المنشورات

«أبناء المشافهة»: تاريخ «شعبي» للهجرة المغاربية

مقال من قبل أحمد نظيف

هل يمكن للمرء أن يكتب بلسانٍ مقطوع. منذ البداية تعلن هاجر بن بوبكّر في كتابها «باربيس بلوز: تاريخ شعبي للهجرة المغاربية» أنها ستكتب بهذا اللسان المقطوع، الذي أسكت أسلافها من المهاجرين في فرنسا، والذي فرض صمتاً معيارياً على وجودهم. فهو ذلك الكلام المتقطع، المُكوّن من دلالاتٍ دقيقة وظلالٍ خفية وإغفالات، وأحيانًا، من صمتٍ تام. وقبل كل شيء هو ذلك الشعور بامتلاك تاريخٍ طويلٍ وغنيّ، لكنّ نقله مُجزّأ. وبعد كل شيء، هو تلك المكانة التي تحتلها المشافهة في تناقل هذا التاريخ، الذي يروي قصص أولئك الذين لم يمسكوا بالقلم ليُكرّسوا أنفسهم له. شخصياً أعي جيداً ما تعنيه هاجر بذلك، بوصفي اليومَ لا مهاجراً فقط، بل أنحدر من سلالة احترفت الهجرة منذ ثلاثة أجيالٍ إلى المكان نفسه دون انقطاع. إلى فرنسا، التي صارت العلاقة معها معقدةً على نحوٍ لا يمكن فك رموزه أو معانيه. وربما أكثر تعقيداً من العلاقة مع الوطن الأصلي.

وقبل أن تشرع في الكتابة بلسانٍ مقطوع تورد هاجر بن بوبكر مقطعاً قصيراً من فيلم «عطلة نهاية الأسبوع في نانتير» (1977) يقول: «المهاجر يوجد على نحوٍ مختلف. ليس مجرد تلك الشخصية النمطية ذات القناع الصوفي وخوذة البناء، المستسلمة، كثيرة الشكوى، والتي تجرّ بؤسها وحنينها إلى الوطن بين ورشة العمل والمسكن الحقير، على إيقاع أجواء توحي بالمنفى والاستغلال والاقتلاع من الجذور، وموسيقى فولكلورية وكؤوس شاي بالنعناع كي لا ننسى لمسة الغرابة الصغيرة […] المهاجر لا يطابق دائمًا الصورة التي حُبس فيها، والتي تجعله كائنًا مختلفًا، مهاجرًا لا أكثر ولا أقل. فشأنه شأن الغربي، قد يكون جانحًا ومشرّدًا وثوريًا أو هامشيًا وذكوريًا وعنصريًا وخاضعًا أو متمرّدًا. وقد يكاد ينسى أنه مهاجر». فهذا الكتاب يسعى إلى نزع تلك الصورة النمطية التي سجن فيها المهاجر -ولاسيما المغاربيّ- طويلاً بوصفه كائناً اقتصادياً، من خلال كتابة تاريخٍ موازٍ للهجرة المغاربية يأخذ في الحسبان بعدها الثقافي.

تصف المؤلفة مشروعها بأنه «مشروع طموح»، مع التأكيد على أنها لا تسعى إلى تقديم عمل موسوعي أو شامل، بل هي اختيارات فرضتها العاطفة والضرورة. بالنسبة إليها، باريس نفسها «أرشيف مفتوح». فجدرانها وشوارعها تنطق بقصص تتجاوز الوقائع الجامدة. لذلك فهي تريد إعادة بناء «عوالم مفقودة» كانت موجودة في تلك الأزقة، أو في خيال من سكنوها وأصبحوا مع الوقت «شخصيات» في ذاكرة المدينة. ولذلك فهي تنتقد عملية «التحسين الحضري» والرأسمالية الشرهة التي تطرد الفقراء من باريس، وتعتبرها «آلات جهنمية» تمحو آثار السكان الحقيقيين للمدينة. فهي وسيلة لـ«إعادة الاختراع»، فمن خلال إعادة بناء الحياة اليومية للأجيال السابقة، تحاول استعادة جزء من كرامتهم المهدورة. ذلك أن الكتاب لا يسعى إلى تصوير المهاجرين أبطالا مثاليين أو ضحايا سلبيين، بل يهدف إلى تقديم «جبر ضرر بسيط» يقر بتعقيدات وتنوع هذه الحيوات وتعدد ظلالها.

لم تكن الهجرة المغاربية مجرد إضافة هامشية لباريس، بل ظلت دائماً جزءاً من أسس صرحها التاريخي والاجتماعي، رغم أن الكثيرين يجدون صعوبة في تمثيل قوة الأثر الذي تركته أقدام المهاجرين في بنية المدينة. ومع ذلك يحمل الكتاب هماً شخصياً واضحاً، فالكاتبة ولدت ونشأت في باريس في عائلة تونسية مهاجرة، ولذلك بنت كتابها كما تُبنى «البيوت». أو بالأحرى كمن يرسم بيت طفولته الذي تنفلت تفاصيله مع مرور الوقت وتآكل الذاكرة. وفي ظل ما تصفه بـ«الانحدار اللامتناهي للمجتمع الفرنسي نحو الفاشية»، كان الأرشيف والذكريات بمثابة ملجأ.  فقد اختارت أن تجعل الموتى والأحياء يتعايشون، وأن تعيدهم إلى شوارعهم. فضلاً عن الجمع بين «العادي» و«السياسي»، بين الأحداث الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ، والأشياء البسيطة التي لم تغير شيئاً سوى حياة بضعة أشخاص. وهو ما جعل الكتاب لا يخلو من مأساوية، إذ تعترف المؤلفة بأنها اضطرت إلى النبش في الموت وصولاً إلى «عظام مجتمع مريض بوحشيته». وهذه الوحشية التي تمزق الأرواح وتنهي الحيوات لها اسم صريح هو «العنصرية»، مؤكدة أن عدم إغفال هذا الواقع هو تذكير بأن العنصرية جزء من تاريخنا الذي يلاحقنا في حياتنا اليومية.

من الدائرة الخامسة إلى «باربيس»

تبدأ القصة من تلة «مونتاني سانت جينيفيف» على الضفة اليسرى لنهر السين، وتحديداً في الدائرة الخامسة، أين استقر المهاجرون الجزائريون الأوائل، ومعظمهم من منطقة القبائل، في بيوت شعبية. لم تكن تلك المنطقة الراقية حالياً سوى بؤر للمؤسسات الصناعية والعمالية، حيث عمل هؤلاء المهاجرون في ظروف قاسية في «مصفاة ساي» للسكر، وفي بناء مترو باريس، وكانوا يُعرفون بـ«أصحاب الظهور المحروقة» بسبب تعاملهم المباشر مع السكر الساخن والعمل اليدوي الشاق. وحول هذا السديم المهاجر تشكلت سلسلة من المقاهي، التي صارت مع الزمن وطناً مصغراً ومركزاً للتنظيم السياسي. ويبرز هنا مقهى «عبد الكريم» في شارع «لا هوشيت» شاهدا على لقاء تاريخي على التحام حركات الاستقلال السّرّية بالفئات الاجتماعية المهاجرة. في هذه الأجواء، وُلدت حركات سياسية كبرى مثل «نجم شمال إفريقيا»، التي بدأت فرعا مرتبطا بالحزب الشيوعي، قبل أن تستقل عنه لتتبنى خطاباً وطنياً وإسلامياً يطالب بالاستقلال التام. كما لعبت «جمعية الطلاب المسلمين بشمال إفريقيا»، التي نشطت في هذه المقاهي، دوراً محورياً في بناء الفكر الوطني المغاربي. وفي الوقت نفسه ازدهرت الكباريهات الشرقية في الدائرة الخامسة، التي استوعبت طبقة من المهاجرين أكثر ثراءً من العمال، مثل كباريه «الجزائر»  وكباريه «تام تام». وهذه الأماكن لم تكن للترفيه فقط، بل شكلت «مدارس فنية» خرّجت نجوماً مثل وردة الجزائرية التي ولدت ونشأت في تلك الأزقة، كما لعبت أدواراً ثورية وسياسية، لاسيما في دعم جبهة التحرير الوطني خلال حرب الاستقلال.

ولمواجهة هذا الوجود العمالي والحراك الشعبي والفني، وضعت السلطات الفرنسية ما يُعرف بـ«نظام غودان»، وهو جهاز أمني وإداري استنسخ الأساليب الاستعمارية في قلب باريس لمراقبة المهاجرين والتحكم في تحركاتهم وفرض العزلة عليهم. وعقب الحرب العالمية الثانية، شرعت السلطات في تنفيذ سياسات المحو والتطوير الحضري، عندما شنت بلدية باريس حملات «تجديد حضري» استهدفت الأحياء الشعبية التي يسكنها المهاجرون في الدائرة الخامسة. فتم طرد السكان وإغلاق البيوت الشعبية ورفع الإيجار بشكل كبير، مما أدى إلى تشتيت المجتمع المغاربي المهاجر من مركزه التاريخي في الحي اللاتيني باتجاه الضواحي أو أحياء أخرى مثل «باربيس». لكن هذا المحو لم يكن معمارياً فحسب، بل كان محواً للذاكرة، حيث تحولت أماكن النضال المغاربي التاريخية إلى مطاعم سياحية ومحلات للطبقة الغنية. كما تلفت هاجر بن بوكر إلى ومضةٍ مهمةٍ حول شارع «موسيو لو برانس»، الذي ظل شاهداً على التاريخ المعقّد للهجرة المغاربية في فرنسا؛ حيث عاش فيه كتاب أمريكيون سود مثل جيمس بالدوين الذين رصدوا بؤس المهاجرين، وشهدت أرصفته سقوط ضحايا مثل مالك أوسكين عام 1986، لتظل الذاكرة المغاربية في باريس «لساناً مقطوعاً» يحاول الكتاب إعادة وصله.

وبعد عصرها الذهبي في الدائرة الخامسة حطّت الهجرة المغاربية رحالها في الدائرة الثامنة عشرة، وتحديداً في حي «باربيس». تبدأ الكاتبة في الفصل الثاني بتفكيك «أسطورة باربيس»، موضحة أن الحي كان مكاناً «للأرواح الضالة» والبروليتاريا الأوروبية الهاربة من أحوال الحرب العالمية الأولى، قبل وقت طويل من وصول المهاجرين المغاربة. وتستحضر روح الروائي إميل زولا الذي جعل من شوارعها مسرحاً لروايته «المقطرة»، واصفاً بؤس الطبقة العاملة والتحولات الحضرية التي أزعجت سكان الأحياء الشعبية منذ ذلك الحين. ولذلك سكن المهاجرون المغاربيون هذا الحي لأنهم كانوا «فقراء مثل الآخرين»، وليس لصبغة عرقيّة مسبقة. وهنا نشهد تداخلاً مدهشاً بين عالم «الليل» والنضال السياسي خلال حرب الاستقلال الجزائرية. تبرز في هذا السياق شخصية «شهرزاد»، الراقصة الشهيرة في كباريه «الجزائر»، التي كلفتها جبهة التحرير الوطني بجمع «الضريبة الثورية» من المشتغلات بالجنس في الحي. والتي استخدمت ملامحها التي لا تبدو عربية لتجاوز نقاط التفتيش ونقل الأموال والأسلحة في سيارتها «رينو» الحمراء. وكذلك قصة الحب والعمل بين «فيوليت» بائعة الهوى الشهيرة وإبراهيم عيسى، اللذين افتتحا حانة «شانغو بار» عام 1954، في خضم «معركة الفنادق والمقاهي» بين حزب مصالي الحاج وجبهة التحرير، وهي حرب أخوية دامية خلفت آلاف القتلى في شوارع باربيس.

كما يؤرخ الفصل للحظة مفصلية في تاريخ الحي، وهي «انتفاضة كوت دور»، صيف عام 1955. بدأت المناوشات بسبب تدخل الشرطة العنيف أثناء احتفال المهاجرين بعيد الأضحى، مما أدى إلى محاصرة ألف مهاجرٍ لمركز شرطة شارع «دودوفيل». كان هذا الحدث إعلاناً عن دخول الحي حربَ الاستقلال بشكل مباشر. ورداً على ذلك، طبق المحافظ موريس بابون أساليب قمعية استعمارية في قلب باريس، مستعيناً بـ«القوات المساعدة» (الحركيون بباريس)، وحوّل أقبية المباني في شارع «كوت دور» إلى مراكز تعذيب عُرفت بـ«الأقبية التي تغني» بسبب صرخات المعذبين التي كانت تُغطى بالموسيقى. بالتوازي مع العنف، كان الحي يؤسس أسطورتَه الثقافية. وهنا يبرز دور محلات الأسطوانات، وعلى رأسها «ميزون سوفيا»، التي كانت تبيع الموسيقى الكلاسيكية قبل أن تكتشف كنوزاً في الأغاني القبائلية والعربية. كما بزغ نجم سليمان عازم، «صوت المنفى القبائلي»، الذي كان يعمل فنياً في المترو نهاراً ويغني عن آلام الغربة ليلاً. وظهر المنتج أحمد سليمان صاحب علامة «صوت الكوكب» منافسا قويا، مما جعل من باربيس المركز الرئيسي لإنتاج وتوزيع «كاسيت» الهجرة في كل أوروبا.

وفي قلب الحي ظهر معبد الاستهلاك الشعبي وهو متجر «تاتي باربيسTati» الذي أسسه المهاجر التونسي اليهودي جول واكي عام 1948. استلهم واكي فكرة سلالس الملابس والأسعار الزهيدة من أسواق تونس الشعبية، محطماً الحواجز النفسية بين الفقراء ومتاجر باريس الراقية. أصبح المتجر، بمربعاته الوردية والزرقاء، رمزاً للهوية المهاجرة؛ فمن «تاتي» كان المهاجرون يجهزون هدايا العودة إلى الأوطان. ورغم ما قد يثيره المتجر من شعور بالخجل الطبقي أحياناً، إلا أنه تحول إلى أيقونة ثقافية استلهم منها كبار المصممين مثل عز الدين علية وفنانو الراي والهيب هوب مثل رشيد طه ومجموعة 113. لذلك لم تكن باربيس مجرد «غيتو»، بل مكاناً صهر فيه المهاجرون كرامتهم المستعادة من خلال العمل والنضال السياسي والإبداع الفني، محولين أسمال الفقر إلى رموز عالمية.

المقاومة والطرب

بدايةً من منتصف الستينات، بدأت الهجرة المغاربية تشهد تحولات جذريةً. إذ انتقل الحراك المهاجر من مجرد قضايا قومية عربية بعيدة إلى معارك يومية من أجل الكرامة، كالحق في الإقامة ومناهضة العنصرية. بعد انتفاضة ماي 1968، حيث تصاعدت قوة الحركات اليسارية وخاصة الماوية، برزت «لجان فلسطين»، التي ضمت طلاباً عرباً وفرنسيين. لم تكن فلسطين بالنسبة إلى هؤلاء مجرد قضية جغرافية، بل كانت «فيتنام الجديدة» والملهم لثورة عالمية. وهنا يبرز دور شخصيات مثل المغربي أنيس بلافريج والتونسي سعيد بوزيري، وجدوا في باريس ساحة لمواصلة النضال ضد الإمبريالية والديكتاتوريات في أوطانهم. في الفصل الثالث تقدم هاجر بن بوبكر ملحمة العامل المغاربي المناضل، من خلال شخصية محمد بشيري -المعروف بمختار-  الذي عمل طفلاً في مناجم المغرب قبل أن يهاجر ليعمل في مصانع السيارات بفرنسا، واختبر بنفسه قسوة الغربة وتسلّط مديري السكن العمالي، الذين كانوا غالباً ضباطاً سابقين في الجيش الاستعماري. تحول مختار من عامل بسيط إلى «خطيب نقابي» وصوتاً للعمال العرب، مجسداً التحام الفكر الماوي بواقع الطبقة العاملة المغاربية. كما تلقي الضوء على قضية جيلالي بن علي ومنعطف العنصرية. إذ اعتُبرت حادثة مقتل المراهق الجزائري جيلالي بن علي في أكتوبر 1971، برصاص أحد الجيران العنصريين في حي «كوت دور»، لحظة مفصلية. حيث أدت هذه الجريمة إلى خروج تظاهرة ضخمة ضمت 4000 شخص، شارك فيها كبار الفلاسفة والمثقفين مثل جون بول سارتر وميشيل فوكو وجيل دولوز وكلود مورياك، ومع ذلك، كشفت هذه التجربة عن فجوة بين المثقفين الفرنسيين الذين «انتظروا أن يأتيهم العرب طلباً للمساعدة»، وبين سكان الحي الذين كانوا يواجهون واقعاً أمنياً وعنصرياً لا تستوعبه هذه النخبة. وقد أدت الدروس المستفادة من قضية جيلالي إلى اتخاذ قرار تاريخي في جوان 1972 بـالاستقلال التنظيمي عن اليسار الفرنسي، وتأسيس «حركة العمال العرب»، التي رفعت شعار «الاعتماد على القوى الذاتية»، مركزة على قضايا محددة، مثل بطاقات الإقامة والسكن الكريم وتحسين وظروف العمل. ومعتبرة أن العمال العرب هم الأقدر على قيادة معركتهم بأنفسهم بعيداً عن وصاية المركزيات النقابية أو المثقفين.

وبموازاة ذلك بدأت خارطة الهجرة المغاربية بالتوسع نحو أحياء قريبة مثل «بيلفيل»، الذي شكل طويلاً ومازال ملاذ المهاجرين التونسيين، مسلمين ويهودا. ترسم المؤلفة صورة لمقاهي الحي الكثيرة، التي يرتادها كبار السن من المهاجرين، الذين يجلسون على كراسيهم القابلة للطي، والتي تمثل استعارة للاستقرار المؤقت والقلق الدائم من الرحيل. كانت «بيلفيل» في السبعينات «قرية تونسية» في قلب باريس، حيث تختلط روائح «الفريكاسي» بألحان فريد الأطرش وعلي الرياحي المنبعثة من كل مكان. وفي الفصل الرابع تعود هاجر بن بوبكر إلى باربيس، التي أصبحت في السبعينات عاصمة الموسيقى المغاربية. في ذلك الوقت برز منتجون مستقلون مثل إبراهيم أوناصر صاحب محلّ «كليوباترا» وأحمد سليمان وعائلة بوسيف أصحاب علامة «بوسيفون». وتحول الحي إلى «راديو مفتوح» تبثّ محلاته الأغاني عبر مكبرات الصوت. وفي ذلك المكان والسياق الفريد ولدت ظاهرة الفنان الجزائري محمد المازوني، الذي لم يكن يمتلك صوتاً طربياً لكنه امتلك لغة الشارع. فقد عبرت أغانيه بصدق وصراحة فكاهية عن البطالة والعنصرية وعلاقات المهاجرين بالمرأة الفرنسية. كما يحضر دحمان الحراشي بأغنيته الأيقونية «يا الرايح»، التي لخصت فلسفة المنفى والرحيل.

لكنّ بهجة الطرب لم تمنع من وقوع المآسي. في عام 1973، والذي سمي بـ«عام الأكفان» شهدت أوساط الهجرة المغاربية في فرنسا موجة عنف عنصري غير مسبوقة، خاصة في مرسيليا بعد حادثة «الحافلة عدد 72»، التي أدت إلى مقتل 50 عربياً. رداً على ذلك، أطلقت «حركة العمال العرب» إضراباً عاماً في سبتمبر 1973. كان مشهداً مهيباً في محطة مترو «الجمهورية» بباريس، حيث وقف المناضلون على الأرصفة وهم يقنعون العمال بمغادرة المترو والانضمام إلى الإضراب، مما أدى إلى توقف ورش كبرى مثل ورشة بناء «برج مونبارناس». وعلى أطراف هذه الهجرة، التي كانت تتوسع باستمرار، ولد اقتصاد الهامش ومعه أسطورة «اللص الشريف». فقد كانت باربيس ساحة واسعةً للتجارة غير الرسمية في السجائر المهربة والبضائع المسروقة. وهنا تبرز شخصية «تيتي العنابي»، اللص المتأنق الذي كان يرفض السرقة من «تاتي» أو من الفقراء، ويشبّه نفسه بـ«بندقية الشرف» أو بـ«مسعود بن زلماط»، روبن هود الأوراس. وترى الكاتبة  في هذه الشخصيات جزءاً من نسيج المجتمع المهاجر الذي يرفض الخضوع لـ«نظام المصنع»، ويخلق كرامته الخاصة حتى في «الهامش»، معتبراً «اللص» و«العامل» شريكيْن في معاناة واحدة داخل مدينة لا ترحب بهما.

أسطورة العودة

ما بدأ مغامرةً فردية مؤقته في فرنسا، تحوّل بالنسبة إلى القطاع الأوسع من المهاجرين المغاربيين إلى استقرار نهائيّ مع نهاية السبعينات. والأفراد الذين جاؤوا بحثاً عن عملٍ أصبحوا آباءً والأبناء صاروا الجيل الثاني من هجرة لا يبدو أنها ستنتهي. تلقي الكاتبة ضوءاً على ملهى «كيس كلوب» في شارع ستراسبورغ، الذي مثّل «الفردوس المفقود» لشباب الجيل الثاني. فقد كان الملهى الوحيد الذي يقبل دخول العرب والسود في وقت كانت فيه العنصرية تحرمهم من أبسط أماكن الترفيه. هناك، صاغ الشباب هويتهم عبر موسيقى السول والفانك، معتبرين إياها لغة عالمية للمهمشين. كان هؤلاء الشباب يهربون من واقع الآباء الكادحين في المصانع ليعيشوا ليلة من الأناقة والرقص، دون أن يدركوا أن الهيروين وعالم العصابات قد بدأ يتسلل إلى هذا العالم ليدمره لاحقاً. وهنا تعود هاجر بن بوبكر إلى مأساة «طالب حجاج» وصديقه محمود الشناوي، وهما شابان من أصول عربية وفرنسية تورطا في عملية سطو شهيرة على بنك CIC عام 1975. وحُكم عليهما بالسجن المؤبد رغم عدم إراقة أي دماء، مما عكس قسوة القضاء تجاه أبناء المهاجرين. لكنّ طالبا تحول في السجن إلى مناضل ضد «وحدات الحراسة المشددة» وقاد إضرابات جوع وكتب رسائل مؤثرة قبل أن ينهي حياته منتحراً في زنزانته عام 1980، ليصبح اسماً منسياً. ورداً على عنف الشرطة، ظهرت حركة «روك ضد الشرطة»، التي نظمت حفلات موسيقية وأصدرت مجلات مستقلة ترفض لغة «الشفقة» وتطالب بالكرامة. وفي عام 1981، عقب وصول اليسار إلى السلطة تم إطلاق «راديو الشمس»، من حي باربيس، والذي وضع لغة الشارع والموسيقى المغاربية لأول مرةٍ عبر موجات «إف إم». كان الراديو «قرية مغاربية» تجمع المهاجرين وتمنحهم حق الكلام الذي حُرموا منه طويلاً. ومع ذلك لم تتوقف المآسي. فقد شهد عام 1983 ذروة الجرائم العنصرية (44 قتيلاً في شهرين). وأدى ذلك إلى انطلاق «مسيرة المساواة ومناهضة العنصرية» من مرسيليا إلى باريس، والتي استقبلها 100 ألف شخص. ورغم نجاحها في انتزاع «بطاقة الإقامة لعشر سنوات» من الرئيس ميتران، إلا أنها سُرعان ما تعرضت للالتفاف السياسي؛ إذ استُخدمت لتمزيق وحدة المهاجرين.

لكن ماذا يبقى من تاريخ الهجرة عندما يرحل صانعوه وتتغير ملامح الشوارع التي سكنوها؟ تصف هاجر بن بوبكر عملية تأليف الكتاب بأنها كانت رحلة لجمع شظايا مبعثرة من «نحن» جماعية، وجدتها في صناديق الأرشيف وفي نبرات أصوات كبار السن وفي طقوس المدينة اليومية. مؤكدةً أنها لم تهدف من هذا العمل إلى «إثبات إنسانية» المهاجرين، فهذا أمر مفروغ منه، بل أرادت أرشفة شيء حسي وعاطفي وقع في تلك الشوارع، وتوثيق النجاحات والثورات وحتى العيوب والارتباكات التي شكلت حياة المهاجرين بعيداً عن الصور النمطية. لكنها مع ذلك تعبّر عن حبها العميق لباريس، واصفةً إياها بأنها «عالم ضخم داخل متاهة من الشوارع الصغيرة». وتستخدم استعارة «المشي على الحبل» لوصف علاقتها بالمدينة وبالكتابة؛ فكما كانت في طفولتها تمشي بحذر على الخطوط الفاصلة بين بلاطات الرصيف، أنجزت هذا الكتاب وهي تمشي على الخيط الرفيع بين صمت الأرشيف وبين المشاعر الحية. وفي الوقت نفسه تعلن بوضوح «نحن أبناء هجرة لم تعد موجودة»، فجيلها يمثل الأطفال الذين ولدوا من رحم اتفاقيات اليد العاملة التاريخية، والذين أدى وجودهم في حد ذاته إلى تحطيم «أسطورة العودة» التي عاش عليها الآباء. لكنْ رغم قسوة تاريخ الهجرة المغاربية ومرارته، لم يكن حزيناً دائماً. لقد كانت هناك حيوات لم تُحصر في ضيق الجنسية أو القومية، بل شكلت تجارب إنسانية منفتحة على العالم. وأن هؤلاء الرجال والنساء، وفي خضمّ مواجهتهم للقبح والتمييز، استطاعوا عبر فعل جماعي أن يسْموا بواقعهم ويحوّلوه إلى شيء جميل.