المنشورات

نضالات “GenZ212” بالمغرب تتعلق بالتنمية ومناهضة مخلّفات السياسات النيوليبرالية

مقال من قبل إبراهيم خرشوفي

يشهد المغرب منذ 27 سبتمبر، 2025 احتجاجات شبابية عارمة ومتواصلة تحت تسمية “GenZ212″، التي تطالب بتحسين السياسات الاجتماعية، خصوصا الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد. وتتفرد هذه الموجة النضالية الجديدة بطبيعتها التنظيمية الأفقية وأشكال تواصلها المبتكرة.

 يتناول هذا النص السياقات الاجتماعية والسياسية التي ولدت فيها هذه الحركة، والمعالم الكبرى التي تميزها.

بدأت هذه التعبئة الشبابية المغربية بنقاشات صغيرة على خادم في “ديسكورد” ــ وهي منصة تواصل اجتماعي صُمّمت في الأصل لمجتمع الألعاب ــ قبل أسابيع من انطلاق الاحتجاجات على الأرض، وقد خُصص حيّز واسع من النقاش لأكثر القطاعات إشكالية في المغرب وهي الصحة والتعليم، بالإضافة إلى قضايا البطالة والفساد، والتي شكلت بالنسبة لها عائقا أساسيا أمام مستقبل البلاد.

عمل القائمون على الخادم (السيرفر) على استضافة حلقات بودكاست، ضمت صحافيين وصناع محتوى ونشطاء مستقلين، وفُتح المجال أمام أعداد كبيرة من الشباب للتعبير بشكل حر عن آرائهم ومقترحاتهم، وهو ما خلق فضاءً عموميا ديمقراطيا سرعان ما لفّ حوله عشرات الآلاف من الأعضاء والعضوات، حيث شكّل النقاش الهادف والمسؤول الأساس الذي بنيت عليه مبادرات النزول إلى الميدان.

وبحلول 27 من سبتمبر بدأ المتظاهرون السلميون في إطار “GenZ212” الخروج إلى شوارع عدد من المدن (كالرباط، الدار البيضاء، فاس، تطوان، طنجة، مكناس، مراكش.. وغيرها) غير أن السلطات الأمنية واجهت الاحتجاجات بالاعتقالات الواسعة النطاق ونزلت عناصر الشرطة والقوات المساعدة بكثافة في مختلف المناطق التي أُعلن عن تنظيم التظاهرات فيها، وطاردت واعتقلت أعدادا كبيرة من المحتجّين الشباب والمساندين لحركتهم، بما فيهم قيادات بارزة من شبيبة النهج الديمقراطي العمالي، شبيبة اليسار الديمقراطي، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الجامعة الوطنية للتعليم-التوجه الديمقراطي والاتحاد الوطني لطلبة المغرب (فصيل طلبة اليسار التقدمي وفصيل الطلبة القاعديين التقدميين). وقد أطلق سراح العديد من المحتجزين بعد تحرير محاضر لهم، لكن تم الاحتفاظ بآخرين ضمن الحراسة النظرية ثم تقديمهم أمام القضاء الذي قرّر متابعة عدد منهم في حالة سراح، مع كفالة تتراوح بين 3000 درهم (تقريبا 300 يورو) و5000 درهم (تقريبا 500 يورو).

ويمكن تفسير هذه الاعتقالات الواسعة برغبة الأجهزة الأمنية في معرفة هؤلاء الشباب، خصوصا وأن خادم “ديسكور” الذي تدار فيه النقاشات ضم عشرات الآلاف من الأشخاص بأسماء وصور مستعارة، ومن ناحية ثانية، يبدو أن السلطات أرادت أن تظهر قوتها في الشارع تجاه ما اعتبرته دعوات من “جهات مجهولة” لتنظيم “احتجاجات غير مرخّصة”؛ ومع ذلك، فإن انتهاك الحق في التعبير والتظاهر والتنظيم، بهذا الشّكل الفج والمنهجي أبان عن تقلّص كبير في الهامش الديمقراطي الذي كان ضيّقا بالفعل. لقد كان الرهان الثالث لأصحاب القرار السياسي على إخماد الحركة في مهدها وتجنب انتشارها.

بالرغم من أن الحركة أكدت على طابعها السلمي، وحثت المتظاهرين على تجنّب العنف والشغب، إلاّ أن ما أحاط بهذه التعبئة وموجة الاعتقالات واستعمال القوة من جانب السلطات، خلق مناخا من التوتر الشديد، وخرجت بعض الاحتجاجات عن طابعها السلمي، إذ وقعت أعمال عنف في العديد من المناطق، بما فيها: وجدة، سلا، تمارة، إنزكان آيت ملول، مراكش. وقُتل ثلاثة أشخاص في منطقة “لقليعة” بالرصاص الحي للدرك الملكي الذي ذكرت السلطات القضائية إنه جاء كرد فعل على اقتحام مركز للدرك الملكي و”محاولة الاستيلاء على الذخيرة والعتاد والأسلحة الوظيفية”، غير أن التحقيق في موضوع مازال مفتوحا وسط مطالب حقوقية وسياسية بكشف الحقيقة.

ويعتبر التعاطف الشعبي مع الحركة أحد الركائز الأساسية لاستمراريتها، خصوصا بعد حملات الاعتقالات في صفوف المتظاهرين السلميين، غير أن أحداث العنف وضعت هذا التعاطف على المحك، تزامنا مع بداية حملات الشيطنة على منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية، إلا أن شباب الحركة استطاعوا الحفاظ على وجودهم في الشارع، واضطرت السلطات الأمنية، في نهاية المطاف، إلى التراجع والسماح بالتظاهر ما لم يكن مصحوبا بأعمال عنف.

ومن الملفت أن صنّاع القرار السياسي والحكومة لم يتواصلوا مع الرأي العام في الأيام الأولى لهذه الاحتجاجات، وهو ما وضع السلطات الأمنية ووزارة الداخلية في مواجهة مع الشارع دون غطاء سياسي، وهو ما فتح الباب لبعض المطالبات للإطاحة بوزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، وتحميله مسؤولية الأحداث.

وجدت الحركة نفسها بسرعة في مركز الأحداث السياسية في البلاد، مما تطلب منها وضوحا أكبر في المطالب والأجندة، وهو ما حصل مع تطوير قائمة مطالب موجهة للمؤسسة الملكية بشكل مباشر، من أبرزها، إصلاح قطاعي التعليم والصحة وإقالة الحكومة ومحاسبتها، والإفراج عن المعتقلين.

عكس الأيام الأولى من الاحتجاجات، خرجت الحكومة أخيرا عن صمتها، وكثّفت حضورها في الإعلام الرسمي، في محاولة لاحتواء غضب الشارع ومواجهة سردية الشباب الغاضب، كما أبدت استعدادها للحوار، لكن ذلك مشروط بأن يتم “في إطار المؤسسات“.

وتحيل تسمية “GenZ212” على جيل الشباب المولودين بين سنوات 1997 و2012، والذي نشأ في بيئة رقمية، مع وصول كبير للإنترنت والأجهزة الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي والمعرفة، بالإضافة إلى التوجه الكبير نحو النتائج والسرعة، أما “212” فهو الرمز الدولي للاتصالات الخاص بالمغرب، في إشارة إلى التميز الوطني للحركة، ومع ذلك، تشدّد الحركة على أن مطالبها وتعبئتها لا تتعلق بجيل محدد، بل تشمل المغاربة ككل.

أما على الصعيد العالمي، فتأتي هذه الدينامية ضمن موجة احتجاجات حملت إسم “GenZ” أيضا، من أبرز الأمثلة عليها: النيبال، بيرو، مدغشقر، إندونيسيا وكينيا. وتتقاطع هذه الحركات في تركيزها على المطالب الاجتماعية ومحاربة الفساد وتعزيز الشفافية، وبالتالي فهي تعكس توجها شبابيا عالميا واسعة لمناهضة مخلفات السياسات النيوليبرالية في الجنوب العالمي، التي قامت على برامج التقويم الهيكلي والخصخصة، ورفع الدعم عن القطاعات الاجتماعية.

إصلاح الصحة والتعليم ومحاربة الفساد

يعرف المغرب منذ عقود أزمة في القطاعين موضوع احتجاجات الشباب، فحسب دراسة صدرت في أوت 2025، احتل المغرب المرتبة 110 من أصل 182 عالميا عام 2022 على مستوى التعليم ضمن مؤشر العدالة الاجتماعية، كما احتل المرتبة 64 عالميا من 72 دولة شملها التصنيف في مؤشر التعليم العالمي 2025، وبالرغم من بعض التقدم الذي حققته البلاد خلال العقود الأخيرة في هذا القطاع، إلا أنه مازال يعاني من الكثير من الإشكالات، من بينها التفاوتات المجالية والاجتماعية خصوصا بالنسبة للمناطق الجبلية والداخلية، حسب ما وجدته المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية).

واجهت الشغيلة التعليمية، وهي فاعل رئيسي في منظومة التربية، تحديات كبيرة في العلاقة مع السلطة، إذ تم خلال العقد الماضي تنزيل سقف الولوج لمهنة التعليم إلى 30 سنة، وأقرت بعد ذلك نظام التعاقد عوض التوظيف بالنسبة للأساتذة، وهو ما كان موضوع معركة نضالية طويلة لرفض هذه السياسة النيوليبرالية، كما خاضت الشغيلة التعليمية احتجاجات قوية خلال الموسم الدراسي الماضي ضد نظام جديد لتأطير وضعية المدرّسين، حكمته الروح النيوليبرالية أيضا، و لم تنتهي الاحتجاجات إلا بعد مفاوضات عسيرة، وتحقيق مكتسبات مهمة، من بينها مراجعة النظام والرفع في الأجور، وقد شكلت هذه الإضرابات أحد العلامات على حجم الغليان الاجتماعي المحيط بهذا القطاع.

أما القطاع الصحي، فهو أيضا موضوع غضب شعبي مستمر، فقبيل بداية تعبئة “GenZ212” بأيام، اندلعت احتجاجات في أكادير ــ وهي المدينة التي يرأس جماعتها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش ــ ضد الوفيات المسجلة في مستشفى الحسن الثاني العمومي في صفوف الأمهات والرضع حديثي الولادة، ورفع المحتجون شعارات تطالب بإعطاء الأولية لقطاع الصحة عوض كأس العالم الذي سينظمه المغرب بالتشارك مع إسبانيا والبرتغال عام 2030.

بالنسبة لجيل الشباب فإن هناك تناقضا كبيرا بين قدرة الدولة على بناء أو ترميم ملاعب كرة القدم بملايير الدراهم، وفق مواصفات عالمية وبسرعة كبيرة، بينما تعجز عن القيام بأمر مماثل بالنسبة لمؤسسات الرعاية الصحية، في الوقت الذي يحظى فيه القطاع الخاص بامتيازات كبيرة.

ويتردد على مرأى المواطنين مشاهد نقل المرضى على الأكتاف إلى المستشفيات، وهو ما لم يعد مقبولا من الجيل الجديد.

يحتل المغرب المرتبة 94 من أصل 99 دولة شملها التصنيف، ضمن مؤشر الرعاية الصحية لمؤسسة “نامبيو” لسنة 2025. ويشهد البلد نزيفا حادا في هجرة الأطر الصحية إلى الخارج؛ وكان عمل وزير التعليم العالي السابق عبد اللطيف ميراوي، على محاولة تقييد هجرة خريجي كليات الطب للعمل في الخارج، غير أن الوزير نفسه وبمجرد أن غادر الحكومة هاجر إلى فرنسا ليدرّس في مؤسسة أجنبية، وهو الأمر ذاته الذي يعتبره جيل الشباب وجها من أوجه “نفاق” المسؤولين الحكوميين.

وكانت الجامعات المغربية شهدت منذ ديسمبر 2023، أطول إضراب طلابي في تاريخ البلاد دام 11 شهرا، حين رفض طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان تقليص مدة التكوين من 7 إلى 6 سنوات، وهو إجراء لم يخلو أيضا من روح نيوليبرالية، تحت شعار “ربح الوقت” و”تقليص النفقات”. وعكست هذه الاحتجاجات أيضا صورة المزاج العام الذي كان يتخمّر وسط الشباب.

وبالرغم من أن المغرب قرّر تعميم التغطية الصحية، وتوسيع البنية التحتية في هذا القطاع، عبر بناء كليات طب جديدة وإقامة مستشفيات جامعية في كل الجهات، إلا أن ذلك شهد تعثرات عديدة، ولم ينعكس إيجابا على الواقع الملموس للمواطنين باعتراف الحكومة نفسها.

يخسر المغرب سنويا بسبب الفساد ما يقرب 3,5 إلى 6 في المائة من ناتجه الداخلي الخام، أي ما يعادل 50 مليار درهم (4,7 مليار يورو تقريبا)، حسب ما أكده سنة 2024 محمد بشير الراشدي، لما كان رئيسا للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها (مؤسسة رسمية)، وقد تراجع المغرب في مؤشر إدراك الفساد خلال السنوات الأخيرة، ليحتل عام 2024 المرتبة 99 من ضمن 180 بلدا شمله التصنيف الذي تعده منظمة “ترانسبارنسي” العالمية.

تزامنا مع ذلك، تصاعدت الاتهامات الموجهة لأعضاء الحكومة الحالية، بالوقوع في تضارب المصالح.

“الفيل في الغرفة”

إذا كانت مطالب حركة الـ “GenZ212” تركز على الصحة والتعليم والفساد، إلا أن دوافعها تتعلق بالتنمية والتشغيل أيضا، فقد وجد تقرير جديد لبنك المغرب (البنك المركزي) أن نسبة البطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة بلغ 47 في المائة، في حين أن نسبة البطالة في المغرب، حسب نتائج إحصاء السكان والسكنى لسنة 2024 الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية)، بلغت 21,3 في المائة، وهي نسبة تكشف واقعا اجتماعيا مأزوما. وعلى المنوال نفسه، تعرف نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة تراجعا أو حالة من الجمود، حسب ما بينه تقرير صدر عن البنك الدولي بتاريخ 07 أكتوبر 2025.

تشير الأرقام الرسمية إلى أن حوالي 1,5 مليون شاب مغربي، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، لا يعملون وليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين، وهو ما يعكس الحجم المذهل من الشباب المستبعد من البنيات الاجتماعية.

وَعد ما عرف بـ “النموذج التنموي الجديد”، وهو تصور استراتيجي للفترة 2021-2025، أعدته لجنة مكلّفة من طرف الملك، وأحاطت بها دعاية رسمية كبيرة، بتحقيق نسبة نمو تصل إلى ستة في المائة، وهي النسبة التي ستسمح للمغرب نسبيا بالتغلب على إشكالات البطالة وتحقيق إقلاع تنموي، وهو وعد نظر إليه عدد من الخبراء الاقتصاديين المغاربة بعين الشك وعدم التصديق.

تراجع النمو الإجمالي المحلي الحقيقي في المغرب إلى 3,2 بالمائة خلال 2024 بعد تسجيل 3,4 بالمائة عام 2023، وفق البنك الدولي، وتتوقع المؤسسة نفسها أن يحقق البلد نسبة نمو تبلغ 4,4 بالمائة خلال السنة الجارية، نتيجة انتعاش قطاعات الزراعة والسياحة والبناء، “كما أصبح الاستثمار محركًا رئيسيًا للنمو، مدعومًا بالموارد العامة وتزايد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لاستضافة حدثين كرويين رئيسيين: كأس الأمم الأفريقية 2025 وكأس العالم 2030”.

ومع ذلك، فإن أكثر الدراسات تفائلا تحذّر من أن الانتعاش الذي تعرفه بعض القطاعات، تزامنا مع الاستعداد للأحداث الكروية الكبيرة التي سيستضيفها المغرب، سرعان ما ستتحول إلى “فقاعة مؤقتة” ستترك خلفها شريحة واسعة من اليد العاملة بدون شغل.

لقد واجه المغرب خلال السنوات الأخيرة العديد من الأزمات، منها جائحة كورونا، وطول فترة الجفاف، وارتفاع معدلات التضخم، وزلزال الحوز المدمر، لكنها لا تفسّر لوحدها حالة “الأزمة الدائمة” التي تواجهها البلاد.

إن الإشكاليات الأساسية ترتبط بالاختيارات السياسية الاستراتيجية للدولة، القائمة على الانضباط لقسمة العمل الدولية، القائمة على التبعية والارتهان للخارج، وعدم إقامة نظام اقتصادي منتج للثروة؛ وبدل ذلك، تعتمد البلاد في المجمل على قطاعات الخدمات، والنشاط الاستخراجي ذو القيمة المضافة المتدنية، والاستثمارات الأجنبية المرتكزة على اليد العاملة الرخيصة والقوانين الرخوة، والقطاع الفلاحي المتأثر بشدة بموجات الجفاف والذي تعمق مع سياسة استنزاف الثروة المائية المتآكلة يوما بعد يوم، واعتماد السياسات النيوليبرالية التي عمّقت من الفوارق الطبقية وأضعفت القطاعات الاجتماعية الرئيسية. بتعبير آخر، إن الأمر يتمحور حول غياب نموذج تنموي وطني.

نتيجة لهذه المعطيات، تتغذى المطالب الاجتماعية الحالية، على فقدان الوعود بالتنمية والرخاء لمصداقيتها، في ظل تكدّس الثروة بيد حفنة قليلة، مقابل انتشار البطالة والتهميش، والتهاب الأسعار، والتفاوتات الاجتماعية، وما يتصاحب مع ذلك من إغلاق للمجال العام وتقلص هامش الحريات.

حالة جديدة

تقيم حركة “GenZ212” مسافة فاصلة مع الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية، بل وتحمّلها مسؤولية الأوضاع الحالية، والواقع أن هذه المنهجية تنطوي على تحديات كبيرة؛ فالأوضاع الحالية التي تعيشها الأحزاب هي نتيجة لمسار طويل من بلقنة المشهد السياسي ومحاصرة القوى السياسية والمدنية المستقلة، وبالنتيجة أُضعفت النقابات التي كان من الضروري تفكيكها من أجل تنزيل السياسات النيوليبرالية منذ بداية التسعينات.

ومن جهة أخرى، فإن الدولة تاريخيا لا تتفاوض مع القوى غير المؤطرة مهما كانت قوية، ويعتبر “حراك الريف” ــ تعبئة نضالية شهدها المغرب بداية من 2016 ــ مثالا دالاّ على ذلك، وبالتالي فإن تمسك حركة الشباب بموقف أن لا تكون مهيكلة، وأن لا يكون لها قيادة أو تمثيل، يعرضها لمخاطر التفكك أو التفكيك مع مرور الوقت، أو ابتلاع أقسام منها من طرف القوى المسؤولة عن الوضع الحالي.

تعيد “GenZ212” إلى الأذهان حركة 20 فيفري الشبابية، التي انطلقت في سياق ربيع الشعوب مع بداية العقد الماضي؛ وبالرغم من اختلاف سياقات تشكل كلتا الحركتين، فإن القواسم المشتركة بينها متعددة، أبرزها فقدان الثقة في الدولة والمؤسسات، والغضب من الأوضاع الاجتماعية، والحماس القوي للتغيير والتطور، وهي طاقة ستكون ذات تأثير بليغ في مستقبل البلاد لو تم استثمارها بشكل إيجابي، بالرغم من أن الرسائل التي بعثتها المراكز السياسية توحي بغير ذلك.

يصعب تفسير هذه الحركة الشبابية الفتية دون وضعها في سياق التراكمات النضالية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فقد حاولت الدولة إغلاق الشارع منذ جائحة كورونا، وعرف النشاط النضالي بعد ذلك انحسارا ملحوظا، لكن الحركة الاحتجاجية عادت تدريجيا مع نضالات طلبة الطب وحراك الأساتذة، وقد منعت السلطات الاحتجاجات المناهضة لاتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل في 2020، لكن أحداث السابع من أكتوبر 2023، أدت إلى تدفّق حركة كبيرة في الشارع تتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو ما أنعش بكثافة الحركة النضالية في الشارع المغربي، ومثّل فرصة غير مسبوقة لكي تعيد المعارضة تقوية صفوفها.

تقاطع هذا الوضع مع حالة جديدة سمحت بعودة الاحتجاجات الاجتماعية إلى الشارع، من قبيل احتجاجات بعض المناطق على انقطاع الماء في الصيف، ومطالب المناطق المهمشة بالتنمية وفك العزلة عنها، كما حدث مع نضالات “آيت بوكماز”.

لقد خلقت التراكمات الناتجة عن تنامي الغضب الشعبي، من سياسات الدولة داخليا وخارجيا، وضعا يسمح بتشكل وخروج حركة من هذا النوع إلى الشارع.

صحيح أن الحركة الجديدة خلقت حالة جديدة من الطلب المكثف على السياسية، وأعادت ملفات حارقة إلى الواجهة، ومع ذلك، فإن انفصال القوى المعارضة والديمقراطية عن حركة الشباب يفقد هذه الأخيرة قوة دفع وتأطير هي في أمسّ الحاجة إليها، وإلا فإنها ستواجه العزلة والتفكيك.

من السابق لأوانه الحديث عن مآلات حركة “GenZ212” في المغرب، لكنها لا تمثل سوى ملمحا بارزا من ملامح الانفجار الاجتماعي القادم، إذا بقيت أوضاع البطالة والتهميش والانحسار الديمقراطي على حالها.