المنشورات

حراك الشباب في المغرب: السياسة دون أن نراها

مقال من قبل أحمد نظيف
تحميل المنشور

فضلًا عن كون ما يجري في المغرب هذه الأيام مازال سائلًا وعصيًا عن التحليل، فإن مسألة تسميته تطرح أكثر من مشكلٍ منهجي. فمنذ عام 2011 ونحنُ نعيش جدلًا حول توصيف الأحداث التي جرت حينذاك في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، وسجالاً عن وجاهة إطلاق أسماء مثل “انتفاضة” أو حتى “ثورة” على الاحتجاجات أو “الأحداث”، كما تفضل دائماً وسائل الإعلام الرسمية تسميتها. لذلك سأستخدم في هذه المقالة، التي لا تزعم يقيناً، مفردة احتجاجات/ حراك، رغم أن حدة ما يجري في المغرب كمياً ونوعياً يقترب من انتفاضة، ربما لا تملك خصائص الانتفاضات التقليدية ولكنها في الحد الأدنى تلبي شحنة الانتفاض اللغوية الكامنة في المصطلح.

ومنذ نهاية سبتمبر يعيش المغرب مظاهرات ذات طابعٍ احتجاجي، تنزع أحيانًا إلى عنفٍ متبادل مع القوات الأمنية. ويمتدًّ حيزها الجغرافي إلى أكثر من عشر مدن. ومحركها الأساسي تجمع غير منظم هيكليًا يسمى “الجيل زاد 212” (Gen Z 212)، وهو إحالة على الرمز الهاتفي الخاص بالمغرب. ويعتمد أعضاء التجمّع على تطبيق للدردشة يحظى بشعبية بين المراهقين ومُحبي الألعاب، لمناقشة الاستراتيجيات. ورغم غياب الشعارات السياسية الواضحة، إلا أن جميع الاحتجاجات ترفع شعارات مطلبية اِجتماعية مجردة، تتعلق بالخدمات العامة مثل الصحة والتعليم. وتلخّص هذه الشعارات حالة الغضب الكبيرة من التناقضات الصارخة بين أولويّات الإنفاق الحكومي والواقع المعيشي للمواطنين. وفي المقابل واجهت السلطة الحراك الشبابي بمقاربة أمنية من خلال قمع المظاهرات واعتقال المتظاهرين، والمرور سريعًا إلى استعمال القوة النارية، الأمر الذي أدّى إلى سقوط ضحايا. لكن بعد توسع الاحتجاجات جغرافيًا وكميًا، سلكت السلطة مسارًا موازيًا للقمع الأمني، من خلال الدعوة إلى فتح حوار والوعد بإصلاحات تتعلق بمطالب المحتجين. وقد منح هذا التراجع السلطوي الحراك هوامش حركة أوسع، وقد ظهر ذلك بوضوحٍ في رسالة المجموعة إلى الملك محمد السادس، التي برزت فيها مطالب سياسية تضع المطالب الاجتماعية ضمن إطارٍ واضحٍ.

لكن حراك “الجيل زاد 212″، حتى وإن بدا مختلفًا من حيث الهيكل والطبيعة الاجتماعية والأدوات، فإنه لا يمثل قطيعةً مع التراث الاحتجاجي المغربي منذ استقلال الدولة قبل سبعة عقود، ولا معزولا من حيث مفاعليه المستقبلية عن الوضع في المغرب العربي والعالم العربي على نحو أكثر اتساعا، لاسيما وأنه يجري بالتوازي مع حركات مماثلة ومتشابهة من حيث المطالب والأدوات والهياكل في مناطق أخرى من الجنوب العالمي. لذلك تسعى هذه المقالة إلى تحليل الطبيعة الاجتماعية لهذا الحراك والبحث في أدواته، واستكشاف إمكانات انتقاله نحو ساحات ذات أوضاع مشابهة، أو ضمن موجة “ثورية” جديدة في المنطقة.

تاريخ العصيان في المغرب  المستقل

يستمدُّ الحراك الجاري جذوره من تقاليد احتجاجية مغربية راسخة، حيث شكلت صحوات المحكومين ضدّ الحُكام موجات دوريةً أساسية في تاريخ المغرب المعاصر. وفي كل موجةٍ أخذ شكل الاِحتجاج تكتكيكاتٍ خاصة وقامت بتأطيره حركات اِستمدّت ذخيرتها الفكرية والتنظيميّة من روح العصر الذي ولدت فيه وتطورت. كما اِختلفت الأثمان المدفوعة في كل مرحلة من المراحل بحسب موازين القوى بين المحكومين والطبقة الحاكمة، صعودا ونزولا. غير أنّ كل مرحلة ساهمت في تراكمٍ مهم لصالح المحكومين سواءً من حيث آليّات المجابهة أو من حيث التخلّص من الهيمنة النفسية والثقافية التي مارستها الطبقة الحاكمة، لا على العلاقات المادية ولكن على النفوس أيضا. لكنّ تاريخ الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في المغرب في الوقت نفسه يبدو قصة معقّدة ومتشابكة، تتقاطع فيها ديناميكيات الحركات الاحتجاجية مع منطق الأحزاب السياسية والتطورات التاريخية الطويلة. ويكشف تاريخ الحركة الاحتجاجية المغربية عن نموذج لا يتسم بالثبات بل بالتحول المستمر والتكيف مع نظام سلطوي متغير. فالرواية الشائعة التي تصوّر المغرب كمملكة تنجو فيها السلطة دائمًا بفضل “البركة الإلهية” من مؤامرات المعارضة – كما تقول منية البناني في كتابها المرجعي “الأحزاب السياسية والاحتجاجات في المغرب (1934-2020)” – حيث يتغير كل شيء ليبقى كل شيء على حاله، هي مجرد أسطورةٍ تحتاج لتفكيكها فهما عميقا لتلازم الظاهرتين الحزبية والاحتجاجية ضمن مقاربة سوسيوتاريخية تدرس التفاعلات بين الفاعلين والتناقضات الداخلية التي تعصف بهم.

فقد شهد عقد الستّينيّات المرحلة الأولى من الاحتجاج، والتي امتدت إلى السبعينيّات، متأثرة بالصعود اليساري عالميا وعربيا. حيث تميزت هذه المرحلة بالمواجهة الجذرية بين الطبقة الحاكمة وقوى اليسار، النقابية مكوّنة من العمال والطلبة، أو السياسيّة التي تمثلها تنظيمات وأحزاب أكثرها كان ناشطاً في السرية. وكانت هذه المرحلة امتدادًا لمرحلة التحرر الوطني قبل الاستقلال، حيث رأت هذه القوى أن كثيرا من المهام الوطنية والديمقراطية لم يحقّقها الاستقلال السياسي، وأن النضال من أجل تحقيقها يحتاج مواجهةً جذرية مع السلطة. وبلغت ذروة هذه المرحلة في أحداث 23 مارس 1965، التي اندلعت في الدار البيضاء، وبدرجة أقل في الرباط وفاس. وكانت شرارتها قرار وزير التربية بمنع من تجاوزوا 17 عامًا من ولوج الدورة الثانوية الثانية، مستهدفًا بذلك 60% منهم. بدأ الحركة طلاب الثانويات، وسرعان ما انضم إليهم آباؤهم والطلاب الجامعيون والمدرسون والعمال والعاطلون وسكان الأحياء الفقيرة. لكن السلطة واجهتها بقمع غير مسبوقٍ، مما أدى إلى تشكل حالةٍ من الجذرية الفكرية لدى قطاعٍ واسعٍ من الشباب المغربي ضد السلطة. ووجدت الطبقة الحاكمة في هذه القوى اليسارية  تهديدا وجوديا، لذلك وضعت اِستراتيجية أمنية وسياسية لاستئصالها تماماً من خلال سياسة قمعية شاملة. ومن خلال فائض قوتها متعددة الأبعاد نجحت إلى حدٍ بعيد في ذلك.

لكنّ تفكّك وهشاشة القوى السياسيّة والنقابية ترك المجتمع بلا تمثيل، وأصبح في مواجهة السلطة بشكل مباشر. وهو ما ظهر خلال المرحلة الثانية في عقد الثمانينات، الذي شهد موجة متلاحقةً من الاحتجاجات الاجتماعية ذات الطابع الطبقي. وذلك بدايةً من أحداث جوان 1981، التي اندلعت عقب قرار الحكومة برفع أسعار المواد الغذائية الأساسية، ورغم تراجع الحكومة لاحقا، إلّا أن السلطة واجهت الاحتجاج بوسائل قمع شديدة. وفي 1984 تجددت الاحتجاجات في مراكش ومدن الشمال، الناظور، تطوان، الحسيمة، وجدة، بعد رفع أسعار عددٍ من المواد الغذائية ورسوم التسجيل في المدارس. وخلال هذه الموجة أصبحت ظاهرة الشغب – أو التخريب كما تسميها السلطة في خطابها – سلوكا  يتميز بالعفوية ويؤشر على اِختلالات وتناقضات اجتماعيّة ومكانيّة متزايدة. ففي ظل نظام سياسي مغلق، لم يكن التعبير الجماعي عن الاستياء المتراكم ممكنا إلا من خلال “التخريب”. وفي المقابل ظهرت خلال تلك الفترة حاجة ملحة إلى تأطير الاحتجاج، فتأسست منظمات وجمعيات ضمن أشكال تنظيمية مختلفة عن منطق السرية الذي كان سائدا، مثل الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب عام 1985 واِتّحاد العمل النسائي عام 1987، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان عام 1988، والحركة من أجل الدفاع عن الثقافة واللغة الأمازيغية. وهي الفترة التي يمكن أن يؤرخ فيها لولادة المجتمع المدني المغربي كما نعرفه اليوم. وقد مثل الإضراب العام، الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب في 14 ديسمبر 1990، لحظة استئناف قوى المجتمع المنظمة لدورها في تأطير الحراك الاحتجاجي ضد السلطة بعد عقد الثمانينات الصعب. كما خدمت حرب الخليج التي شارك فيها المغرب إلى جانب التحالف الدولي ضد العراق، بشكل واسعٍ الحركة الاحتجاجية للتعبئة، التي بلغت درجةً غير مسبوقة في التاريخ الاحتجاجي المغربي من حيث مدتها وتوسعها الجغرافي وطبيعتها العابرة للطبقات. وقد تشكل ائتلاف واسع ضمّ أحزاب المعارضة والنقابات والجمعيات، بما في ذلك منظمة العدل والإحسان الإسلامية. ورغم أن هذه الاحتجاجات قد ارتبطت بصراع خارجي، إلا أنها دفعت المغرب إلى تحولٍ جذري في موازين القوى بين المحكومين والطبقة الحاكمة. لاسيما وأن التحولات العالمية، التي كانت جارية حينذاك بتفكك المعسكر الشرقي، قد قدمت تطميناتٍ للسلطة وبددّت خشيتها من اليسار الراديكالي. لذلك توجهت نحو إصلاحات ديمقراطية نسبية تتعلق بالتعددية الحزبية وحرية الصحافة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتسهيل عودة المنفيين. لتبدأ عقب ذلك المرحلة الثالثة من الاحتجاج، والتي يمكن أن نصفها بالإصلاحية والمطلبية والقطاعية، والتي تميّزت بالسلميّة من خلال أساليب احتجاج كالإضرابات وإضرابات الجوع والاعتصامات والعرائض. وقادتها قطاعات متضررة مثل حاملو الشهادات العاطلون عن العمل والحركة النسوية والحركة الثقافية الأمازيغية والحركات المطلبية الجهوية في المدن والأرياف. وخلال هذه المرحلة شهد المغرب تحوّلا نوعيًا في طبيعة الحركات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية، مرتكزًا على توسع الانفتاح السياسي وازدياد قدرة الفاعلين الاجتماعيين على الوصول إلى وسائل الإعلام. وقد ساهم هذان العاملان في صعود حركات اجتماعية جديدة، تمكّنت من نشر قيم مدنية وحقوقية، وفرضت أجندتها على صُنّاع السياسة العامة. حيث لم يعد الاحتجاج حكرًا على الأحزاب أو النقابات، بل أصبح سلوكًا جماعيًا شائعًا بين فئات اجتماعية واسعة. وقد توسعت كثافة الاحتجاج بتوسع هامش الحريات، لاسيما مع صعود محمد السادس إلى السلطة عام 2000.

أما المرحلة الرابعة فقد بدأت عقب الثورات العربية عام 2011، ومازالت جارية حتى اليوم. كانت موجتها الأولى مع حركة 20 فبراير، التاريخ الذي اندلعت فيه احتجاجات واسعة في أكثر من خمسين مدينة، بمبادرة من فاعلين خارج المؤسسات السياسية التقليدية. وقد شكّلت هذه الحركة تحالفًا غير مسبوق جمع بين نشطاء جدد، ومخضرمين من سنوات الرصاص، ومناضلي جمعيات حقوق الإنسان، وأعضاء أحزاب حكومية ومعارضة، بل وحتى منتمين لتنظيمات غير قانونية مثل حركة العدل والإحسان الإسلامية. وقد اتسمت هذه الموجة بطابعها اللامركزي، واستندت إلى روابط هشة بين مكوناتها، معتمدة على مطالب مشتركة غير إيديولوجيّة، مثل محاربة الفساد والاستبداد. وقد تميّز خطابها باستعارة شعارات الثورات العربية وتبيئتها محليًا. لكن الملك نجح في امتصاص الغضب حينذاك من خلال إعلان الإصلاح الدستوري في جوان 2011، والذي أدى إلى التفكك التدريجي للحركة، مع انسحاب فاعلين مؤسسيين كحزب العدالة والتنمية، ثم انسحاب حركة العدل والإحسان في ديسمبر من نفس العام. ومع كل انسحاب، تتصاعد لهجة الخطاب، وتتحوّل من مطالب إصلاحية إلى مطالب أكثر جذرية ولكنها ذات طابع أقلي وغير مؤثر. أما الموجة الثانية في هذه المرحلة فيجسّدها الحراك الريفي، الذي كان فضلًا عن طابعه الاجتماعي، ذا أبعادٍ ثقافية تتعلق بهوية الريف التاريخية. فبعد خمود حركة 20 فبراير، برز الحراك الريفي بين 2016–2018، كامتداد غير مباشر لديناميكيات ما بعد الثورات العربية. فقد اندلعت الاحتجاجات بعد مقتل محسن فكري، وسرعان ما تحوّلت إلى حركة اجتماعية شاملة تطالب بالعدالة الاجتماعية، وتكشف عن أزمة عميقة في التمثيل السياسي، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الامتناع عن التصويت في المنطقة. وقد استلهم الحراك رموزه من الذاكرة التاريخية الريفية كالأمير عبد الكريم الخطابي، ومن شعارات 20 فبراير، واعتمد شعاره الرئيسي على بعد عاطفي يتعلق بالكرامة. وقد برز ناصر زفزافي كوجهٍ بارز للحركة، مشهودًا له برفضه للوساطة وانتقاده الصريح للطبقة الحاكمة. ومن أبرز مظاهر التجديد في هذا الحراك، تسييس ظاهرة الهجرة غير النظامية، حيث سجّل نشطاء ريفيون فيديوهات أثناء محاولتهم عبور البحر، يطلقون فيها شعارات سياسية.

من خلال هذا المسار التاريخي للحركة الاحتجاجية المغربية المعاصرة، نرصد أربعة خصائص لهذه الحركة في تحولاتها التاريخية والاجتماعية، أولها العنف والصراع الهيكلي، حيث ظل الصراع السياسي في المغرب هيكليًا وعنيفًا، خاصة في العقودِ الثلاثة الأولى من دولة الاستقلال، حيث كان القمع واسعًا وجذرياً. ومع تراجع العنف المباشر في الألفية الجديدة، لا يزال التوتر قائمًا في ظل طبقة حاكمة تقاوم التغيير الجذري. وثانياً، أزمة التمثيل الحزبي، إذْ نشهد منذ التسعينيات، تراجع قدرة الأحزاب على احتكار تمثيل الطبقات الشعبية والوسطى، خاصة بعد انخراط بعضها كالاتحاد الاشتراكي وحزب العدالة والتنمية في السلطة، ما حوّلها إلى أحزاب حكومة فاقدة للجاذبية الاحتجاجية. وفي المقابل، برزت فاعلية المستقلين والمهمشين، القادرين على التنسيق الذاتي وتوسيع نطاق الاحتجاجات. وثالثاً صعود الهامش، حيث تتميز الاحتجاجات في المراحل المتأخرة بفاعلية المناطق المهمشة. وأخيراً تحوّل صورة الطبقة الحاكمة في وعي المحكومين، حيث لم يعُد يُنظر إليها بوصفها طبقة متجانسة، بل كشبكة سلطة تضم أجنحة وتناقضات.

الشرط الطبقي

لا يحتاج الملاحظ إلى عناء بحثٍ كبير كي يدرك أن ما يجري في المغرب منذ نهاية سبتمبر  هو تجلٍ واضح  للصراع الطبقي، وأن هذا الصراع، واعٍ بذاته، أقله في معسكر الشبيبة المنتفضة، حتى وإن لم يأخذ بُعدا جذريا. حيث تتمحور المطالب الأساسية حول الصحة والتعليم، والتي جاءت مدفوعةً بوفاة ثماني نساء حوامل إثر عمليات قيصرية في شهر أوت الماضي، بمستشفى الحسن الثاني الحكومي في أكادير. في حدثٍ يعكس حالة الخدمات الصحية العامة. وقد حدد البيان الأول للحراك اتجاه المطالب بالقول :”نريد وطنًا لجميع المغاربة، وطنًا للمرضى والأميين والعاطلين عن العمل والفقراء. نحتاج قادة يخدمون الشعب، لا مصالحهم الخاصة”.

 ورغم أن المغرب يحظى بسمعة اقتصادية حسنة على المستوى العالمي، بوصفه قوة ناهضة في إفريقيا، فضلاً عن موقعه في الرأسمالية العالمية كنقطة اتصال بين أوروبا وأفريقيا، ويصدق ذلك المؤشرات والأرقام التي تقارنه بجيرانه. إلا أن هذه ”النهضة الاقتصادية”، لا تخدم كل طبقات المجتمع المغربي، بل تستفيد منها طبقة أقلية، فيما تعيش الطبقات الوسطى والشعبية أوضاعا متدهورة، لاسيما فيما يتعلق بالخدمات العامة. ومن الشائع دائمًا وصف المغرب بأنه بلد يسير بسرعتين. صعود قوي للأقلية المستفيدة وتعثر متسارع للأغلبية المتضررة.

يمكن معاينة ذلك من خلال نموذج نظام الرعاية الصحية، الذي يعاني من نقص واضح في الموارد، لا سيما فيما يتعلق بالإطارات البشرية. ويوجد في المغرب حاليًا 28,892 طبيبًا، أي ما يعادل حوالي 7.8 طبيب لكل 10,000 نسمة، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بحد أدنى بـ 23 طبيبًا لكل 10,000 نسمة. ويعمل أكثر من نصف هؤلاء الأطباء على طول محور الدار البيضاء-الرباط، مما يؤكد وجود تفاوت كبير بين المناطق الحضرية والريفية. حيث تجد حوالي 270 بلدية ريفية نفسها في حالة عزلة طبية حرجة. ووفقا لأرقام المندوبية السامية المغربية للتخطيط، فإن أكثر من 4 ملايين من المواطنين مهددون بالفقر. ورغم أن المعدل العام للفقر قد تراجع في البلاد خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الفقر في المناطق الريفية لا يزال يفوق بأكثر من أربع مرات المعدل في المدن. ورغم أن عموم فئات الطبقات الشعبية تعاني مشاكلا تتعلق بالحياة اليومية، إلا أن فئة الشباب تعتبر أكثر تعرضا للهشاشة، بسبب البطالة، التي تبلغ نسبتها 36%، لدى الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، وهو ما يدفع قطاعا واسعا منهم إلى سلك طريق الهجرة النظامية وغير النظامية. ويقول أكثر من نصف المغاربة الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا أنّهم يفكرون في الهجرة، وفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة أفروباروميتر في جوان الماضي.

لكن ما يعطي هذه الاحتجاجات بُعدا طبقيا ليس وضع الطبقات الشعبية وأبنائها من الشباب المتمردين في حد ذاته ولكن وضعهم مقارنةً بطبيعة الانفاق الحكومي في اِتجاه لا يخدم تحسن أوضاع المنتفضين. حيث تنفق الحكومة المغربية أكثر من 5 مليارات دولار على البنية التحتية لإقامة كأس العالم 2030. لذلك فالحراك تغذّيه تلك المقارنة المُرة التي تدور حول التناقض بين كفاءة الدولة في بناء الملاعب وعجزها عن ضمان الصحة والتعليم والاحتياجات الأساسية الأخرى للمجتمع. وخاصة أن ذلك يدل بشكل أكثر وضوحا على خارطة التفاوتات الجهوية في البلاد. حيث الشرخُ ليس أفقيا فقط بين الطبقات ولكنه يندمج بشكل عمودي بين الجهات والأقاليم ليعطي صورة مركبةً لانعدام العدالة الاجتماعية بكل أبعادها الفئوية والمكانية.

ورغم أن هذه الفئات والجهات تبدو شكلياً ممثلةً في مؤسسات الدولة والمجتمع، إلا أن خروج الناس إلى الشارع، يعكس أيضا حالة الانفصال التامة بين هذه الطبقة والقنوات المؤسّسية التمثيليّة كالأحزاب والنقابات والمجالس المحلية ونواب البرلمان، ولذلك يلجؤون إلى التنظيم الذاتي والعمل المباشر وإلى الشارع كمساحةً تعبير وسخط ومنبر للمطالب. لكن هذه الموجة الاحتجاجية، ومع سياقها المختلف وشكلها الخاص، إلا أنها لا تبدو في قطيعةٍ عن موجات احتجاجية شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فهي حلقة ضمن حلقات من الصحوة والكمون المتتابعين في صراعٍ طبقي يتصاعد ويخفت وفقًا لعلاقة القوة بين السلطة والفئات الأكثر تضرراً من سياستها الاقتصادية.

العفوية التكنولوجية

الملكية المغربية راسخة في الواقع وفي النفوس، ومع ذلك فإن المجتمع المغربي مجتمع احتجاجي. ربما يعود ذلك إلى رسوخ الثقافة السياسية فكرا وأحزابا ومنظماتٍ في المغرب منذ ما قبل استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي. وربما أيضا ساعد وجود الملكية في تعزيز هذه النزعة الاحتجاجية، التي دائما ما تفصل بين سلطة الحكومة وولاية الملك الأوسع، وهذا الفصل يقدم هامشا للتحرّك تحت سقف الملكية في اتجاه مطالب اجتماعية أو سياسية. ويجعل من الملكية نقطة توازن بين الحكومة والمجتمع. في عهد الملك محمد السادس، تعد الموجة الاحتجاجية الجارية، هي الثالثة منذ 2011. فقد بدأ الملك عهده بإصْلاحات هيكلية في اتجاه مزيدٍ من التحرير السياسي، تزامن ذلك مع تحرير اقتصادي نيوليبرالي. كانت الموجة الأولى، التي بدأت في فيفري 2011، متأثرة بشكل واضحٍ بالثورات العربية في تونس ومصر. وكانت مطالبها في المقام الأول ذات طابعٍ سياسي إصلاحي. أما الثانية فجاءت في 2016 بعد اندلاع احتجاجات الريف.

وتجمع هذه الموجة الثالثة خصائص من الموجات السابقة، ولكنها تبدو متجاوزةً لها. أولها الدمج بين الطابع الطبقي والسياسي للحراك، ومنح امتيازٍ إيجابي للبعد الجهوي دون التمحور عليه، فلا يظهر كمكانٍ مخصوص، كما هو الشأن بالنسبة للريف، ولكن كتشوه هيكلي في سياسات التنمية الرسمية. ثانيا، العفوية التنظيمية المتحررة من قيود الأحزاب والنقابات، ذات التنظيم الأفقي بلا رأس ولا قيادة، وهو ما يعطيها جاذبيةً في حشد الناس ومرونة في مواجهة السلطة. وثالثًا، طرق التعبئة التي تدور حول استخدم التكنولوجيا، ولكن بدلًا من وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية، التي لعبت دورا أساسيا في حراك 2011 وحراك الريف، يتجه الجيل زاد نحو تطبيق ديسكورد (Discord)، كمساحة للتحشيد والتخطيط والعمل. وتكمن قوة ديسكورد في سِمته الخصوصية؛ إذ تتيح الخوادم الخاصة للناشطين التنظيم بعيدا عن الرقابة، وغالبا ما يستخدمون أسماءً مستعارة، كما أن إعدادات المنصة – التي تشمل ميزات النصوص والمكالمات – تتناسب مع الحركات الشابة والسلسة التي تفتقر إلى قيادة واضحة. ومع ذلك فإن المحتجين لا يعتمدون على ديسكورد وحده لنشر الرسائل، بل يستفيدون أيضا من منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، مثل تليغرام وتيك توك. وهذه العفوية التنظيمية التكنولوجية، يمكن القول إنها قد أعطت نتائج قوية حتى الأن، من خلال الحفاظ على زخم الحراك وفي الوقت نفسه حماية الناشطين فيها من السلطة.

في المقابل تواجه الحكومة معضلة أمام عدالة مطالب الحراك، التي لا تحتاج مؤشراتٍ وأرقام، لرصد الفجوة بين سياسات الانفاق على مشاريع كبرى وسياسات التقشف تجاه الخدمات العامة الأساسية. وكذلك معضلة الاستمرارية، حيث لم يكن للقمع الأمني أي جدوى في وقف الاحتجاجات بل ساهم في مزيد تأجيجها وانتشارها. لذلك تسلك مسلك نزع الشرعية عنها من خلال تصوير المتظاهرين على أنهم مُدارون من الخارج، وهو تكتيك قديم يصعب إقناع الجمهور به هذه المرة، أو تصوريهم كمخربين.

لكن مراقبة نسق الاحتجاجات ونسق البيانات التي يصدرها المحتجون تكشف عن حالة نضجٍ سياسي لديهم، حتى وإن بدا الحراك موجة عفويةً. فقد تدرجت المطالب من الحق في الصحة والتعليم إلى المطالبة بإقالة الحكومة ثم إعلان تعليق التظاهر تكتيكيا لفسح المجال لخطاب الملك محمد السادس، في افتتاح الدورة التشريعية. وهذا التعاطي مع السلطة يكشف عن تشكل نوع من الخط السياسي لدى الحراك، الذي يحاول جاهدا أن ينفي عن نفسه الطابع السياسي. ولكن السياسية حتى وإن لم تظهر بشكل معلن أو في إطار حزبي، فهي دائماً مبثوثة في أي فعل اجتماعي، لاسيما وإن كان هذا الفعل سجالا بين حاكم ومحكومٍ. لكن هذا النفور من السياسية، خطابا وسلوكا، يعكس بشكل غير مباشرٍ أزمة حادةً بين المجتمع والقوى السياسية، ليست متعلقة بالمغرب فحسب، بل تبدو من خلال نماذج الحركات الاجتماعية الأفقية في العالم، أزمة كونيةً. ربما يكون لها أثر في إنتاج أشكالٍ جديدةٍ من الفعل السياسي وهياكله مستقبلاً.

العدوى الثورية

تزامن الحراك الشبابي المغربي، مع موجة اِحتجاجات متطابقة المنطلقات والأشكال في “نيبال”، أين قام عشرات الآلاف من شباب الجيل زاد بالتعبئة للإطاحة بالحكومة، من خلال تنسيق احتجاجات حاشدة عبر ديسكورد. وكذلك الشأن في مدغشقر، أين نسقت مجموعات شبابية، احتجاجات في معظم مدن البلاد. يحتاج إثبات ترابط هذه الأحداث بحثا أكثر عمقا، ولكن الموجات الاحتجاجية السابقة منذ 2011 في العالم تثبت نسبياً نظرية العدوى الثورية. وهو ما يفتح المجال لسؤال ملحٍّ: هل يمكن أن تمتد هذه العدوى من المغرب إلى الدول المغاربية المجاورة؟

تمتلك الدول المغاربية نفس الظروف الموضوعية التي اِندلع فيها الحراك المغربي، أو ربما أكثر سوءًا من السياق المغربي. حيث تعتبر هذه الدول مجتمعاتٍ فتيةٍ. ففي مختلف بلدان المغرب العربي، أكثر من 55-65% من السكان تقل أعمارهم عن 30 عاماً. وأغلب هؤلاء الشباب إما يحملون شهادات جامعية أو تلقوا تعليما مهنيا، لكنهم لا يحظون بفرص عملٍ أو يعملون بأجور ضعيفة، في دولٍ تعاني من نسب تضخم عالية، لاسيما منذ الجائحة الصحية. لذلك فنحن إزاء جيل شبابي مغاربي يتمتع بتعليم أفضل، ومتصل رقميًا، ومع ذلك فهو مستبعد من الحصول على الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، ويواجه عادةً بقمع أمني شديد. في الوقت نفسه تعاني الحكومات من أزمة حوكمة وضعف الثقة من جهة المحكومين. حيث تعاني المؤسسات العامة في جميع أنحاء المنطقة من تدني الثقة، وهيمنة البيروقراطية ، وتنامي معدلات الفساد. وتُظهر استطلاعات الرأي التي أجراها الباروميتر العربي (2023-2024) أن أقل من ثلث المواطنين الشباب في شمال أفريقيا يُعربون عن ثقتهم بالأحزاب السياسية أو البرلمانات أو الحكومات. لذلك فإن المجتمع، ولاسيما الشباب، لم يعد يرى في السياسة التقليدية وسيلة للتغيير. في المقابل أصبح الشباب المغاربي أكثر اتصالًا رقميًا ممّا كانت عليه الأوضاع في 2011. وهذا الإفراط في الاتّصال يجعل من مسألة العدوى أكثر إلحاحًا. فهو يُسهّل التعبئة السريعة، حيث  تعمل الشبكات الرقمية على خفض تكاليف التنسيق وتسمح باتخاذ إجراءات متزامنة في أماكن متعددة. ويعزز الخطاب ضد السلطة بصريًا، من خلال مقاطع الفيديو التي تُظهر عنف السلطة أو فسادها، ممّا يؤدّي إلى زيادة الضغوط الخارجية والتحشيد في الوقت نفسه. وكذلك يساعد في تشكيل هويّة ما لأيّ حراك، من خلال دور المجتمعات الرقمية في خلق التضامن بين الشباب المتفرقين أو المحبطين سياسيًا.

في المقابل، يبدو المغرب العربي مصابًا بما يمكن أن نطلق عليه اِسم “الإرهاق السياسي”، فالمجتمعات التي حاولت الانتفاض لتحسين أوضاعها في تونس وليبيا والجزائر بين 2011 و2019، وصلت إلى طرق مسدودةٍ. في ليبيا وتحولت الانتفاضة إلى حرب أهلية وتقسيم البلاد إلى مجموعةٍ من سلطات الأمر الواقع المسلحة، والتي يبدو الانتفاض ضدها مكلفًا وخطيرًا. وفي تونس بات المجتمع تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة غير قادرٍ على إعادة تشكيل نفسه كقوةٍ ضد السلطة. أمّا في الجزائر فقد دفعت نتائج حراك 2019 قطاعا واسعا من المجتمع نحو حالة من الحذر. وقد أدت هذه السياقات المختلفة إلى نتيجة واحدة وهي التشاؤم من الاحتجاجات  وفقدان الجدوى السياسية، كونها وإن كانت قادرة على الإطاحة بالحكومات والرؤساء، إلا أنها لا تحقق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وهي نتيجة تثبط أي سعي نحو التعبئة الشعبية. ومع كل هذه العقبات السياسية والنفسية تظل المنطقة مفتوحةً على إمكانية بروز مساراتٍ احتجاجية، حتى وإن لم تعقب المسار المغربي، غير أنها ستأتي حتماً لأن الوضع السائد غير قادرٍ على إعادة نفسه لوقت طويل.

المراجع

Mounia Bennani-Chraïbi, “Partis politiques et protestations au Maroc (1934-2020) ”, Presses universitaires de Rennes | 2021

Abderrahmane RACHIK, “ Nouveaux mouvements sociaux et protestations au Maroc”, Programme d’études «Lien social au Maroc : quel rôle pour l’Etat et l’ensemble des acteurs » , L’Institut Royal des Etudes Stratégiques (IRES) | 2010

Mounia Bennani-Chraïbi, “Partis politiques et protestations au Maroc (1934-2020) ”, Presses universitaires de Rennes | 2021

“ Le Maroc au présent : D’une époque à l’autre, une société en mutation”, Sous la direction de Baudouin Dupret, Zakaria Rhani, Assia Boutaleb et Jean-Noël Ferrié, Centre Jacques-Berque, Fondation du roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les études islamiques et les sciences humaines | 2015