البذور كأداة للهيمنة: تقويض السيادة في الزراعة المصرية
مقدمة
نادراً ما تبرز قضية تمسّ لبّ السيادة الغذائية بعمق كما تفعل قضية البذور. فالبذور ليست مجرد أدوات محايدة في عملية الإنتاج، بل هي حاملة للذاكرة والمعارف المحلية ومرآة للهوية وتجسيد للاستقلالية. إن الحسم في سؤال: من يسيطرة على البذور؟ هو في جوهره الحسم في سؤال: من يملك مستقبل الزراعة؟ وهكذا يتبلور الجدل في صورة صراع محتدم بين رؤيتين متعارضتين لا سبيل إلى التوفيق بينهما: رؤية يتشبث بها المزارعون الصغار الذين يصونون الأصناف المحلية المتكيفة ويتبادلونها، ورؤية أخرى تفرضها آلة الزراعة الرأسمالية العالمية، حيث يُختزل الغذاء إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق وبراءات الاختراع، ومرتهنة ببذور مستوردة محتكرة من قبل القطاع الخاص.
تآكل أنظمة البذور المحلية
على مدى عقود طويلة، كانت قدرة مصر على إنتاج بذورها وتبادلها تتعرض لعملية تفكيك ممنهجة، بفعل سياسات زراعية صُمِّمت لتعزيز التبعية وإضعاف قدرة المزارعين على إعادة إنتاج بذورهم، أو بناء تعاونياتهم، أو تأسيس بنوك تحفظ البذور المحلية. وتكشف المعطيات الميدانية أن ما يقارب 99.4 بالمائة من مساحات القمح المزروعة في مصر تعتمد على بذور محسّنة أو هجينة، مصدرها الرئيس مؤسسات الدولة أو الشركات الخاصة. أما الأصناف المحلية، فلا تتجاوز مساحتها 0.6 بالمائة فقط، وهو رقم لا يرمز إلى اندثار التنوع البيولوجي الزراعي فحسب، بل يجسّد كذلك تهميشاً متعمّداً للمعرفة المتوارثة لدى المزارعين الصغار ولبذورهم المحلية (رمضان والنور، 2021).
ورغم أن الدولة ما زالت تُعَدّ منتجاً رئيسياً لبذور المحاصيل الحقلية، ولا سيما القمح والأرز والذرة، فإن الأزمة تتجلى بوضوح أكبر في حالة بذور الخضروات، المرتبطة على نحو وثيق بالزراعة صغيرة النطاق. ففي الفترة ما بين 2016 و2018، استوردت مصر ما يقارب 1350 طناً مترياً من بذور الخضروات (باستثناء البطاطس). ويُقدَّر حجم سوق بذور الخضروات في مصر بنحو 70 إلى 80 مليون دولار أمريكي سنوياً، يتركز في محاصيل الطماطم والخيار والفلفل والكوسة والبطيخ والفاصوليا والبازلاء (USDA، 2019).


تستورد مصر ما يقارب 98 بالمائة من بذور الخضروات، وهي وحدها تمثّل 59.3 بالمائة من إجمالي واردات البلاد من البذور الزراعية. وبالمقارنة، تشكّل بذور المحاصيل الحقلية 31.8 بالمائة، وبذور الفاكهة 7.6 بالمائة، في حين لا تتجاوز بذور النباتات الطبية والعطرية 1.3 بالمائة. وفي عام 2019٩، جاء أكثر من 80 بالمائة من واردات مصر من بذور الخضروات من ست دول فقط: الولايات المتحدة (20.3 بالمائة)، الصين (16.6 بالمائة)، تايلاند (14.5 بالمائة)، الهند (13.7 بالمائة)، البرازيل (7.8 بالمائة)، وتشيلي (7.2 بالمائة) (النمر ورجائي، 2022).

ما يبرز في هذا السوق هو الهيمنة الساحقة للبذور المستوردة المرتبطة بنماذج زراعية عالية المدخلات وسلاسل إمداد عالمية، ما يترك المزارعين الصغار في تبعية كاملة لشركات البذور متعددة الجنسيات ووكلائهم المحليين والموزعين. ولا يقتصر دور هؤلاء الفاعلين على توريد البذور والمدخلات فحسب، بل يسيطرون غالباً على الأسواق ويشترون المحاصيل من المزارعين بأسعار منخفضة. وقد حدث التحوّل من أنظمة الدولة إلى الاحتكارات المؤسسية دون أي جهد حقيقي لتوطين تقنيات البذور أو الحفاظ على الأصناف المحلية أو إنشاء بنوك بذور تعاونية. ونتيجة لذلك، أصبحت محاصيل مثل الخضروات والبطاطس وبنجر السكر، التي كانت توفر سابقاً مرونة ودخلاً للمزارعين الصغار، نقاط ضغط إضافية في دائرة متزايدة من التبعية الزراعية، مما يقوّض آفاق الاكتفاء الغذائي الذاتي أو الاستقلالية الموسمية.
الأدوات القانونية للسيطرة على البذور
لا يمكن فصل هذه الوضعية عن المسار القانوني والتنظيمي للدولة، وأبرز مثال على ذلك هو موافقة البرلمان المصري في عام 2017 (المرسوم الرئاسي رقم 84/2017) على الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية الأصناف النباتية الجديدة (UPOV). وانضمت مصر رسمياً في نوفمبر 2019، خلال الدورة الثالثة والخمسين لمجلس UPOV في جنيف[1].
وقد جاء الانضمام نتيجة لضغوط داخلية وخارجية معاً. فعلى الصعيد الخارجي، فرضت الالتزامات بموجب اتفاقية التجارة الحرة بين المنطقة الأوروبية الحرة ومصر لعام 2007 (الملحق الخامس) ضغوطاً أوروبية مستمرة للانضمام إلى UPOV GRAIN، 2014. أما داخلياً، فقد رأى بعض النخب المؤثرة في قطاع الزراعة— والشخصيات المسيطرة على لجنة الزراعة في البرلمان—في الانضمام فرصة استراتيجية لفتح سوق البذور أمام الاستثمارات الأجنبية. وكما صرّحت وزارة الخارجية، فإن الانضمام “يتيح لمصر الاستفادة من زراعة الأصناف النباتية الأجنبية في البلاد، ويعمل كحافز للاستثمار الأجنبي في الأنشطة المتعلقة بإنتاج البذور وتطوير أصناف نباتية جديدة” (جهاز معلومات الدولة، 2019).
في أعقاب انضمام مصر إلى UPOV، قامت شركة Auckland Imcocall، الممثلة قانونياً لجامعة فلوريدا في مصر بشأن حقوق الملكية الفكرية لبذور الفراولة الخاصة بها، بحظر صادرات الفراولة المصرية، مستندة في ذلك إلى حماية الأصناف النباتية بدلاً من براءات الاختراع. وفرضت الشركة رسوماً على بعض الأصناف، خُفّضت من 18 دولاراً إلى 12 دولاراً لكل طن مُصدّر (مصر الزراعية، 2022). وقد شكّل هذا الإجراء تهديداً لمعيشة آلاف المزارعين الصغار الذين يعتمدون على حفظ البذور محلياً والتكاثر غير الرسمي.
وتزداد تعقيدات الوضع بالنسبة للمحاصيل التعاقدية مثل البطاطس وبنجر السكر، التي تُزرع أساساً للتصدير أو المعالجة. فجميع بذور هذه المحاصيل مستوردة بالكامل من أوروبا وتُباع بأسعار مرتفعة، غالباً ضمن برامج الزراعة التعاقدية التي تحرم المزارعين من أي سلطة على الإنتاج وتقيدهم بخطط إنتاج وأسعار محددة سلفاً.
اليوم، يجد كثير من المزارعين أنفسهم محاصرين في دائرة الشراء الموسمي القسري، غير قادرين على التحكم في وسائل إنتاجهم أو شروطه. ويضطر بعضهم إلى إعادة استخدام البذور الهجينة رغم تراجع إنتاجيتها مع الوقت—وهي ممارسة يُطلق عليها محلياً مصطلح “تكسر البذور”. وما يظهر هنا ليس خياراً عقلانياً، بل ضرورة مفروضة، تتفاقم بسبب غياب الدعم لأنظمة البذور المحلية ونقص البدائل العملية.
إحياء التقاليد والدورات الغذائية المحلية
في أنحاء مصر، ما زالت هناك مسارات بديلة قائمة. ففي مناطق مثل الفيوم، تحافظ الأسر الزراعية التي تقودها النساء على الدورات الغذائية المحلية من خلال تبادل غير رسمي للبذور والمحاصيل الموسمية. وعلى أطراف القاهرة—مثل دار السلام وعزبة النخل—تُزرع الخضروات على الأسطح وتُباع مباشرة في الأسواق الحيّية أو تُوزع عبر شبكات مجتمعية قائمة على الثقة. ويعكس هذا الإحياء لمحاصيل وأطعمة بلديّة تقديراً متزايداً للمعرفة الغذائية التقليدية والتراث الثقافي والقيمة الغذائية.
وتُظهر الملاحظات الميدانية أن الخضروات المزروعة على مساحات صغيرة جداً للاستهلاك المنزلي—مثل البامية، الملوخية، الجرجير، البصل، والثوم—تمثل من بين القليل من المحاصيل التي يحافظ فيها المزارعون، وخصوصاً النساء، على سيادة البذور. فالنساء يلعبن دوراً محورياً في اختيار هذه البذور وحفظها وتبادلها، وتستمر في التداول عبر شبكات القرابة والجيران غير الرسمية. وتُظهر هذه الدورات الغذائية القصيرة، المبنية على القرب والمبادلة المتبادلة، قدرة المجتمعات المحلية على تحدي النموذج الاستخراجي للزراعة الصناعية والحفاظ على اقتصاديات صغيرة مستقلة. كما تؤكد أن استعادة نظم الغذاء والبذور ليست مجرد ضرورة، بل هي عملية جارية بالفعل. ومع ذلك، فإن توسيع هذه الممارسات واستدامتها سيتطلب التزاماً سياسياً، وحماية قانونية لاستقلالية المزارعين، وتحولاً في الحوكمة نحو سياسات زراعية تركز على الناس.
الخاتمة: مسألة سيادة
تكمن السيادة على البذور في صميم السيادة الغذائية. فالبذور ليست مجرد بداية دورة الإنتاج فحسب؛ بل هي تجسيد لتلاقي الذاكرة والهوية وحق تقرير المصير. حين يُجرد صغار الفلاحين من حرية اختيار ما يزرعونه، ومن حقهم في حفظ بذورهم وتبادلها، ويُجبرون على الاعتماد على مدخلات خارجية خارجة عن إرادتهم، فإن هذا لا يعني تقدمًا، بل هو شكل من أشكال الهندسة الاجتماعية التي تقطع المجتمعات عن أرضها، ومعرفتها، وفي نهاية المطاف عن حياتها.
في مواجهة التسارع المريع للتدهورات البيئية وتصاعد الأزمات الغذائية، لا يمكن اختزال الدفاع عن البذور المحلية وحماة هذه البذور إلى مجرد مسألة تقنية. فهي، في جوهرها، معركة من أجل السيادة، والعدالة، والبقاء ذاته.
المراجع
- الهيئة العامة للاستعلامات. أودعت مصر وثيقة انضمامها إلى الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة (UPOV). الهيئة العامة للاستعلامات، 3 نوفمبر 2019. https://shorturl.at/O0KgP
- محمد رمضان وصقر النور، عيش مرحرح، الاقتصاد السيادة الغذائية في مصر، دار صفصافة، 2021.
- موقع مصر الزراعية، جامعة فلوريد:”اكلاند إمكوكال” ممثلنا في تحصيل رسوم حقوق ملكية شتلات الفراولة في مصر، 11 ابريل 2022 https://shorturl.at/kZSOq
- هدى النمر، حنان رجائي، تعميق الإنتاج المحلي لتقاوي الخضر، عهد التخطيط القومي، نوفمبر 2021 https://repository.inp.edu.eg/handle/123456789/4980
- GRAIN. Trade agreements privatising biodiversity. GRAIN, Nov 2014. https://shorturl.at/Rt3uG
- USDA Foreign Agricultural Service. Egypt Planting Seeds Sector Overview, 2019.https://is.gd/dTMVWu