المنشورات

المدينة بوصفها آلة فرزٍ: إسطنبول في الزمن السوري (2012 – 2024)

مقال من قبل أحمد نظيف

أدت الحرب الأهلية السورية إلى واحدة من أكثر عمليات النزوح القسري كارثية في القرن الحادي والعشرين. وفي خضم هذه المأساة الجيو-سياسية والإنسانية، مثّلت تركيا الملاذ الرئيسي، حيث استضافت أكثر من ثلاثة ملايين سوري بحلول عام 2024. وبرزت إسطنبول، التي بلغ عدد السوريين المسجلين فيها رسمياً حوالي 529 ألفاً حتى شهر أوت 2024، ليست فقط بوصفها ملجأً مؤقتا، بل بوصفها “عاصمة جديدة لسوريا”، كما وصفها بعض المراقبين بسخرية، ولكن بدقة. في هذا السياق شديد التعقيد والمتوتر سياسياً والمتقلب اجتماعياً، يُقدّم جان فرانسوا بيروز دراسته، “إسطنبول في الزمن السوري (2012-2024)”، بوصفه ليس طارئاً على المشهد البحثي الفرنسي في تركيا، فقد سبق أن أدار المعهدَ الفرنسي للدراسات الأناضولية ذا الصلات الوثيقة والراسخة بالمشهد الأكاديمي في إسطنبول.

لا يُصنف الكتاب ضمن دراسات “اللجوء” بالمعنى الإنساني التقليدي، ولا يُعدّ أيضاً دراسةً تقليديةً للهجرة. بقدر ما يبدو تحليلاً معمّقًا ومنهجيًّا دقيقًا لكيفية استيعاب مدينة عالمية عملاقة وإعادة توزيعها وتصنيفها وتوجيهها، بل ومحوها أحيانا، لسكانٍ مُهجّرين على مدى أكثر من عقد. حيث تتمحور الفكرة الرئيسية للكتاب حول أن الوجود السوري في إسطنبول لم يكن ظاهرةً واحدةً مستقرةً ولا شذوذاً مؤقتاً، بل عمليةً حضريةً طويلة الأمد أعادت تشكيل النسيج الجغرافي والاقتصادي والسياسي للمدينة.

البنية المنهجية

قبل الخوض في النتائج التجريبية للكتاب، يبدو من الضروري دراسة الموقف المعرفي الذي يقوم عليه عمل بيروز، كونه أحد أبرز سمات الكتاب وأكثرها إثارةً للجدل. في المشهد الأكاديمي المعاصر الذي تميل فيه دراسات الهجرة غالبًا نحو التنظير المجرد، والتي غالبًا ما تستمد رأس مالها النظري من معاناة السكان النازحين، يتخذ بيروز موقفًا مخالفًا عن قصد. فهو يدعو صراحةً إلى منهج “تجريبي بامتياز”، معبرًا عن شك عميق تجاه التجريدات النظرية التي يرى أنها تزدهر أحيانًا في “السوق الأكاديمية الدولية” دون أن تُجسّد بشكل كافٍ الواقع المعيش للأشخاص المعنيين.

يبدو هذا التوجه المنهجي خيارًا قائمًا على أسس أخلاقية ومعرفية في الوقت نفسه. ينظر بيروز إلى الدقة الواقعية والوصف الدقيق بوصفهما “ترياقًا للأكاذيب المتعددة” التي تُلوّث النقاش العام، وأحيانًا الخطاب الأكاديمي. كما يرفض الصوت المُنفصل والمُجرّد الذي يتّسم به عالم الاجتماع التقليدي، مُفضّلاً بدلاً من ذلك توظيف ملاحظاته المباشرة وردود فعله العاطفية ومعايشته طويلة الأمد في الميدان. فالكتاب يبدأ بإهداء مؤثر إلى مؤمنة إسماعيل عمر، الطفلة السورية ذات العشر سنوات التي دُفنت في إسطنبول، ليضع النص مباشرةً في الواقع الحميميّ والمأساوي الذي لا يُمكن اختزاله لحياة بشرية مُضطربة. فهذا التوازن، بين التحليل المكاني الدقيق والتعاطف الإنساني العميق، صعب المنال للغاية، ومع ذلك يُحققه بيروز نسبيّا على امتداد الكتاب.

يجمع الباحث في سبيل ذلك مجموعة هائلة من المصادر. من خلال أكثر من عقد من الملاحظة الميدانية المباشرة والمقابلات المعمقة وأرشيف الصحف المحلية باللغة التركية ووثائق البلديات وتقارير مؤسسية من منظمات مثل إدارة الكوارث والطوارئ التركية والمديرية العامة لإدارة الهجرة وبيانات دولية من المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالإضافة إلى كمّ هائل من الأدبيات الأكاديمية التركية و”الأدبيات غير الرسمية” للمنظمات غير الحكومية. ويُمكّنه هذا الكمّ الهائل من الوثائق من الانتقال بسلاسة بين الاتجاهات الديموغرافية على المستوى الكلي والممارسات المؤسسية على المستوى المتوسط والتفاعلات على المستوى الجزئي في الشارع.

ومن خلال الحاصل النهائي، يكشف بيروز عن براعة في التعامل مع هذه المصادر. فبدلاً من قبول الإحصاءات كما هي، يُخضعها لتحليل نقدي دقيق. مبيناً أن الأرقام، في سياق الهجرة السورية، أدوات سياسية مُسيّسة تُستخدم في الحكم وبثّ الخوف وتأجيج الصراع، وليست مجرد أوصاف محايدة. ومن الأمثلة البارزة عن ذلك حادثة وقعت عام 2022 تورط فيها وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، عندما كشف فجأة عن فئة خفية من السوريين غير المسجلين، مما أدى إلى قفزة ظاهرية في إحصاء إسطنبول الرسمي من 551 ألفًا إلى 1.3 مليون بين ليلة وضحاها. يستخدم بيروز هذه الحادثة ليُوضّح كيف يُستغلّ عدم اليقين العددي والتلاعب الإحصائي لإثارة الذعر العام وتبرير السياسات الأمنية، كاشفاً عن تحول سياسة الإحصاء، في حد ذاتها، إلى شكل من أشكال مراقبة الحدود. إضافة إلى ذلك، يتميز استخدامه للصحافة التركية بمنهجية متطورة. فهو لا يتعامل مع الصحف مجرّدَ مستودعات للحقائق الموضوعية، بل “مستشعرات اجتماعية” ترصد مخاوف المدينة المتغيرة وتفاعلاتها المتغيرة مع النزوح وتذبذب حضور السوريين في المشهد الحضري. ومن خلال تحليل العناوين الرئيسية والتقارير المحلية، يعيد بناء كيفية ظهور السوريين لأول مرة أمام جمهور إسطنبول، من خلال التسول وأشكال محددة من العمل ومراكز النقل والظهور المفاجئ للتجمعات السكانية العربية.

في الجانب المعجمي، يقدم الكتاب مساهمةً دقيقةً في تحليله الدقيق للمفردات غير المستقرة المستخدمة لوصف السوريين في تركيا. يدرك بيروز أن التسمية ممارسة سياسية سلطوية، فالتصنيفات تحدد من يُسمح له بالدخول ومن يخضع للسيطرة ومن يظهر للعيان ومن يُستبعد. فيقدم في الفصل التمهيدي شرحًا وافيًا لعلم اللغة الاجتماعي للهجرة، محللًا مصطلحات مثل “غوتشمن” (مهاجر)، و “مولتجي” (لاجئ)، و”سيغينماجي” (طالب لجوء)، و”مهاجر” (مهاجر ذو دلالات دينية)، و”مسافر” (ضيف)، و”يابانجي” (أجنبي)، و”كاجاك” (مقيم سري/غير شرعي). في هذا السياق يبدو تحليل مصطلح “مسافر” (ضيف) بالغ الأهمية. فمن خلال تصنيف السوريين رسميًا بوصفهم “ضيوفا” بين عامي 2011 و2014، استخدمت الدولة التركية مصطلحًا لا يحمل أي صفة قانونية دولية، ولكنه يُشير ضمنيًا إلى علاقة اجتماعية هرمية شديدة الخصوصية. فالضيف مؤقت وتابع للمضيف وعليه واجب الامتنان. وقد أعفى هذا التأطير الدولة من الالتزامات المرتبطة بوضع اللاجئ الرسمي، بينما رسّخ في الوقت نفسه تسلسلًا هرميّا أخلاقيّا.

وبالطريقة نفسها، يُحلل بيروز المعجم الديني الذي وظفته الدولة والمجتمع المدني المحافظ، ولا سيما مفهومي “المهاجرين” و”الأنصار”. فمفهوم “المهاجر”، المتجذر في التاريخ الإسلامي المبكر (الهجرة النبوية)، يُشير إلى الفارين، بينما يُشير مفهوم “الأنصار” إلى الذين يستقبلونهم. ومن خلال تأطير وصول السوريين عبر هذه العدسة الدينية، حوّل حزب العدالة والتنمية الحاكم والجمعيات التابعة له أزمة إنسانية حديثة إلى فرصة للتضامن المُشفّر دينيّا.  ومع ذلك، يُشير بيروز إلى أن هذه اللغة الأخلاقية، مع أنها أتاحت تقديم الدعم الأولي، إلا أنها خلقت بطبيعتها ديناميكية من التبعية والخضوع الضمني، وهي ديناميكية سهّلت لاحقاً انقلاب الخطاب عندما تحوّل السوريون من “ضيوف” إلى “أعباء” في نظر قطاع واسع من المجتمع.

والأهم من ذلك، يُسلط الكتاب الضوء على الغموض القانوني لنظام “الحماية المؤقتة” (Geçici Koruma) في تركيا، الذي بدأ تطبيقه عام 2014، والذي منح بعض الحقوق مع فرض قيود مشددة على حرية التنقل والعمل القانوني والأمن طويل الأمد. وهنا لا يتعامل بيروز مع السوريين بوصفهم ضحايا سلبيين لهذا التصنيف البيروقراطي، بل يُبين كيف يتفاوضون استراتيجيّا ويتكيفون مع هذه التصنيفات ويتجاوزونها في استراتيجياتهم اليومية للبقاء.

تفكيك غائية المنفى

يرفض الكاتب السردية الإعلامية المبسطة التي تصور موجة لاجئين مفاجئة وكبيرة تجتاح إسطنبول دفعة واحدةً. وبدلاً من ذلك، يرسم مراحل متميزة ومتداخلة لهذا الحضور. أولاً، مرحلة الكمون والاستقرار المبكر (2011-2014)، ثم مرحلة تفاقم ديناميكيات الحرب بما في ذلك أزمة كوباني وانتشار الإرهاب (2014-2016)، وثالثًا مرحلة لحظة العبور التاريخية نحو أوروبا عامَ 2015، ثم مرحلة عصر التكتل والتخفي المتباين (ما بعد 2016)، وأخيراً المرحلة الحالية لسياسات العودة والعداء المتجدد. ومع ذلك لم يكن السوريون غائبين عن إسطنبول قبل 2011، فقد كانت المدينة تضمّ طلابًا ورجال أعمال ومنفيين سياسيين وجاليات سورية عريقة. فالحرب لم تخلق وجودًا سوريّا من العدم، بل استغلت ووسّعت وحوّلت جذريّا شبكات ومستوطنات جزئية قائمة مسبقًا. وهذا الاستمرار التاريخي ضروري لفهم سبب تحوّل أحياء معيّنة إلى مراكز جذب للوافدين.

 لكن التحول الجذريّ جرى بعد 2015. فخلال تلك الفترة، تغيّر دور إسطنبول جذريّا. فالمدينة لم تعد مجرد وجهة، بل أصبحت محطة عبور ومنصةً ضخمةً لمن يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر بحر إيجة. ويوثّق الباحث كيف أصبحت حركة التنقل نفسها اقتصادًا حضريّا. حيث أُعيد تشكيل جغرافية المدينة مؤقتًا لتتمحور حول لوجستيات العبور، مثل الإقامة والنقل والترجمة وتخليص الوثائق وتهريب البشر. إضافة إلى ذلك، يُقدّم ملاحظة إحصائية جوهرية تُخالف المعرفة الحدسية السائدة، فالنموّ الخطي المفترض للسكان السوريين ليس إلا خرافة. مشيراً إلى أن عدد السوريين المسجلين في إسطنبول انخفض فعليّا من 330 ألفاً أواخرَ عام 2014 إلى 150 ألفاً أوائلَ عام 2015، عندما حاول مئات الآلاف منهم الوصول إلى أوروبا. وهذا التذبذب الدائم يُبطل أي سردية غائية للنزوح بوصفه مسيرةً تصاعديةً ومباشرةً نحو الاستقرار الدائم. فقد كانت تدفقات الهجرة مضطربةً ومتعددة الاتجاهات وتتأثر بشدة بالتحولات الجيو-سياسية.

وإذا كانت هناك فرضية أساسية واحدة تُرسّخ تحليل بيروز بأكمله، فهي التنوع المطلق وغير القابل للاختزال للشعب السوري، خلافاً للنزعة الإعلامية والسياسية التي تُصنّف السوريين في صورة نمطية واحدة، سواء أكانت هذه الصورة عبئًا أو تهديدًا أو ضحية أو مجرد أداة سلبية في الإدارة الإنسانية. وذلك من خلال تحليل دقيق على محاور متقاطعة مثل الطبقة والعِرق والطائفة والجنس والعمر والوضع القانوني وتاريخ الوصول.

من الناحية الطبقية، يبرز التباين بشكل صارخ. فقد ضمّ الوافدون الأوائل عائلات دمشقية ثرية وصلت بجوازات سفر سارية ومدخرات كبيرة، واستأجرت شققًا في مجمعات سكنية راقية في أماكن مثل بيليك دوزو أو إسنيورت. لم تعتبر هذه العائلات نفسها لاجئة، ولم ينظر إليها السكان المحليون كذلك. وعلى النقيض تمامًا، كانت هناك عائلات معدمة ومجتمعات هامشية مثل الغجر السوريون، شديدة الضعف، وأكراد سوريون وصلوا بلا شيء، واضطروا إلى السكن في مساكن غير رسمية والعمل في وظائف يومية غير مستقرة.

أما من الناحية العرقية والمذهبية، يُظهر “المجتمع السوري” فسيفساءً يصعب تصنيفها بسهولة. فقد واجه العرب السنة والأكراد السوريون، الذين تُضيف علاقتهم بالحركة السياسية الكردية التركية بُعدًا معقدًا من التوتر والتضامن، والتركمان ومختلف الطوائف المسيحية (السريانية الأرثوذكسية والأرمنية) والعلويون، ظروفًا مختلفة جذريّا عند وصولهم واندماجهم و”قبولهم” في نظر الدولة التركية والرأي العام. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما واجه الأكراد السوريون والعلويون شكوكًا وعداوات أمنية متباينة مقارنةً بالعرب السنة، الذين اندمجوا في البداية بسهولة أكبر في إطار التضامن الإسلامي المحافظ. ومن خلال إصراره على هذا التنوع، يكشف بيروز كيف تُخفي السياسات والخطابات العامة بشكل منهجي الواقع الفعلي والمتشظي للاستقرار.

الجغرافيا الحضرية

من أبرز إسهامات الكتاب تحليلُه الجغرافي الحضري للحضور السوري. يرفض بيروز الصورة النمطية الصحفية، التي تُصوّر إسطنبول “حيّا سوريّا” واحدا. مبينًا أن هذه المدينة بنية حضرية نشطة وفعّالة تُصنّف السكان وتُوجّههم وتُجزّئهم. وقد فرض حجم المدينة وسوق الإسكان وشبكات النقل والبيئات التّجارية والتّفاوت الداخلي شروط الاستيطان السوري. ذلك أن وجود اللاجئين ليس مجرد مسألة إدارة إنسانية، بل هو عملية حضرية تُعدّ فيها البنية الحضرية بنفس أهمية سياسة الدولة. ومن خلال تحليل البيانات التي تغطي أعوام 2014 و2017 و2022 عبر مناطق إسطنبول التسعة والثلاثين، يرسم الكاتب خريطة “جغرافية متحركة”، مخصّصًا وظائف هجرة متميزة لعقد حضرية مختلفة:

  • آق سراي: تبرز هذه المنطقة المركزية واحدةً من أكثر الأماكن حيوية. فهي ليست مجالاً سكنيًّا فحسب، بل مركزًا حيويًّا ونابضًا بالحياة لخدمات الهجرة اللوجستية، حيث تُجرى فيها عمليات الترجمة والنقل وتخليص الوثائق، بالإضافة إلى ترتيبات التنقل اللاحقة. وتعمل نقطةَ وصل بين السكن والعمل والتنقل، مما يجعل المدينةَ شبكةً من الخدمات.
  • الفاتح: شكّلت الفاتح، بوصفها مجالاً جغرافيًّا مختلفا ومركزًا لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية والاقتصادية في سوريا. فقد اكتظّت بالمطاعم السورية والمراكز الطبية والجمعيات والمدارس، ما جعلها منصة عملية للعيش اليومي وبناء المجتمع، مُثبتةً أن الأحياء المركزية قادرة على توفير الحضور البارز والدعم الوظيفي الحيوي.
  • المناطق الطرفية (إسنيورت، باشاك شهير، أرناؤوط كوي، كوتشوك تشكمجه): تكشف هذه الأحياء عن منطق استيطاني متباين مدفوع بتوفير المساكن وتكلفتها المعقولة. فقد أصبحت إسنيورت، التي تميزت بالبناء السريع والإيجارات الرخيصة، الحي الذي يضمّ أكبر عدد من السوريين. ومع ذلك، يرفض بيروز بشدة وصفها بـ”الغيتو”. فهو يُظهر إسنيورت مساحةً اجتماعية متنوعة تتعايش فيها العائلات السورية مع الأتراك ورجال الأعمال العرب وغيرهم من المهاجرين في ظلّ ظروف يشكلها التمدّن المضارب.
  • سلطان بيلي، أوسكودار: في سلطان بيلي خلقت الثقافة السياسية المحافظة المحلية والهياكل البلدية بيئة مواتية نسبيًّا للسوريين، مما يدلّ على أن استيطان المهاجرين ليس مجرد نتيجة آلية للعرض والطلب على المساكن، بل يتشكل بشكل عميق من خلال العادات السياسية المحلية. وعلى النقيض من ذلك، تُقدّم مفارقة أوسكودار دليلاً قاطعًا على عكس ذلك. فرغم كونها معقلاً للحكم السياسي الإسلامي منذ عام 1994، وهو ما قد يُنبئ نظريًّا بتضامن ديني مع السنة السوريين، لم تستضفْ أوسكودار سوى أقل من 1% من السوريين المسجلين حتى عام 2017. يُحدد بيروز المتغير بأنه اجتماعي اقتصادي، فأوسكودار منطقة ذات طابع برجوازي، حيث تُقصي أسعار العقارات المرتفعة اللاجئين ذوي الأوضاع الهشة. وهذا يُبرهن بوضوح على أن الانتماء الديني وحده لا يكفي لتجاوز الحواجز الاجتماعية المكانية الصارمة في المدينة.

العنف البنيوي للهشاشة

يتجاوز تحليل بيروز للسكن والعمل الروايات التبسيطية عن “الغزو” السوري، ليكشف عن المنطق البنيوي العميق للاقتصاد التركي. ففي ما يتعلق بالسكن، يكشف كيف دخل السوريون سوق الإيجار، الذي كان يتسم بالفعل بالتحول الحضري والمضاربة وعدم انتظام العرض. في الأحياء المركزية، سكنوا في مبانٍ متداعية وغرف رخيصة، وفي الضواحي، انجذبوا إلى مشاريع تطوير عقاري جديدة قائمة على المضاربة. فلم يُحدث وصول السوريين اضطرابًا في سوق الإسكان، بل سرعان ما استوعبه السوق وحوّله إلى سلعة. وقد أدرك مُلاّك العقارات مصدر دخل جديد، وتكيفت الأسواق المحلية، مما أدى أحيانًا إلى الاكتظاظ والاستغلال وتحويل الأحياء إلى مناطق عابرة ذات توجه تجاري. أما في ما يتعلق بالعمل، فيُبيّن بيروز بشكلٍ واضح أن السوريين اندمجوا في الاقتصاد غير الرسمي واسع النطاق في إسطنبول، لا سيما في قطاعات النسيج والبناء والتجزئة والخدمات اللوجستية والعمل المنزلي. فلم “يستولوا” على الوظائف الرسمية، بل تمّ استيعابهم في نظامٍ طالما اعتمد على ضعف تنظيم العمل والتعاقد من الباطن والعمل الهش.

ومن بين الأفكار المأساوية العميقة، التي يوظفها الكاتب، مفهوم التدهور الوظيفي، أو ما يُعرف بـ”فقدان الأهلية”. فقد وجد المعلمون والأطباء والمهندسون وخرّيجو الجامعات السوريون أنفسهم عالقين في ورش النّسيج أو في أعمال يدوية متدنية المكانة، دون الاعتراف بمؤهلاتهم. ولذلك، كان الاندماج في سوق العمل يعني في كثير من الأحيان خسارة فادحة للمكانة المهنية والهوية الاجتماعية. ويُولي الباحث اهتمامًا دقيقًا لكيفية ارتباط هذا الوضع الهش بالجنس والعمر، مُفصِّلًا الدور المحوري لعمالة الأطفال والعمل المنزلي وهشاشة وضع الشباب والشابات في ورش العمل غير المنظمة. فهو يُصوِّر العمل السوري مجالا للتكيّف الهيكلي المُقيَّد بشدّة.

كذلك يبدو مفهوم “الاختفاء” بارزاً بقوة في الكتاب. فالباحث يرى أن مسار السوريين في إسطنبول تميّز بانتقال من ظهورٍ واضح في السنوات الأولى إلى اختفاءٍ أكثر تعقيدًا وتنوّعًا. والأهم من ذلك، أنه يُعرّف الظهور بأنه نسبي لحساسية اجتماعية لحظية، أي ترميزاً ذاتيًّا للاختلاف بناءً على مؤشرات سطحية كالملابس أو اللافتات. محدّدًا أربع طرائق متميزة لهذا الاختفاء:

  • الإخفاء القسري من خلال التهجير المقيّد: من خلال عمليات “التطهير” المنتظمة التي تقوم بها الشرطة والتي تستهدف الفئات السكانية الأكثر هشاشة مثل الغجر أو الأكراد غير المسجلين، ونقلهم قسرًا إلى مخيّمات حدودية.
  • الاختفاء من خلال العمل: الاندماج في الغرف الخلفية لورش النسيج والقطاعات غير الرسمية، حيث يُوجَدُ السوريون اقتصاديًّا ولكن يتمّ محوهم اجتماعيًّا.
  • التّخفّي الاستراتيجي أو التّخفّي الذّاتي: من خلال الممارسات المتعمّدة التي يتبنّاها السوريون لتجنّب الاحتكاك أو التّمييز أو عمليّات التّفتيش الشرطية، عبر التخلّي عن اللافتات العربية، وارتداء ملابس تشبه الأتراك وتعلم اللغة التركية للاندماج في البيئة الحضرية.
  • الاختفاء البيروقراطي من خلال التّجنيس: فقد حصل حوالي 135 ألف سوري على الجنسية التركية، مما أدى فعليًّا إلى تحوّلهم إلى فئة “الأتراك من أصل سوري” واختفائهم من إحصاءات اللاجئين.

وتُشكّل قضيّة اللافتات العربية دراسة حالة بالغة الأهمية في هذا الجدل. فبعد أن كانت في البداية رمزًا للاقتصاد العرقي الفعال، أصبحت لافتات المحلاّت العربية بؤرةً للعداء السياسي، واستهدفتها في نهاية المطاف قوانين بلديّة. لا يرى بيروز هذا الأمر مجرد نزاع لغوي، بل صراعًا جوهريًّا حوّل من له الحق في الظّهور في الفضاء العام، وتحت أي شروط. ويتجاوز تحليلُه مفهومَ الاختفاء بنجاح الثنائيةَ الأخلاقية المبسّطة التي تُساوي فيها الرؤية بالقوة والاختفاء بالغياب، ليكشف بدلاً من ذلك عن كونه استراتيجية بقاء معقّدة متأصّلة في النّسيج الحضري.

السياسة وتوظيف كراهيّة الأجانب

يقدم جان فرانسوا بيروز سردًا دقيقًا وموضوعيًّا لاستجابة المجتمع المدني المبكرة لوصول السوريين. حظيت الموجة الأولى من اللجوء بالتعاطف والارتجال والتضامن، قادتها بقوة جمعيات دينية سنية تستخدم إطار “الأنصار”. كما لعب رجال أعمال سوريون مستقرون في تركيا أدوارًا حاسمة في إنشاء هياكل دعم مبكّرة. لكن الباحث يرفض تجميل صورة المجتمع المدني التركي، ويصفه بأنه غير متجانس سياسيًّا، وغالبًا ما يكون متشابكًا مع سلطة الدولة، وليس تحرّريًّا بالضّرورة. كاشفًا كيف كانت بعض منظّمات الإغاثة المندمجة في شبكات إيديولوجية ومؤسّسية تتنافس على النّفوذ وتعمل ضمن أطُر سياسيّة محدّدة. ذلك أن الإطار الديني للضيافة المبكرة، رغم فعاليته العملية، ينطوي هيكليًّا على تسلسل هرميّ بين المضيف والضيف، مما سهّل للدولة لاحقًا التحوّل نحو خطاب إقصائي عندما تغير المناخ السياسي.

كما يرفض تصوير الدولة كيانا متجانسا، ويرسم بدلاً من ذلك خريطة لحكم متعدّد المستويات، إذ تلعب الوزارات المركزية والبلديات المحلية وإدارات المقاطعات وقوات الأمن أدوارًا متباينة، بل ومتناقضة أحيانًا. متتبّعًا تطور الدولة من موقف أولي قائم على الضّيافة ذات الإطار الديني إلى موقف يتّسم بتزايد الإكراه والانغلاق والانتقائية في العودة. ويتجلى ذلك بوضوح في استغلال الوجود السوري، لا سيما في سياق انتخابات عام 2023، عندما وظّفت كل من الحكومة والمعارضة خطابًا معاديًا للسوريين لتأجيج المشاعر القومية وتشتيت الغضب إزاء أزمة اقتصادية حادة. وأصبح السوري كبش فداء مناسبًا لإسقاط التضخم وتراجع القدرة الشرائية والإحباط الاجتماعي عليه.

ومن هذا المنظور يرى أن العنصرية ضدّ السورين في تركيا، كانت في المقام الأول “عنصرية الاختلاف” وليست “عنصرية الدونية” المؤسسية. فقد استُهدف السوريون لكونهم أكثر وضوحًا أو أكثر عددًا أو أكثر عروبة أو لارتباطهم بالفوضى، وكان الهدف هو الإقصاء والعزلة، وليس بالضرورة إرساء تسلسل هرميّ عرقيّ رسميّ. ويُحدّد الشائعات بوصفها المحرك الرّئيسي لهذه العنصرية. فقد بيّن كيف يمكن لحوادث معزولة أو بلاغات كاذبة عن اعتداءات جنسيّة أو ربط مُختلق بالإرهاب، أن تتبلور بسرعة لتُشكّل سردية أوسع معادية للسوريين. ويُظهر هذا التشخيص المُقلق أن كراهيّة الأجانب تُبنى غالبًا لا من تجربة مباشرة، بل من خوف يُضخَّم بفعل الانتهازية السياسية والقلق الاقتصادي.

ويَبرُز الفصل المخصّص لسياسات الموت ودورة الحياة، أكثرَ أقسام الكتاب تأثيرًا من الناحية العاطفية، إذ تناول الباحث دورة الولادات والدفن التي عاشها السوريون في المدينة التركية. فيركّز بيروز على القطعة عدد 27 من مقبرة كيليوس، التي تحوّلت تدريجيًّا إلى مقبرة سورية منذ عام 2014 ومن خلال فهرسة 487 قبرًا بدقّة متناهية (تسجيل النقوش والتواريخ والأصول والرّوابط الأسرية) يحوّل المقبرة إلى قاعدة بيانات تجريبية. ويُظهر انتشار الأسماء من حلب وعفرين الأصول الجغرافية للموتى، بينما يرسم الارتفاع السنوي في عدد القبور منحنى ديموغرافيًّا للحضور والوفيات المبكرة.

وهذا الأمر يتجاوز بكثير مجرد فضولٍ معرفي. يرى الباحث أن الدفن هو المؤشر الأسمى على الدّيمومة. فبمجرد دفن السوريين في تراب إسطنبول، رُضّعًا وعُمّالًا وضحايا حرب وعائلات مُستقرة على حدٍّ سواء، تتوقف المدينة عن كونها مجرد مكان عبور أو ملجأ، بل تُصبح فضاءً للذاكرة والحزن والتجذّر الدّائم. ويَبرُز قربُ هذه القبور السورية من قبور الفلسطينيين والعراقيين والتركمان، كما يُشير بيروز بعبارته المؤثرة، “تقاربًا أبديًّا يعكس قرب حالة المُهجّرين”، فكل غريبٍ للغريب نسيبُ.

في الوقت نفسه، يُعقّد النقاش حول الأطفال السوريين المولودين في إسطنبول الإطار القانوني المؤقت لهؤلاء اللاجئين. فهؤلاء الأطفال هم في الواقع مواطنون، متجذّرون في جغرافية المدينة وثقافتها، حتى وإن كان القانون يرفض بشدة منحهم انتماءً كاملاً. حيث يُشكّل التوتّر بين هذه الحقيقة الاجتماعية ووضعهم القانوني الهشّ موضوعًا متكررًا ومؤثرًا يُبرز عبثية التعامل مع الوجود السوري “فاصلا” مؤقّتًا.

محدودية النموذج الإسطنبولي

يتطلّب الكتاب الكثير من القارئ، فهو لا يسعى إلى تبسيط الواقع المعقّد ليسهل استيعابه. ومع ذلك، تحتفظ الجوانب البصرية والاجتماعية بقدر من المتعة عند مطالعتها، فضلاً عن الانتقال السّلس بين التحليل البنيوي الشامل والمشاهد الملموسة من ورش العمل والفنادق والحدائق والمستشفيات ومراكز الجمعيات.

ومع ذلك يمكن الإشارة إلى نقطتين ثانويتين تمثلان قصورًا في الكتاب، رغم أن أيًّا منهما لا يُنقص بشكل كبير من الجهد الذي بُذل فيه على مدى عشر سنوات. أوّلاً، قد يبدو ثراء المادة وكثافة الوثائق فيها أحيانًا مُرهِقًا. فتراكم الإحصاءات والأحداث والفُروق المؤسّسية الدقيقة قد يُؤدّي أحيانًا إلى تراجع الخيط النظري المركزيّ مؤقتًا خلف التّفاصيل التّجريبية. ولعلّ تقديم ملخص أكثر إيجازًا في المواضع الرئيسيّة كان سيُحسّن من سهولة القراءة. وثانيًا، باختياره التركيز الشّديد على خصوصيّات إسطنبول، يترك الباحث الآثار المقارنة لنتائجه ضمنيّةً إلى حدٍّ مَّا. فبينما يُدرك بوضوح الأدبيات الأوسع نطاقًا حول اللّجوء الحضري، سيحتاج الباحثون الساعون إلى نظرية مقارنة متكاملة إلى النزوح عبر مختلف المدن التركية وحتى العالمية إلى استخلاص أفكاره والبناء عليها بأنفسهم.

لكنه يظلّ نموذجًا للأعمال في العلوم الاجتماعية التي تدعو إلى التّعامل مع النزوح القسريّ ليس في المقام الأول حالةَ طوارئ إنسانيّة تتطلب إدارة مؤقتة، بل عمليّةً حضريّةً تُغيّر النّسيج الحضريّ تغييرًا جذريًّا. إذ لم يقتصر دور السوريين في إسطنبول على مجرد استضافتهم أو إدارتهم أو حتى الخوف منهم، بل اندمجوا في نسيج الحياة اليومية لمدينة عملاقة، رغم ما عانوه من انقسامات داخليّة واستغلال اقتصاديّ وهشاشة سياسيّة. شهودًا في الوقت نفسه على استيعاب مدينة ضخمة التّفاوت الاجتماعيّ الذي يُفرّق بينهم ويُخفيهم في نهاية المطاف ضمن نطاقه الواسع.