المنشورات

من أوهام الهجرة إلى معاناة المهاجر

مقال من قبل حلمي الشيخاوي

إضاءة في فكر عالم الاجتماع الجزائري عبد المالك صيّاد

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في الخطابات السياسية والإعلامية التي تختزل الهجرة في بُعدها الأمني أو الاقتصادي. وفي مواجهة هذا التصور الاختزالي، تبرز أهمية فكر عبد المالك صياد، الذي سعى إلى إعادة الاعتبار إلى التجربة الإنسانية المهدورة للمهاجر.

فمنذ ستينات القرن الماضي وحتى تسعيناته، أدرك صيّاد (1933–1998) أن فهم الهجرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن شروطها التاريخية والاجتماعية، ولا عن التجربة الإنسانية التي يعيشها المهاجر ذاته. لذلك لم يتعامل عالم الاجتماع الجزائري مع المهاجر بوصفه موضوعًا إحصائيًا أو ملفًا سياسيًا، بل نظر إليه بوصفه فاعلًا اجتماعيًا يحمل ذاكرةً ومعاناةً وتطلّعاتٍ.

ولعلّ ما منح مشروعه هذه القوّة المعرفية والإنسانية معًا هو ذلك “الإيتوس” الأخلاقي القائم على الإصغاء والتمكين، بدل الوصاية والتمثيل. وقد التقط بيير بورديو هذا البعد بدقّة حين وصف صيّاد بأنّه كان “يخاطب الناس بمنح الكلمة لأولئك الذين حُرموا منها، ويساعدهم أحيانًا، بصمته بقدر ما بأسئلته، في العثور على كلماتهم، يفعل ذلك دون أن ينصّب نفسه ناطقًا باسمهم، أو يستغلّهم لإلقاء الدروس أو استعراض المشاعر الطيّبة كما يفعل كثير من المدافعين والمتبجّحين عن «القضايا العادلة». نعم، ثمّة طريقة في «التآخي» تنطوي على شكل من احتقار الذات والآخر معًا”. ويضيف بورديو: “صيّاد لا “يتآخى” بهذا المعنى الاستعراضي؛ بل هو أخويّ في عمقه، بتعاطفٍ، لا بعاطفية مبتذلة، وبقربٍ بلا سذاجة، وبفهمٍ بلا مجاملة ولا تعالٍ. كل هذه الفضائل التي لا تذكرها كتب المنهجية، ومعها براعة نظرية وعملية لا تُضاهى، كانت ضرورية لمقاربة موضوع مثل «الهجرة»، وهو من الموضوعات التي لا تُوضَع بين أيدي أيّ كان”.

سنوات التكوين

يتعذّر فهم المشروع السوسيولوجي لعبد المالك صياد دون التوقف عند تشكّل حسّه الميداني المبكر، الذي تبلور عبر احتكاكه المباشر بالواقع الاجتماعي الجزائري في لحظة استعمارية حادّة. فقد مثّلت نشأته في قرية أغبالة بمنطقة القبائل، ثم انتقاله إلى قصبة الجزائر، تجربةً مؤسسة لوعيه النقدي بأثر الاستعمار في إعادة تشكيل البُنى الاجتماعية والثقافية في الجزائر. غير أنّ التحول الابستيمولوجي الحاسم في مساره ارتبط بلقائه سنة 1958 بـ “بيير بورديو” أثناء دراسته في كلية الآداب في جامعة الجزائر، وكان بورديو آنذاك محاضرًا مساعدًا.

شكّل هذا اللقاء لحظةً مفصلية في مساره الفكري؛ إذ نشأت بين الرجلين علاقة علمية وثيقة وصداقة فكرية عميقة، قوامها الرغبة المشتركة في فهم التحولات البنيوية التي عرفها المجتمع الريفي الجزائري تحت وطأة السياسات الاستعمارية. وقد تجسّد هذا التعاون في كتابهما المشترك «جذور مُقتلعة: أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر»، الذي يُعدّ من النصوص التأسيسية في سوسيولوجيا الاستعمار في الجزائر.

في هذا العمل، اضطلع صياد بدور يتجاوز موقع «المساعد البحثي»، إلى حدّ اعتباره “العين الرائية”؛ إذ أسهم، من خلال معرفته الدقيقة بالعالم القروي وخبرته الميدانية، في إضفاء كثافة إثنوغرافية على البحث، كاشفًا كيف أدّت السياسات الاستعمارية إلى تدمير «الاقتصاد المعيشي» للفلاحين، واقتلاعهم من شروط وجودهم الاجتماعية والرمزية. ومن هنا تكوّنت الملامح الأولى لما سيصبح لاحقًا محور مشروع صياد الفكري في فهم الهجرة بوصفها نتيجة تاريخية للعنف الاستعماري والاغتراب الاجتماعي، وليس مجرد ظاهرة اقتصادية أو ديموغرافية.

بعد الاستقلال، انتقل صيّاد إلى فرنسا عام 1963 لمتابعة دراسته الجامعية، غير أن صعوبات العيش التي واجهها بوصفه مهاجرًا ومثقّفًا مغاربيًا حالت دون استكمال مساره الدراسي في تلك المرحلة. ومع ذلك، تمكّن من الالتحاق بمركز السوسيولوجيا الأوروبية (Centre de sociologie européenne)، حيث عمل بعقود بحثية قصيرة مكّنته من الانخراط في بيئة علمية متقدمة.

تضيء هذه السنوات، التي جمعت بين التعلّم والتجريب، المسارَ الفكري لعبد المالك صياد. وتؤرّخ انتقاله من نقد علم الاجتماع الاستعماري إلى بلورة سوسيولوجيا للهجرة، تقوم على مقاربة مزدوجة تدرس الهجرة في بلد الأصل كما في بلد الاستقبال.

ومع تزايد حضور العمال المغاربيين في فرنسا واهتمام المؤسسات العلمية والسلطات السياسية بهذه الظاهرة، عُيّن صيّاد سنة 1977 مديرَ أبحاثٍ في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، وهو ما أتاح له تكريس جهوده البحثية بصورة منتظمة لتطوير مقاربة سوسيولوجية معمّقة في تحليل أوضاع المهاجرين داخل المجتمع الفرنسي. وقد تجلّى ذلك بوضوح في كتابه «نانتير الجزائرية: أرض الصفيح» (Un Nanterre algérien, terre de bidonvilles)، الذي يتناول تاريخ الأحياء العشوائية (bidonvilles) التي عاش فيها المهاجرون الجزائريون في مدينة نانتير (Nanterre) قرب باريس منذ خمسينات القرن العشرين، حيث انتهى الأمر بآلاف العائلات الجزائرية التي جاءت للعمل في فرنسا إلى العيش في أكواخ من الصفيح وسط ظروف قاسية. في هذا العمل، استطاع صيّاد أن يزاوج بين الصرامة الأكاديمية والحسّ السياسي، محوّلًا «الأكواخ» من مجرد مشهد للبؤس إلى «وثيقة سوسيولوجية» تكشف تناقضات الدولة الفرنسية الحديثة.

وعلى امتداد مسيرته العلمية، رسّخ عبد المالك صياد حضورًا فكريًا بارزًا في سوسيولوجيا الهجرة، من خلال مجموعة من الأعمال التي أعادت بناء هذا الحقل على أسس نقدية تربط الهجرة بتاريخ الاستعمار وبُنى الهيمنة الاجتماعية. ومن أبرز هذه الأعمال كتاب «الهجرة أو مفارقات الغيرية» (L’Immigration, ou les Paradoxes de l’altérité) الصادر سنة 1992، وكتاب «الغياب المزدوج: من أوهام المهاجر إلى معاناة المهاجر» (La Double Absence. Des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré)، الذي نُشر بعد وفاته سنة 1999 بإشراف وتقديم من بيير بورديو.

وسينصبّ التركيز، في ما يلي، على بعض المفاهيم المركزية التي طوّرها عبد المالك صيّاد لفهم ظاهرة الهجرة، من تحليل علاقات الهيمنة التي تؤطر خطاب الهجرة ودراستها، إلى تصوره لـ«الأعمار الثلاثة للهجرة»، وصولًا إلى تفكيك الأوهام المؤسسة للتجربة المهاجرة وما تنتجه من اغترابٍ ومعاناة وجودية.


في نقد التمركز الإثني لسوسيولوجيا الهجرة

في عمله «الهجرة أو مفارقات الغيرية: وهم المؤقت»، يطرح صياد فرضية أساسية مفادها أنّ الكتابة عن الهجرة والمهاجرين ليست بريئة، بل محكومة دائمًا بتحديدات اجتماعية وسياسية مسبقة تُوجّه النظر وتُشكّل موضوعه قبل تحليله.

وانطلاقًا من هذا الوعي، يوجّه صياد نقدًا جذريًا إلى التمركز الإثني (Ethnocentrism) الذي يطبع سوسيولوجيا الهجرة في البلدان الأوروبية. فهذه السوسيولوجيا بُنيت في الغالب انطلاقًا من حاجات مجتمعات الاستقبال وإشكالياتها الخاصة، إذ لا يظهر المهاجر في أفق المجتمع المضيّف إلا منذ لحظة عبوره الحدود؛ هناك فقط «يُولد» مهاجرًا في نظره. بينما يُتجاهل كامل التاريخ الاجتماعي الذي يسبق الهجرة، فتُمحى الشروط التي تُنتج المهاجر في مجتمعه الأصلي من التحليل. ونتيجة لذلك، تصبح تحليلات عالم المهاجرين، مهما بدت مفيدة، معرّضة للانزلاق نحو خطاب تجريدي واختزالي. لأن الهجرة «واقعة اجتماعية كلية» (Total Social Fact) بالمعنى الذي حدده مارسيل موس، بما تقتضيه من مقاربة شاملة تربط بين نسق الاستعدادات (الهابيتوس) الذي يحمله المهاجر، وهو نسق يتكوّن خارج تجربة الهجرة نفسها، وبين الآليات الاجتماعية والمؤسساتية التي يخضع لها داخل مجتمع الاستقبال.

كما لا يقتصر أثر التمركز الإثني على توجيه اختيارات البحث السوسيولوجي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليطبع الإطار الإبستيمولوجي الذي تُبنى في نطاقه صورة المهاجر. ففي هذا الأفق المعرفي، لا يظهر المهاجر بوصفه فاعلًا اجتماعيًا داخل سيرورة تاريخية واجتماعية معقدة، وإنما يُستحضر غالبًا من خلال اقترانه بحزمة من «المشكلات» الاجتماعية الجاهزة، مثل العمل أو البطالة والسكن والاندماج والعودة إلى البلد الأصلي. وهكذا تُختزل الهجرة ضمن إطار يُستخدم لضبط المهاجر وتنميطه، بدل أن تُطرح بوصفها موضوعًا مستقلًا للتحليل العلمي.

ولا تنحصر هيمنة هذا الإطار المعرفي في مجتمعات الاستقبال وحدها، بل تمتدّ أيضًا إلى الحقول العلمية في مجتمعات الإرسال. ففي كثير من الحالات، تُستعاد الإشكاليات والمفاهيم التي صيغت في سياق دراسة الهجرة الوافدة دون مساءلة شروط تشكّلها التاريخية والمعرفية، أو اختبار مدى ملاءمتها لفهم سياقات الهجرة المغادرة. وهكذا يتحول هذا الخطاب، رغم ما قد يحمله من نوايا نقدية، إلى مجرد انعكاس باهت لما يُقال عن الهجرة في بلدان الاستقبال.

ويقدم صياد مثالًا دالًا على هذه التبعية المعرفية من خلال الندوة التي عُقدت في الجزائر العاصمة بين 28 و29 و30 مارس 1981، برعاية مركز البحوث في الاقتصاد التطبيقي بجامعة الجزائر، تحت عنوان: «الهجرة المغاربية إلى أوروبا: استغلال أم تعاون؟». فرغم تنظيمها في بلد الإرسال، وما كان يُفترض أن يترتب عن ذلك من إعادة مساءلة للهجرة من منظور داخلي، فإنها أعادت إنتاج الإشكالية المهيمنة ذاتها في خطاب بلدان الاستقبال، حيث تُفهم الهجرة أساسًا بوصفها “هجرة وافدة”.

وفي هذا السياق، يتجلّى أحد أكثر أشكال هذا الاختزال انتشارًا في المقاربة الاقتصادية التي تنظر إلى الهجرة بمنطق الربح والخسارة، فتختزلها في مؤشرات الاقتصاد الكلي وآليات التوازن العام. ووفق هذا التصور، يُقاس المهاجر بما يضيفه إلى سوق العمل أو بما يكلّفه من أعباء، لا بوصفه فاعلًا اجتماعيًا يحمل تجربة إنسانية وتاريخًا اجتماعيًا معقّدًا. غير أنّ هذه المقاربة تبدو قاصرة سوسيولوجيًا، لأن ما يُنظر إليه بوصفه «مكسبًا» في مجتمع الاستقبال قد يعني، في المقابل، شكلًا من أشكال الاستنزاف في مجتمع الإرسال، سواء من حيث اليد العاملة أو الكفاءات أو التوازنات الاجتماعية. كما أنها تفترض ضمنًا قابلية تعميم معايير مجتمعات الاستقبال على مجتمعات الإرسال، متجاهلة اختلاف الشروط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تفصل بينها.


 الأعمار الثلاثة للهجرة

هل يمكن، إذًا، الفكاك من الهيمنة المعرفية المشار إليها سابقًا، وإرساء سوسيولوجيا للهجرة تُعنى بما يمكن تسميته بـ«الهجرة المغادرة»؟

شكّل هذا السؤال رهانًا إبستيمولوجيًا مركزيًا انشغل به عبد المالك صيّاد، وقدّم من خلاله إحدى أهم مساهماته النظرية في تحليل الهجرة الجزائرية نحو فرنسا، ففي هذا السياق، صاغ مفهوم «الأعمار الثلاثة للهجرة» (Les trois âges de l’émigration) ليغدو لاحقًا أحد المراجع الأساسية في دراسة تاريخ الهجرة الجزائرية. إذ ينطلق هذا المفهوم من نقد فكرة الهجرة بوصفها ظاهرة متجانسة وثابتة، ليُبرز بدلًا من ذلك أنها عملية تاريخية واجتماعية مركّبة. فهي في أصلها نتاج مباشر للسياق الاستعماري الذي ساهم في تفكيك الاقتصاد الريفي التقليدي وإعادة تشكيل البنى الاجتماعية، بما أفضى إلى إنتاج شروط الاغتراب الاقتصادي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، تتبلور الهجرة في مرحلتها الأولى كاستراتيجية جماعية للبقاء، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مسار فردي، ثم إلى وضع اجتماعي شبه دائم.

 العمر الأول: الهجرة المنظمة

كانت العائلة أو الجماعة القروية، في زمنِ ما قبل الاستعمار، تختار من بين أفرادها ما يمكن تسميته «مندوبًا للهجرة»، غالبًا من أكثرهم كفاءةً وثقةً، للقيام بمهمّة محدّدة ومؤقتة في فرنسا. وقد كانت الهجرة تُفهم آنذاك بوصفها وسيلةً لحماية المجتمع الفلاحي من الانهيار الاقتصادي، سواء عبر شراء أرض أو سداد دين.

لهذا كان يُطلب من المهاجر أن يغادر بصفته فلاحًا، وأن يعود كذلك، دون أن يتجه إلى الاندماج في المجتمع المضيّف. ومن ثمّ اتسمت الإقامة في فرنسا بقصر مدتها نسبيًا، وخضعت لإيقاع المواسم الزراعية في القرية، أكثر مما خضعت لمنطق سوق العمل الصناعي. وهكذا بدت الهجرة في هذا المعنى أشبه بـ“مهمة جماعية مقدسة”، موجّهة أساسًا نحو ضمان بقاء الجماعة واستمرارها.

العمر الثاني: فقدان “الهابيتوس” الفلاحي وتحول الهجرة إلى مشروع فردي.

مع تفكك البنى التقليدية للمجتمع الريفي وتوسع الاقتصاد النقدي في ظلّ الاستعمار، بدأت الجماعة الفلاحية في فقدان قدرتها على ضبط ظاهرة الهجرة والتحكّم فيها. وقد أسهم الابتعاد الطويل عن الأرض، إلى جانب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها الريف، في تسريع ما يسميه صياد «إزالة الطابع الفلاحي عن المجتمع الريفي» (dépeasantification)، أي تآكل المنظومة القيمية الفلاحية التقليدية، ولا سيما في ما يتعلق بعلاقة العمل بالأرض وبأنماط العيش.

ونتيجة لذلك، أصبح الفلاح «منزوع الطابع الفلاحي» أي الفلاح الذي لم يعد يفكر وفق منطق الفلاح التقليدي، يتجه تدريجيًا إلى العمل المأجور الدائم، وأشكال من الفردانية الاقتصادية والاجتماعية في سلوكه. وعليه، انتقل معنى الهجرة من كونها مهمةً جماعيةً إلى اعتبارها خيارًا فرديًا يُعبّر عن تطلعات الشخص ومساره الخاص.

العمر الثالث: تشكل جماعة مهاجرة مستقرة

يصل مسار التطور إلى المرحلة الثالثة، التي تتبلور بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية وتتوسع خاصة بعد استقلال الجزائر. في هذه المرحلة، ترسخ الاعتقاد بأن مغادرة الوطن أصبحت استجابة شبه حتمية لمواجهة الفقر، أو ما يمكن تسميته بـ“القدر الجماعي”، مما أدى إلى اتساع ظاهرة الهجرة بشكل كبير.

ومع هذا التوسع، تتشكّل داخل المجتمع الفرنسي جماعة جزائرية مستقرة نسبيًا، تتميّز ببناء شبكات متينة من التضامن والدعم المتبادل، تشمل المساعدة في إيجاد العمل ودعم الأفراد في حالات المرض أو البطالة أو الوفاة، وغيرها من أشكال التكافل الاجتماعي.

وهكذا يتبلور فضاء اجتماعي يُشبه “وطنًا صغيرًا” داخل سياق الهجرة، يحافظ من جهة على روابطه بالمجتمع الأصلي، لكنه يطوّر من جهة أخرى درجة متزايدة من الاستقلال عنه.

الأوهام المؤسِّسة للهجرة

إلى جانب تحليله لـ«الأعمار الثلاثة للهجرة»، اهتمّ عبد المالك صيّاد بالكشف عن الأوهام المؤسسة للهجرة، أو ما يسميه أيضًا «أكذوبة الهجرة»، من خلال تفكيك التمثّلات المشتركة التي تحيط بها. إذ بيّن كيف تتشكل التصورات المثالية والهواجس الجماعية المرتبطة بالهجرة، والتي هي شرط قيامها واستمرارها هنا (بوصفها هجرة وافدة) وهناك (بوصفها هجرة مُغادِرة). وهذه الأوهام الجماعية تتقاسمها، دون تواطؤ واعٍ، الأطراف الثلاثة: مجتمع الإرسال ومجتمع الاستقبال والمُهاجرون أنفسهم.

تقدّم مقابلة طويلة أجراها سنة 1975 مع مهاجر قبائلي مثالًا دالًا على الكيفية التي تتبلور بها فكرة الهجرة تدريجيًا داخل القرية، إلى أن تصبح خيارًا شبه حتمي للشباب. ففي هذه الشهادة، يسرد المهاجر مسار رحلته إلى فرنسا، واصفًا بالكلمات التالية، القوة الجاذبة التي تمارسها في المخيال الجماعي «إذا استقرّت فرنسا في رأسك انتهى الأمر؛ تدخل تحت الجلد، ويصبح الرحيل هو الحل الوحيد».

غير أنّ هذا التوق إلى المغادرة كما يبيّن صياد، يقوم في جزء كبير منه على صورة مثالية لفرنسا تُبنى ويُعاد إنتاجها داخل الجماعة نفسها. فالمهاجرون العائدون إلى القرية يقدّمون عن قصد أو دونه، صورةً منتقاةً عن تجربتهم في الخارج، مثلما يوضح المهاجر بالقول «لم يشرحوا لنا حقيقة فرنسا قبل أن نعرفها. نراهم يعودون أنيقين، بحقائب ممتلئة ومال في الجيوب، ينفقونه دون حساب؛ يبدون أصحّاء ممتلئين. وحين يتكلمون؟ يتحدثون عن عملهم. يقول أحدهم: “عملي صعب”، فنُعجب به. كأن الصعوبة تعني المال الوفير. لا أحد يتحدث عن الباقي. نحن المهاجرين نتحمل جزءًا من الذنب: كل ما نفعله ونقوله حين نعود هو كذب. ذلك أننا عندما نعود نبذر مالنا دون حساب، فيظنون أننا كسبناه دون جهد، وأن عليك فقط أن تنحني لتلتقط أوراق عشرة آلاف فرنك. لو رأوا كيف نكسبه، والبؤس الذي نعيشه لنوفره، لبغضوه؛ إنه مرّ كالدفلى».

وهكذا يتبين أن ما يُغذي قرار الهجرة ليس الواقع الموضوعي وحده، بل أيضًا هذه التمثّلات المتبادلة التي تجعل من الهجرة وعدًا أكثر مما هي تجربة معيشة.

المؤقت الدائم

في الفصل الأول من كتابه «الهجرة أو مفارقات الغيرية: وهم المؤقّت» يفكك عبد المالك صيّاد ماهية “المهاجر”، ليصل إلى إجابة تعبّر عن مفارقة بنيوية مفادها: وضع يُعرَّف قانونيًا بوصفه مؤقّتًا، لكنه يميل، في مستوى الممارسة والواقع الاجتماعي، إلى أن يكتسب طابعًا دائمًا.

 فالمهاجر يُحدَّد، من حيث المبدأ، بوصفه عاملًا أجنبيًا يُفترض أن تكون إقامته مرتبطة بضرورة اقتصادية محدّدة زمنيًا، غير أنّ مسار الهجرة يُظهر ميلًا واضحًا نحو الاستقرار وإطالة أمد الإقامة، بينما يظلّ هذا الاستقرار الفعلي محجوبًا خلف تعريف قانوني يصرّ على إبقائه ضمن إطار المؤقّت.

ويعتبر صيّاد أن هذا التناقض ليس عرضيًا، بل هو مكوّن بنيوي لشرط المهاجر ذاته، وهو مفروض على الجميع لصيانة وهمٍ جماعيّ: على المهاجرين طبعًا وعلى مجتمع الاستقبال وعلى مجتمع الأصل. فالمهاجر يقنع نفسه بأن وجوده مؤقّت لتفادي مواجهة هشاشة وضعه. أمّا مجتمع الأصل فيتعامل معه بوصفه «غائبًا مؤقّتًا» يُفترض أن يعود يومًا مَّا إلى مكانه الطبيعي. في حين يكرّس مجتمع الاستقبال بدوره هذا الوهم حين يمنح المهاجر وضعًا قانونيًا مؤقّتًا، مع أنه يقبل عمليًا باستمرار حضوره الدائم طالما أنه يلبّي حاجة اقتصادية، فيمنحه صيغة «المؤقّت المُمدَّد» أو «الحضور المتسامح معه».

إن هذا التشابك في التمثّلات يُنتج بناءً رمزياً متكاملاً يحمي جميع الأطراف من حقيقة الوضع. وهكذا يجد كلّ طرف في هذا الوهم طريقة للتكيّف مع التناقضات التي يفرضها موقعه الخاص داخل بنية الهجرة. ولأنّ هذه الأوهام متساندة ومتشابكة إلى حدّ تكوينها بنية واحدة، يكفي تفكيك أحد عناصرها حتى تنكشف هشاشة البناء كلِّه، وتتصدع الصورة “الأرثوذكسية” للمهاجر التي تقوم عليها هذه المنظومة.

 من أوهام الهجرة إلى معاناة المهاجر

يرى صياد أنّ الأوهام المحيطة بظاهرة الهجرة، لا يمكن أن تستمرّ دون أن تترك آثارًا عميقة في تجربة المهاجرين. ومن خلال تحليل هذه الآثار، يكشف صياد عن الطابع المزدوج لوضعية المهاجر، يرصدها خصوصًا من خلال مفارقتين أساسيّتين: مفارقة الغياب المزدوج ومفارقة الاستبعاد المزدوج.

فعلى مستوى الوجود المادي، يستقرّ المهاجر داخل مجتمع الاستقبال ويشارك في إيقاع حياته اليومية عبر العمل والعلاقات الاجتماعية والتفاعل مع مؤسساته المختلفة. غير أنّ هذا الحضور الفعلي لا يفضي بالضرورة إلى اندماج كامل معه، كما لا يؤدي إلى انقطاعٍ نهائي عن فضاء الانتماء الأصلي، الذي يظل حاضرًا في الذاكرة والروابط العائلية والتمثّلات الرمزية. وبهذا المعنى تتشكّل تجربة وجودية منقسمة، إذ تُسقَط الحياة المتخيَّلة فوق الحياة المعيشة، فيتحوّل الحاضر الواقعي إلى وجود مشتّت، بينما تكتسب الحياة الغائبة قوّة رمزية تجعلها تبدو أكثر أصالة وشرعية.

ويمتد هذا الانقسام الوجودي إلى موقعه داخل البِنية السياسية للمجتمعين معًا، حيث يتحول إلى شكل من الهامشية السياسية. فمن جهة، يُستبعَد المهاجر قانونيًا من المجال السياسي في المجتمع الذي يقيم فيه، بحكم تعريفه كأجنبي يُنتظر منه أن يظلّ في موقع الحياد السياسي، مكتفيًا بالمشاركة في الإنتاج الاقتصادي، دون المطالبة باعتراف كامل بوصفه عضوًا في الجماعة السياسية.

ومن جهة ثانية، وبحكم ابتعاده المكاني عن وطنه الأصلي، يجد المهاجر نفسه مستبعدًا فعليًا من المجال السياسي هناك أيضًا. فوجوده خارج الحدود الوطنية يجعله على هامش الحياة السياسية والاجتماعية التي تستمرّ دونه، كما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف قدرته على التأثير في مساراتها. وهذا الاستبعاد المزدوج الذي قد يتخذ أحيانًا شكل استبعاد ذاتي، يفضي إلى حرمان المهاجر من أحد أبسط مقوّمات الفعل الاجتماعي: الحق في أن يكون له مكان كامل داخل جماعة سياسية. فوجوده يظلّ مستبعدًا في مجتمع الإقامة بحكم القانون، ومستبعدًا في مجتمع الأصل بحكم الغياب. وبهذه الوضعية يصبح المهاجر، كما يلمّح صياد، كائنًا «مُزاحًا» مكانياً، ومُزاحًا رمزياً أيضًا، لأن حضوره يُدرَك غالبًا كما لو كان في غير موضعه. وقد استعان بيير بورديو في تقديمه لأعمال صيّاد بمفهوم “Atopos” للدلالة على هذا الموقع الهجين الذي لا ينتمي إلى مكان ثابت داخل البنية الاجتماعية.

عودة الغائب: مشروع كلّ الغياب

يدعونا عبد المالك صياد إلى إدراج مشروع العودة ضمن ما يسميه “أنثروبولوجيا شاملة للهجرة”، أي مقاربة تنظر إلى الهجرة بوصفها تجربة اجتماعية ووجودية كاملة تشمل الرحيل والعمل والغياب والحنين وأفق العودة. إذ يتعذّر، في نظره، فهم تجربة المهاجر فهمًا كاملاً دون إدراج هذه الفكرة بوصفها عنصرًا بنيويًا في تجربة الهجرة نفسها. فالعودة حاضرة منذ البداية في المعنى الذي يضفيه المهاجر على فعل الرحيل، إذ يتصوّر هجرته غالبًا بوصفها غيابًا مؤقتًا موجّهًا، في أفقه نحو الرجوع. ومن هنا تكتسب العودة طابعًا أسطوريًا يقارب عودة أوديسيوس إلى إيثاكا في الأوديسة، أي فكرة “النوستوس” (nostos) حيث يغدو الرجوع إلى الوطن الأفق الذي يهب الرحيل معناه.

وتنبع أهمية هذه العودة من كونها تمسّ ثلاث علاقات أساسية تشكّل مجتمعةً بنية الوجود الاجتماعي للمهاجر: العلاقة بالجماعة والعلاقة بالزمن والعلاقة بالمكان.

فعلى مستوى العلاقة بالجماعة، تُفهم العودة بوصفها محاولةً لإصلاح نوع من الظلم الاجتماعي الذي كان الغياب نتيجةً له في الأصل. ففي تجربة الهجرة يتولّد لدى المهاجر شعور خفيّ بأن الابتعاد عن الجماعة الأصلية يشبه خطيئةً اجتماعيةً تستدعي شكلًا من أشكال التكفير الرمزي. ومن هنا تتضح لهفة كثير من المهاجرين إلى محو أثر هجرتهم، أو إلى طمس سنوات الغياب التي فصلتهم عن جماعتهم. ويتجلّى ذلك من خلال حرصهم على الحضور المكثّف في مختلف المناسبات الاجتماعية، من الأعراس والزيارات العائلية إلى اللقاءات اليومية، تأكيدًا لجماعتهم أنهم، رغم ابتعادهم الجسدي عنها، ما زالوا يحملونها في داخلهم وأن صلتهم بها لم تنقطع.

أما على مستوى العلاقة بالزمن، فترتبط العودة في مخيال المهاجر بإمكانية الرجوع إلى الذات واستعادة السيطرة على الزمن الذي اختلّ بفعل الهجرة. لذلك يسعى المهاجر إلى تعويض زمن الغياب وسدّ الفراغ الذي خلّفته سنوات العيش في الخارج، والتي يشعر غالبًا بأنها سنوات مفقودة من سجلّ الحضور الاجتماعي. غير أنّ هذا التصوّر يصطدم بحقيقة التحوّل الزمني، فالمهاجر يتغيّر بمرور السنوات، كما يتغيّر المجتمع الذي غادره. وهكذا تنكشف العودة بوصفها مفارقةً زمنية: محاولةً لاستعادة ماضٍ لم يعد قائمًا إلا في الذاكرة.

أمّا العلاقة بالمكان، فيعيد الحنين تشكيلَها. فالأمكنة المرتبطة بالوطن تتحوّل إلى فضاءات مشحونة بدلالات رمزية كثيفة: القرية الأصلية، بيت الأجداد، الحقول، أو البيت الأول. وتغدو هذه الأمكنة موضوع زيارات تكاد تشبه طقوس الزيارة إلى المقامات أو المزارات. وفي السياق نفسه، كثيرًا ما يحرص المهاجر على بناء بيتٍ جديدٍ في القرية، بوصفه محاولة رمزية لتأكيد استمرار صلته بالمكان ونفي الغياب. غير أنّ هذا البيت الذي يُبنى لإثبات الحضور، يُترك في كثير من الأحيان فارغًا، ليتحول البناء ذاته إلى “نصب تذكاري للغياب”.

إنها مفارقة تراجيدية: كلما حاول المهاجر نفي غربته عبر طقوس العودة والحنين، زاد تأكيد انفصاله عن واقع لم يعد يشبهه، وزمن لم يعد ينتظره.

على سبيل الختام، ماذا فعلنا بإرث عبد المالك صيّاد الفكري؟

رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيل عبد المالك صيّاد، لا تزال إشكاليات الهجرة التي طرحها تحتفظ بقدرة لافتة على تفسير تحوّلاتها المعاصرة. بل إنّ عالم اليوم، بما يشهده من تصاعد النزعات القومية لدى تيارات اليمين المتطرف، ومن تنامي خطابات كراهية الأجانب (Xenophobia)، وتشديد سياسات ضبط الحدود، كلها عوامل تعيد طرح أسئلته السوسيولوجية في سياقات جديدة أكثر تعقيدًا. ويتجلى هذا الامتداد النظري في بعض المقاربات المعاصرة، مثل عمل الباحثين وائل القرناوي ومنتصر الساخي في كتابهما المشترك «العمر الرابع للهجرة»، الذي يحيل إلى المرحلة التي أعقبت دخول اتفاقية شنغن حيّز التنفيذ سنة 1995، وما رافقها من تشكّل تدريجي لما يُعرف بـ«الحصن الأوروبي/الغربي» (Forteresse Europe/Occident)، القائم على تشديد أنظمة التأشيرات والرقابة على التنقّل.

غير أن هذه الحيوية الفكرية التي لا تزال أفكار صيّاد تُلهمها تقابلها مفارقة لافتة داخل الفضاء الجامعي المغاربي، حيث يتم تهميش حضوره في الدروس الموجهة إلى الطلبة المشتغلين على قضايا الهجرة. ويزداد هذا الغياب وضوحًا مع استمرار عدم ترجمة مؤلفاته إلى العربية، مقابل حضورها الواسع في لغات أخرى كالإنجليزية والإيطالية والبرتغالية.

ومن ثَمَّ، تبدو استعادة إرثه اليوم، عبر الترجمة والقراءة والتدريس، جزءًا من ضرورة أوسع تتمثل في بناء معرفة نقدية بالهجرة تنطلق من تجاربنا وأسئلتنا، بما يقطع مع الطرق القديمة في صياغتها ومعالجتها. فالتغيير في العالم السياسي، كما أشار عبد المالك صياد، يقتضي اقتران التحليل العلمي بخطاب نقديّ قادر على مساءلة الواقع وفهم تحولاته.