق والصّور والأرشيف. في هذا الكتاب، تجدُ نفسكَ ماثلاً أمام نصٍّ جاهزٍ وبشكل كامل، لأن يتحوّل إلى فيلم وثائقي. هناك خيط ناظمٌ بوضوحٍ في سير الأحداث، سير على مهلٍ مع الشخصيّة الرئيسية للكتاب، وكل حركة تكون مدعومة بوثيقة من الأرشيف.
** السيرة ملفوفةً في ورق الجرائد:
يبدأ الكتاب من سنة 1908. وهو عام امتزج “بين السواد والبياض، بين فجيعة الفقد وبريق الميلاد” (ص 11). ففي فيفري من ذلك العام رحل الزعيم المصري مصطفى كامل، وفي أفريل رحل الكاتب والمفكّر قاسم أمين. وفي المقابل افتتحت الجامعة المصرية في ديسمبر من ذاك العام، وفي الـ14 من الشهر نفسه “وُلدت طفلة ستصبح لاحقا واحدةً من نساء مصر الخالدات: دريّة شفيق” (ص 13).
ولدت تلك الطفلة في طنطا، وعاشت سنوات حياتها الأولى في ثلاث بيئات مختلفة: طنطا والمنصورة والإسكندرية وكل مدينة تركت أثرًا خاصًا في حياتها، وفق الكاتب. تلقت تعليمها في مدرسة الإرسالية الفرنسية في طنطا، وهي نفس المدرسة التي تخرّجت منها أمها التي كانت تنتمي إلى عائلة ثريّة، والتي توفيت حين كانت دريّة في السادسة عشْرةَ. حينها انتقلت عامَ 1924 للعيش مع والدها الذي كان يعمل في الإسكندريّة ولتلتحق بالدراسة في مدرسة تابعة أيضًا للإرسالية الفرنسية، وتحصل على شهادة الباكالوريا الفرنسيّة بتفوّق مُنحت لأجله وسامًا، وكانت أصغر الحاصلين على تلك الشهادة بجزأيها في السادسة عشرةَ.
كانت الحركة النسويّة المصريّة تتبلور في تلك الأثناء بأشكال واضحة، وبدأت تظهر وتترسّخ شخصيّة هدى شعراوي زعيمةً لمشهد الحراك النسائي السياسي والنخبوي خاصة منذ ثورة عام 1919. لذلك عندما أصبحت فكرة السّفر إلى باريس ملحّة في عقل دريّة شفيق بعد نجاحها بتفوّق في الباكالوريا، وأمام عقبات إقناع العائلة وضرورة الحصول على المال اللازم للرحلة، فقد “أرسلت إلى هُدى شعراوي رسالة تطلب منها مساعدتها في السفر، وكانت هذه الرسالة هي نقطة تحول في حياة دريّة شفيق فقد طلبت هدى شعراوي مقابلتها وبدأ من هنا تعارفهما، الذي تخلّلته شوائب عديدة” (ص 27).
سيفهم القارئ لاحقًا وعبر فصول الكتاب، تحوّلات العلاقة بين سيدتين يُنظَر إليهما تاريخيا بأنهما من أهمّ رموز النضال السياسي والاجتماعي النسوي في تاريخ مصر. وقد كان الظهور الأوّل لدريّة شفيق في العمل العام مع هدى شعراوي في حفل لتأبين قاسم أمين عام 1928، حسب أرشيف الكاتب. سافرت دريّة شفيق إلى فرنسا للدراسة وعادت عام 1932 حاصلة على شهادتين في الآداب، ونقل الكاتب خبرًا من جريدة “المصوّر” احتفت بعودتها ونجاحها. ثمّ وفي عام 1935، قرّرت دريّة شفيق المشاركة في مسابقة لملكة جمال مصر، كانت المسلمة الوحيدة التي تُشارك فيها، خفيةً عن عائلتها وأبيها، وحصلت على مرتبة الوصيفة. ونشرت الصحف أيضًا خبر ذلك الحدث وبالصّور. وحسب شُهدي عطيّة فإنّهُ “لم يسبق لامرأة مسلمة أن تقدّمت للمسابقة من قبل، كان القرار تحديًا لتقاليد الأسرة والمجتمع ويدل على الروح الثورية التي ستصاحبُ دريّة حياتها كلها” (ص 30).
في عام 1936، عادت دريّة شفيق إلى باريس مرّة أخرى من أجل الحصول على شهادة الدكتوراه بمنحة من وزارة المعارف لمدّة ثلاث سنوات، حيث ناقشت أطروحتين هما “الفن للفن عند قدماء المصريين”، و“حقوق المرأة في الإسلام”. وهناك في عاصمة الأنوار تزوجت من ابن خالتها أنوار رجائي، ورجعت إلى مصر عام 1939، وهي تحلم بالالتحاق للتدريس في الجامعة، لكنها اصطدمت برفض عميد كليّة الآداب الدكتور أحمد أمين لتعيينها بـ“حجة أنه لا يستطيع تعيين امرأة جميلة لتدرس في الكلية”، مضيفًا أن هذا لم يكن السبب لرفض تعيينها، فقد رأى فيها أحمد أمين أيضا “امرأة جريئة وسوف تعرّض صورة الجامعة المصرية للخطر، خاصة وأن درية سبقتها سمعتها في الدفاع عن حقوق المرأة، لذلك فإنّ الرجل خشي من ثورة عارمة قد تأتي مستقبلا” (ص 36).
بعد محاولاتها الفاشلة في الدخول إلى الجامعة، انضمت دريّة شفيق إلى الاتحاد النسائي المصري، خاصةً أنّ “رئيسة الاتحاد هي هدى شعراوي صاحبة الفضل الكبير على دريّة في السفر وفي الظهور العام، ووجدت دريّة أن الاتحاد فرصة كي تعمل في تحقيق حلمها للنهوض بالمرأة المصريّة” (ص 49). يسرد الكاتب نقلا عنها أسباب توتر علاقتها مع هدى شعراوي ثمّ القطيعة بينهما. وفي عام 1944، عقد المؤتمر النسائي العربي في القاهرة بطلب من هدى شعراوي، وقد خرج بقرارات “تكاد تكون ثوريّة في تلك الفترة، وهي: يجب على المرأة أن تتساوى بالرجل في كافة مسؤوليات وشؤون الحياة ومنها حق الانتخاب والترشح” (ص51). وقد خلف البيان نقاشًا طويل امتد شهورا، وردود فعل واسعة، أغلبها رافضٌ وبعضها الآخر يرى الأمر سابقا لأوانه، وهي في معظمها مواقف صادرةٌ عن رجال في الساحة الثقافية والسياسية المصريّة، لكن كان هناك كذلك صوت نسائيٌّ بارز، رافض. وأكثر من كونه صوتًا نسائيًا هو أيضًا نسويٌ! كان ذلك هو تحديدا موقف الدّكتورة دريّة شفيق التي كتبت مقالا في مجلّة الشعلة في أفريل 1945 بعنوان “المرأة المصريّة لا تستحق حق الانتخاب”، ويقول شُهدي عطيّة أنّه لم يكن “عنوانا تسخر به دريّة من المطالبين بعدم إعطاء المرأة حقها، ولكنه كان يعبّر عن وجهة نظرها في تلك الأيام وتعارض بذلك فيه رأي هدى شعراوي” (ص 52). وهو موقف أكّدته لاحقًا مرّة أخرى عامَ 1947 في استفتاء لمجلّة “مسامرات الجيب”. وسيستند خصومها على هذا الموقف لاحقًا في معركتها الضارية والقويّة من أجل حقوق المرأة السياسية وعلى رأسها حقَّا الترشّح والانتخاب.
في عام 1945 أسست دريّة شفيق مجلّتها الشهيرة “بنت النيل” وكرّستها لخدمة المرأة المصريّة ورفع مستوى وعيها ونضجها وتربية جيل جديد من المصريات. وفي أفريل من عام 1948 أسست في خطوة أخرى اتحاد “بنت النيل” (الذي سيلعب لاحقًا وفق ما يكشفُ الكتاب، أدوارًا نضالية وسياسيّة مهمّة جدًا في تاريخ الحراك النسوي المصري والتاريخ السياسي للبلاد أيضًا). ما يميّز هذا الاتحاد من وجهة نظر الكاتب، أن قيادته لم تكن “قيادة أرستقراطية، ولكنها كانت قيادة شعبية بتكوينها وأهدافها فلم تقتصر على سيدات كبار الملاك وفتياتهم بل شملت كل الطبقات” (ص 56).
وفي مطلع عام 1949، عاد النقاش في مصر حول حق المرأة السياسي، يكشف الكاتب ذلك السياق التاريخي ويوضّح معالمه بشكل جلّيٍّ واضعًا خارطة التفاعلات السياسية والثقافية ومظاهر الجدل في رسم واضح. غير أنّ دريّة شفيق كانت هذه المرّة في موقع مختلف، موقف المُدافع والمتحمّس لحقوق المرأة السياسية. وبدأت منذ ذلك الوقت تتوضّح محطّات المسيرة النضالية القويّة لصاحبة مجلّة “بنت النيل”. بدأت في مرحلة أولى، أمام ضبابية الوعود الحكومية الرسميّة لأخذ خطوات في هذا الاتجاه، بنشر استفتاء صحفي كانت المشاركة فيه واسعة وردود الأفعال والتفاعلات حوله متعدّدة ومتنوعة. ومنذ بداية الخمسينات بدأ النقاش يأخذ أشكالاً أوسع، واتجهت نحو طلب رأي المفتي عن حق المرأة السياسي من الناحية الدّينية الذي أفتى في بيان نقلته “الأهرام”، بأنّ “الدّين الإسلامي يناصر حق المرأة ويساويها بالرّجل”، ليضيف الكاتب معلّقًا بين قوسين أنّه “لاحقًا وبعد عامين ستقود المؤسسة الدينيّة في مصر هجوما كاسحًا على درية شفيق بسبب نفس الآراء وتتناسى كلام المفتي في الأهرام” (ص 69). وهنا يبدأ ما أسماه شُهدي عطيّة “أسلوب جديد في الكفاح”، في فصل يمتدُّ بين الصفحات 69-83 لواحدة من أهم المعارك التي خاضتها دريّة شفيق وهي اقتحام البرلمان في فيفري 1951، في مظاهرة نسائيّة تطالب بحق المرأة السياسي. وهي حادثة خلفت ردود فعل واسعة ومواقف متباينة، وكلّفت دريّة شفيق المحاكمة، وإن حصلت على البراءة في النهاية وبعد أربع سنوات من الواقعة.
على القارئ أن ينتبه جيدًا في ذلك الفصل لردود الأفعال والتصريحات حول تلك المظاهرة. وخاصة موقف طه حسين، الذي سيحضر لاحقًا في الكتاب بموقف مثير للنقاش والتأمّل على خلفيّة ما سيكون إضرابا نسائيًا على الطعام في نقابة الصحافيين في مارس 1954. وهي التي كانت ثاني أهم المعارك التي تخوضها في هذا السياق. كما أنّ على القارئ أن ينتبه لمختلف المواقف الأخرى الصادرة عن الهيئات الدينية والأزهر وعلماء دين، وأيضًا عن مثقفين ورموز ثقافية بعضها سيبدو غير متوقّعٍ إلى حدٍّ كبير.
كانت مصر في تلك السنوات، تعيش بالتوازي مرحلة حاسمة وتحوّلات كبيرة. تصاعد النّضال ضد الاستعمار الأنجليزي، وخاصة ثورة 23 يوليو 1952. تداخل كلّ ذلك في سيرة دريّة شفيق، وتأثّرت به. وذلك -بدرجات مَّا- يُمكن القول بأنّها أثّرت فيه أيضًا. انخرطت دريّة شفيق عبر منظمتها “بنت النيل” وليس فقط عبر مقالاتها الصحفية في نضال ميداني حقيقي ضد الاستعمار، وكانت منظمتها التي طوّرت من خلالها كتائب نسائيّة شبه عسكريّة في مناطق القتال والمواجهة وقدمت الدعم والرعاية في الجبهات. كما قادت مسيرات ومشاريع مقاطعة وانخرطت انخراطًا فاعلاً في النضال ضدّ الاستعمار الأنجليزي. “ولما كانت هناك حملة ضدهن تتهم الكتائب النسائيّة بتحريض الفتاة على التمرّد على أسرتها، فكرت دريّة شفيق في فتح جبهة ثانية للمعركة الوطنية في القاهرة، تدعو هذه الجبهة إلى مقاطعة البضائع الأنجليزية”، وقد كانت الخطة التي “اقترحتها للتعبير عن المقاطعة الاقتصادية هي محاصرة بنك ‘باركليز’ ومنع التعامل معه لمدة 24 ساعة” (ص 93). كما كانت من المتحمّسين لثورة يوليو، وسنفهم من خلال الكتاب، كيف أنها كانت منحازة تحديدًا لخطّ اللواء محمّد نجيب والتصوّر الديمقراطي للحكم والنزعة الليبيرالية، ومعارضةً لخط جمال عبد النّاصر ونزعته الثورية وتوجّهاته الاشتراكية وانحيازه للمعسكر الشيوعي دوليا.
سيجد القارئ بداية من هذه المرحلة في الكتاب وفي مسيرة دريّة شفيق، متعة حقيقيّة (لا يمكننا تفصيلها أكثر بطبيعة الحال) في تتبّع الحكاية التي تبدو كرواية مشوّقة، وأوسعَ لجزء مهمّ من لحظة مفصلية في التاريخ المصري الحديث. من هذه المرحلة من الكتاب، يبدأ العمل على توضيح السياقات السياسية والثقافية للأحداث أكثر وضوحًا لدى الكاتب، لذلك يكون الكتاب نفسه أكثر جاذبيّة ومتعة وثراء. في المجال الممتد بين الصفحات (129-137) سيجد القارئ حدث ثورة يوليو ومساراتها والتفاعلات معها وصراعاتها الدّاخلية أيضا، ومواقع ومواقف مختلف الفاعلين السياسيين والثقافيين، وخاصة توضيح موقع دريّة شفيق وموقفها. وهو موقف وموقع سيكون لهما تبعات ستحكم مصيرها وحتى تاريخها، لاحقًا.
وفي المجال الممتد بين الصفحات (141-173) يستكشفُ القارئ سياق الاعتصام وإضراب الجوع في مقر نقابة الصحافيين، وخاصة ردود الأفعال حوله في الساحتين الثقافية والسياسية. سيجد القارئ كثيرًا من المتعة وهو يكتشفُ مواقفَ “صادمة” لوجوهٍ مألوفة في الساحة الثقافية المصرية المعاصرة. سيكون أكثر المواقف إثارة للانتباه هو موقفُ طه حسين الثاني من قضيّة الحقوق السياسية للنساء، والجدال الذي اندلع بينه وبين دريّة شفيق على أعمدة الصحف. فقد “اتخذ طه حسين تجاه المضربات موقفا غريبًا من قضيّة المرأة والحرية، موقفًا تسبب في حالة من السخط والغضب الشديد امتدت لفترة من الزمن وحتى اليوم، لأنّ الموقف جاء من شخص عُرف دوما بمناصرته للحرية وللمرأة ويحمل تاريخا طويلاً من المواقف الدالة على ذلك” (ص 182). وبقدر ما كان مقالُ طه حسين قويًا تجاه الاعتصام ومطالب النسوة المعتصمات، الذي اختار له عنوان “العابثات”، كان ردُّ دريّة شفيق قويًا أيضًا بمقال بعنوان “طه حسين وعجائز الفرح” (ص 194).
بعد ذلك جرت مياهٌ كثيرة، وتحولات جذريّة في المشهد الاجتماعي والثقافي، وخاصة السياسي. حينما جاء الدستور تمّ التنصيص على كل تلك الحقوق التي ناضلت دريّة شفيق طويلاً، ودفعت الكثير من أجلها. لكنها قابلت ذلك بفتور كبير. وتتوضّح مع تقدّم الكتاب توتّرات العلاقة بينها وبين نظام عبد النّاصر، وصولا إلى اعتصامها الشهير في سفارة الهند، وهي اللحظة التي دخلت فيها رسميًا مرحلة جديدة في مسيرتها، فبدأ الانشقاق كبيرًا بينها وبين بقية المنظمات النسائية وأخذت المواجهة بينها وبين نظام عبد الناصر شكلاً صريحًا في العداء. (ص 267-279). وهي معركة هُزمت فيها في النهاية، وانتهت بإيقاف مجلتها وفرض الإقامة الجبرية عليها في البيت. وبدأت تدخلُ تدريجيًا طيّات النسيان. وحتى بعد رحيل عبد الناصر لم تنفكّ من حولها العزلة، وقضت سنواتها الأخيرة في حالة اكتئاب حادّ انتهى بانتحارها في 20 سبتمبر 1975. وضع شُهدي عطيّة لذلك الفصل عنوانا رائعًا “الجمال لا يكتمل إلا بنهاية حزينة” (ص 291).
وبغضّ النّظر عن النهاية الحزينة، فقد كانت الرحلة نفسها طويلة وشاقة بالنّسبة إلى دريّة شفيق، ومتعبة وشاقة لا شكّ أيضًا للكاتب وهو ينقّب في ركام الأرشيف ليعثر على كل تلك الوثائق، وبعضها نوادر، ليحبك لنا ذلك السّرد التاريخي الممتع والرصين. وبغضّ النّظر أيضًا عن النهاية الحزينة التي لا تحملُ اعترافًا لدريّة شفيق ودورها الكبير، وربما الرئيس في الدّفع نحو ترسيخ الحقوق السياسية للنساء المصريات، فإنّ التاريخ، بما فيه هذا الكتاب يُثبت ذلك، لحسن الحظ.
** ملاحظةٌ نقديّة ثانويّة:
يقدّم الكتاب عرضًا شيقًا لسيرة دريّة شفيق، ومن خلفها أجزاء من فصول التاريخ السياسي والاجتماعي المصري. روايةٌ تاريخيّة مفصلّة ومثبتةً بالوثائق. وأيضًا بطريقة يبدو فيها الكاتب وفيًا -منهجًا وتحريرًا- لأسلوبه الشخصي (الذي يتوضّح ضمن ثلاثية كتبهِ المنشورة حتّى الآن) والذي اختاره ليشقّ به طريقه الخاص في عالم الكتابة التاريخية والثقافية. معتمدًا -بشكل رئيسي- على أرشيف الصحف والمجلات، ومبتعدًا أيضًا على “جفاف” الكتابة الأكاديميّة والالتزام المدرسي بأشكالها في الإحالة ووضع الهوامش، كما يظهر في هذا الكتاب الثالث بالتحديد. ولكل هذا، تظهر كتابته منسابةً وواثقة وهادئة.
شخصيًا قرأتُ الكتابَ في يوم وليلة على مرحلتين تفصل بينهما سويعات قليلة للراحة. لأنّ الكتاب خلافَ كلّ شيء هو شيّق وممتع. وبناء السيرة يأخذ خطًا زمنيًا واضحًا ومترابطًا، ودون فجوات تقريبًا. فيكون العرض المكثّف للوقائع التاريخية والنّصوص خفيفًا وجذابًا ومشوقًا. هناك جانبُ “الرواية التاريخية” الذي لا يُمكن أن يخطئه القارئ. مع لغة بسيطة، تتجنّب الزّخرف والاستعارات الزّائدة أو البلاغيّة المعقّدة، ودقّة في المعاني لا تتركُ مجالات كثيرةٍ للتأويل في قصد الكاتب. كما لا يخفى أيضًا “تعاطفه” مع الموضوع/الشخصيّة. وهو تعاطف لا يتجاوز حضورًا جليًا للموضوعيّة وكثيرًا من الأمانة في نقل الوقائع. كما أنّ “تعاطف” الباحث مع موضوعه لم يعد ينظر إليه بشكل أساسًا بوصفه “خللاً” في العلوم الإنسانية الحديثة ومناهجها الجديدة.
غير أنّ هناك -في المقابل- ملاحظات منهجيّة، قد تكون محلّ نقاشٍ نقدي وعلمي. ويتعلّق أهمها بفكرة بناء السرديّة التاريخيّة اعتمادًا على مادة مصدريّة واحدة، وفي حالة هذا الكتاب “الأرشيف الصحفي”. ففي جرد المراجع في آخر صفحات الكتاب، تظهر فقط عشرة كتبٌ. ومعظمها من المذكرات أو السير الشخصية. وهو عدد قليل جدًا بالنّظر إلى حجم الكتاب/البحث. كما أنّها كلّها باللغة العربية، ولا توجد أي مراجع تخصُّ دراسات أكاديمية أو علميّة. بطبيعة الحال مع قائمة طويلة للصحف والمجلات التي اعتمد عليها الباحث وعددها كبير جدًا.
تنوّع المادة المصدريّة، ليس فقط شرطًا يحقّق به الاتزان الموضوعي وشروط الكتابة التاريخيّة العلميّة، لكنه أيضًا أداة “معرفية” لسدّ الفجوات الكثيرة التي يتركها -دون شكّ- الاعتماد على مصدر واحد، كما أنّه يقدّم صيغًا أخرى للوقائع ووجهات نظر مختلفة قد لا يتم التعبير عنها بشكل متوازن عبر مصدر واحد، أو مصادر من طبيعة واحدة فقط. ورغم ذلك، فإنّ هذا الكتاب/البحث لا يزعم الأكاديميّة أو يطرحُ نفسه مرجعا علميا بالأساس، رغم تحقّق معظم الشروط في ذلك. والأقربُ أنّه ينتمي إلى الكتب الصحافيّة التي تجمع بين الالتزام الصارم بالحدود الدنيا للكتابة العلمية والموضوعية وبين العرض المعرفي الشيّق، الذي يقدّم إضافات مهمّة للقارئ وبشكل أوسع لا تتيحه أو لا تتحمّله بقية أشكال التعبير الصحفي.
وخلافَ فرادة أسلوب الكاتب منهجًا وتحريرًا، وما يقدّمه الكتاب من إضافات مهمّة جدًا، واعتبارًا لخصوصية المادة الأرشيفية المستعملة، وما يلزمها من جهد في التنقيب ومهارةً في إعادة التركيب، فإنّ أهميّة الكتاب تتجلّى أيضًا من خلال شخصيّة “دريّة شفيق” نفسها، ومن خلال موقعها في التاريخ السياسي والثقافي المصري وموقعها في الحراك الاجتماعي ودورها المهمّ جدًا في تاريخ النسويّة المصريّة.
فهذه المرأة ورغم تاريخها النضالي الطّويل، وأدوارها المهمّة جدًا في إعادة تعريف الحراك النسوي المصري وبلْورته، وما حقّقته نضالاتها للمرأة المصريّة، خاصة على صعيد الحقوق السياسية، كما يوضّح الكتاب نفسه، فإنّها أيضًا ولاعتبارات سياسية قد عانت الإهمال وكثيرًا من النكران، والكثير من الإهمال التاريخي والمعرفي. فبصفة عامة لا يُنظر إلى تاريخ الحركة النسويّة كثيرًا باعتبار دريّة شفيق جزءًا رئيسيا من سلاسل تطوّرها. غالبًا ما يتمُّ القفز فوق تلك المرحلة التي مثّلت فيها هذه المرأة العلامة الأبرز، وفي أقل تقدير اختزالها الى حدود ضيقة جدًا. وغالبًا، ما يتمُّ اختزال عناوين النسويّة المصريّة في عنوانين بارزين: الأوّل، هدى شعراوي رمزًا لرحلة التأسيس والتصاقها ببداية النضال القومي المصري ضد الاستعمار وبثورة 1919 وزعامة سعد زغلول. والعنوان الثاني، نوال السعداوي التي تعبّر على مرحلة متأخّرة نسبيًا من تاريخ هذا الحراك، مرحلة ربما لا تزال ممتدّة حتى اليوم.
ربّما لم يتوسّع الكتاب في التحليل، خاصة في ما يتعلّق بالسياقات الأشمل للأحداث، سواء على صعيد داخلي مصري أو دولي خارجي. ولم يشأ لطبيعة العمل نفسه أن ينزلق إلى توسيع قراءة الأحداث والوقائع نحو سياقاتها الثقافية والسياسية المتزامنة. ذلك خيارٌ منهجي بالأساس، وفّر للكتاب تماسكه وروحه السّرديّة والتوثيقيّة المتينة. لكن قراءة تلك السيرة وتحوّلاتها ضمن السياقات الأوسع والأشمل يعطي دون شكٍّ صورةً أوضح. وبقدر ما حضرت المقارنات في الكتاب مع شخصيات نسويّة أخرى، فإنّها كانت بأقل ما يمكن من التوسّع وبأكثر ما يمكن من الإيجاز والدقّة التي يشترطها السّرد ومنهجية الكتاب. وفي الحقيقة أيضًا فإنّ المقارنات تعطي فهمًا أوسع للمشروع. وتُمكّن من وضعه، لا في موقعه الثقافي فحسب، بل التاريخي أيضا.
فلو اتخذنا -مثلاً- مرجعيّة هدى شعراوي ونوال السعداوي بوصفهما إحدى أبرز محطّتين في تاريخ النسويّة المصريّة الحديثة، فإنّنا سنجد دريّة شفيق كمرحلة وسطى ووسيطة، وربّما هي الأهم. فلئن مثّل مشروع هدى شعراوي مرحلةً تأسيسيّة في سياق تأسيسٍ قومي شامل وأشمل في مرحلة ما قبل الاستقلال، وبروح نخبوية أرستقراطية وبخطاب موجّه إلى الطبقة العليا والعالمة بالأساس، مع اعتماد فكرة تقوم على إصلاح تدريجي هادئ وطويل الأمد. وفي مقابل مشروع نوال السعداوي، المتأخّر زمنيا، وفي مراحل متقدّمة من عمر الدولة القومية في حقبة ما بعد الاستعمار، وهو مشروع قائمٌ على خطاب راديكالي نقدي، عبر منهجيّة تفكيك للبنية الثقافية والجنسانية، كما يبدو أقل ارتباطًا بالحشد السياسي المباشر. فإنّ دريّة شفيق، تمثّل المرحل الوسط بين كلا الطرفين: مشروع ملتصق بلحظة الانتقال إلى الدولة الوطنية/القومية ومع لحظة الصراع على الديمقراطية، وقائمٌ على تعبئة جماهيرية، وإدماج الطبقات الوسطى والدنيا، وخاصةً على تسييس القضية النسوية. بالتالي فإنّ درية شفيق تمثل الحلقة الوسيطة والحاسمة التي نقلت النسوية من “الصالونات” و”مجتمع النخبة” إلى “الشارع السياسي” وإلى “الفضاء العام”، ووظّفت في ذلك كلّ شيء، بما ذلك جسدها الذي حولته -عبر إضراب الجوع- إلى سلاحٍ نضالي.