المنشورات

عن زياد الرحباني في أربعينيّته:«لا شيء إنسانيًا غريبٌ عنّي»

مقال من قبل محمد بالطيب

يفتتح المفكر والأديب المغربي بنسالم حمّيش كتابه الفكري الأشهر “في نقد الحاجة إلى ماركس”، بنص اِستمارة ملأها هذا الأخير في ستّينيّات القرن التاسع عشر، لينقل لنا عبرها صورةً عن ماركس “هذا الإنسان”. أي تلك الأشياء الشخصيّة والبشريّة التي تتعلّق بالحب والطّبق المفضّل والأدب والمرأة والفكروالقيم. في تلك القصاصة يكتب كارل ماركس قائلاً: “الصفة التي أحبّذها أكثر هي، عمومًا: البساطة. وعند الرجل: القوة. وعند المرأة: الضعف. أهمُّ خاصياتي: التصلّب. الفكرة التي لديّ عن السعادة: الصراع. الفكرة التي لديّ عن الشقاء: أن أقبل بالخضوع. العيب الذي أرى أنه يُغتفر: السذاجة. العيب الذي أكره أكثر: العبودية. اهتمامي المفضّل: القراءة… زهرتي المفضّلة: الرّند. لوني المفضل: الأحمر. صحني المفضل: السمك. حكمتي المفضلة: لاشيء إنسانياً غريب عني. شعاري: يلزم الشك في كل شيء”.

عندما رحل الفنّان اللبناني زياد الرحباني، ظللتُ أسابيعَ عالقًا في عوالمه الشّخصيّة، كنوعٍ من طقوس الحزن أو العزاء. كنت أبحثُ عن صورة لزياد الرحباني “هذا الإنسان”، في كل حواراته ولقاءاته، وحتى في مسرحياته وألحانه. لكنّه كان “يتناثرُ” متفرقًا في كلّ مكان. بتلك الدّرجة التي يصعب معها “جمعه” أو إعادة “تركيبه” صافيًا وواضحًا. ربّما أيضًا لأنّ كلّ شيءٍ فيه إنسانيًا كان يتشابكُ ويتداخلُ مع ما هو فنّي وفكري وسياسي. أو ربّما أيضًا لمعضلة أخرى، نظرا لكونهِ “كان متعدّدًا”: فهو الملحّن والعازف والكاتب والشاعر والمسرحي والمؤلف الموسيقي والصحفي والمناضل السياسي. ومع كل هذا، كان في زياد الرحباني كذلكَ، خليط ساحر من أشياء متداخلة،  تجعل الصورة أكثر صعوبة في التركيب: طفوليّة منفلتة في الحديث وعبقريّة في المجاز، مع اِرتباك في الخطاب وفوضى في الكلام وسخريّة، ومزيج بين الكوميديا والدراما، وتعبيرٌ عن الأشياء يميل فيه دومًا نحو التجريد واللغز والشعريّة.

لذلك يصعبُ فصل الإنسان فيه عن باقي الأبعاد. ولأنّه أيضًا يُصرّ دومًا أن يفلتَ من تفاصيل الشّخصي. ويحرصُ أن يكونَ سردًا لبنانيًا أكثر من كونه سيرةً ذاتيّة. يربط كلّ لحظات حياته بأحداث لبنان أو بمشاريعه الفنيّة. قصصهُ هي قصصُ أغانيه، ومحطّاته الشّخصيّة هي تلك التي تعبّر عن محطّاته الإبداعيّة: مسرحيّةً أو موسيقيّةً. كما أنّ زياد الرحباني هو أيضًا ابن فيروز. وليس سهلاً على أيٍّ كان أن يكون اِبن فيروز. هولا يدري ونحن لا ندري أيضًا، هل كان ذلكَ ميزةً حقًا في حياته أم ربّما العكس؟ هل كان ليكون زياد الرحباني الذي نعرف لو لم يكن ابن فيروز؟ أم كان ليكون أكبر؟

مع هذا، تتشكّل الصورة إنسانيًا وتتركّب من عناصر مشتّتة ومتناثرة، يُمكن جمعها من مواد كثيرة: من حواراته ولقاءاته وأعماله الفنيّة. وما كُتب عنه وشهادات الذين عاشروه. يمكننا الآن أن نعرف مكانة المرأة مثلاً عند زياد الرّحباني. أن نعرفَ بعضًا من جوانب علاقته مع الحُب وتجاربه العاطفيّة. وأن نرى شكل علاقته بالعائلة. وأن نعرفَ خاصةً مواقفه من أشياء كثيرة: في السياسة والفكر والدّين والفن والصحافة والمال وحتى الحياة نفسها.

على الغلاف الخلفي لكتابه “زمن زياد: قديش كان في ناس” الصادر في العام 2016، يعيد علينا طلال شتوي -ربّما للتأكيد- جملة نقلها عن جوزيف حرب قالها له في العام 1993 في بيروت: “زياد الرحباني يلتقي مع كل إنسان جاء إلى هذه الأرض”.

زياد الرحباني.. “هذا الإنسان”

رغم حواراته الكثيرة والمتباعدة زمنيًا، باختلاف سياقاتها ومواضيعها، يبدو لي أنّ أكثر حوارٍ كان فيه أقرب ما يكون إلى قُصاصة ماركس تلك، هو حواره في جزأين سنة 2018 مع قناة DW الألمانية الناطقة بالعربيّة. في ذلك الحوار  بدا زياد الرّحباني أكثر وضوحًا في ما يتعلّق بجانبه الإنساني. وأكثر دقّة وتجليًا في مواقفه السياسية والفكريّة. وكان يمكن رؤية “هذا الإنسان” بشكلٍ أوضح.

كما يبدو -أيضًا- كتاب طلال شتوي، هو الوثيقة الأكثر تماسكًا منهجيًا والأكثر ثراء في المحتوى في التأريخ لسيرته وتفصيل شخصيته. ينقل شتوي أنّ زياد الرحباني، في سن الرابعة عشرة كان يلعب مع شقيقته ليال وابنيْ عمّه، حين كتب هذا المقطع “قديش كان في ناس، عالمفرق تنطر ناس، وتشتي الدني، ويحملوا شمسية، وأنا بأيّام الصحو، ما حدا نطرني”، ثمّ لحّنه وسجّله، ولكن لم يستطع اِستكمال كلمات الأغنية. وحين سمع عاصي الرحباني التسجيل، قال له: ما رأيك لو تعطيني هذا المقطع وتأخذ 250 ليرة؟ فباع الأغنية، وكان ذلك أوّل لحن يبيعه. باعه لأبيه. ثمّ غنت أمّه فيروز الأغنية في العام 1973.

في سنّ الرابعة عشر أيضًا، كان زياد الرحباني قد نشر ديوانه “صديقي الله”. ديوان شعري صغير بمجموعة من النصوص ذات الشعريّة العالية التي تبدو أنضج من صبي في ذلك العمر. عبقريّةٌ ولدت باكرًا ممزوجةً بنبوغ ظاهر وأيضًا بثوريّة متمرّدة. وفي تلك السّنة نفسها كما يروي عن نفسه، كان قد غادر بيت أهله نافرًا من معارك أمّه وأبيه الكثيرة بسبب غيرة عاصي على فيروز. ورافضًا تمسّكهم وإغراءاتهم بالبقاء.

إنسانيًا أيضًا، كان زياد الرحباني، كما يقول أقرب إلى أبيه من أمّه. تبدو علاقته مع أبيه أكثر انسيابية وسهولة وقربًا. لم يكن والده يهتمُّ بأمْرِ دراسته ولا يعرف في أيّ فصل يدرس، كان يلاحظ عبقريّته في الموسيقى ويرعاها، بينما كانت فيروز حازمة ككلّ أم. وفي المقابل كانت هي الحاضرة بشكلٍ مُكثّف في ديوانه الشعري، وفي نصوص عديدة. وكانت هي من أكمل معه المسيرة حتى النهاية.

كان على زياد الرحباني في تعامله مع فيروز، أن يكون من جهةٍ الابن الإنسان وأن يكون من جهة أخرى الفنّان المحترف الذي يتعامل مع أهم رمز غنائي عربي معاصر. لذلك تتداخل الأشياء بينهما، أمّ حازمة وفنّانة أيقونة. ينقلُ عنها غضبها منه لأنّه لا يتحفّظ على أسرار العائلة ويتكلّم عن كل شيء في الإعلام. وتصفه بأنه “بلا مرْبى” (بدون تربية). ومع ذلك كان هو الرّجل الذي وقفَ على مشروعها الفنّي بعد رحيل أبيه. ورغم فترات القطيعة بينهما، كانت فيروز ككل أمّ ترعى ابنها في أدقّ التفاصيل، وتحاصره بالأسئلة عن الزواج وتشتري له الملابس وتتصّل به كلّ ليلة بالهاتف. في مقابل ذلك، كانت علاقته أُسريًّا بأخته المخرجة السينمائية ريما الرحباني علاقة مضطربة. يحكي عنها بمودّة، لكن أيضًا بشيء من العتاب، مفسرًا أسباب الخلاف بينهما بكونه يتعلّق بطريقتها في إدارة أعمال وحياة أمهما فيروز.

في الصداقة، يقول زياد الرحباني أنّ خروجه من البيت كان السبب في صداقته مع جوزيف صقر الذي كان يعمل حينها في فرقة والديه. تعرّفا عن قرب وصارا صديقين مقرّبين. وشكّلا لاحقًا مشروعًا فنيا استثنائيًا حتى رحيل الأخير في العام 1997 وما تركه من حزنٍ وحِداد في نفسيّة زياد الرحباني. باكرًا، تشكّلت شخصيّة العبقري المتمرّد. تمرّد على مدرسة أبيه وعمّه الموسيقيّة، وتمرّد على مواقفهم السياسيّة بالخروج من عباءة الانحياز إلى اليمين الدّيني في الحرب الأهليّة نحو اليسار الشيوعي. وقد كان ذلك الانتقال رمزيًا أيضًا في الانتقال بالسكنى زمن الحرب من شرق بيروت ذات الأغلبية المسيحيّة إلى بيروت الغربيّة حيث اليسار والمنظّمات الفلسطينية.

أمّا عاطفيًا، فتبدو علاقة زياد الرحباني مع المرأة، علاقةً معقّدة. ففشله في التجارب العاطفيّة والزواج لم يغيّر من مواقفه تُجاه المرأة في فنه وحياته وتصريحاته، حيث يتجلّى منحازًا لها، وحاملاً لقضاياها ومعبرًا عن مشاعرها ومتكلمًا بلسانها. غير أن زياد الرّحباني “هذا الإنسان” يبدو مُكابرًا تجاه الحُب، يُفلت من التصريح عن مشاعره أو الحديث الواضح عنها. مرتبكًا أحيانًا ومتصنعًا اللامبالاة أحيانًا أخرى. إذْ أجاب عن سؤال حول قصص الحب التي عاشها، بأنّها لا تبدو مهمة كثيرًا كي يتذكّر تفاصيلها. وبدا مُكابرًا، قبل أن يستدركَ بأنها بقيت فقط كآثار في أعماله الفنيّة. وعن أوّل قصّة حُبٍّ عاشها قال بأنّها هي التي ألهمته أغنية “عايشة وحدا بلاك”. ويحكي أنّ تلك الأغنية هي أغنية خاصةٌ به وبقصّته الشخصيّة وتجربته الشعوريّة الخاصة، مضيفًا -بشيء من الحسرة- بأنّها الأكثر طلبًا من الجمهور من بين كلّ أغانيه “شُو ما عملنا غيرها الجمهور ما بيطلب غيرها”.

ويعترفُ بفشله في التجارب العاطفيّة وفي الزواج وبأنّه لم يستطع أن يكوّن معرفةً بهذا الجانب في المرأة. ويقول بأنّ كل تجربة مع امرأة تعيده إلى الوراء أكثر “من مَرا لَمَرَا لِوَرا”. فقد فشلَ زواجه الأوّل بسبب الحرب الأهلية، وبسبب صغر سنه وقت الزواج كما يذكر. ورغم إلحاح أمّه عليه ليبني عائلة ويُخلّف أبناء، ظلّ زياد الرحباني -حتى رحيله- باحثًا عن المرأة التي يتمنّى أن ترى فيه الإنسان فقط لا النّجم.

أنا صحافي وموسيقي.. “مُمتازين بزيادة”

في حواره المذكور على DW حين سُئل زياد الرحباني هل هو فنّان أو موسيقي أو شاعر أم مسرحي؟ قال بأنّه لا يرى نفسه فنّانًا !واِختار أن يعتبر نفسه صحافيًا وموسيقيًا، مضيفًا “ممتازين بزيادة”. نافرًا من كثرة الألقاب ومتخفّفا من التصنيفات في ما يبدو كأنّه تواضع. غير أنّ سيرة زياد الرحباني الفنيّة، تقول أنّه أكثر من شيئين فقط.

فمنذ الطفولة أبان عن موهبة شعريّة فذّة. وكشفَ عن عبقريّة موسيقيّة اِستثنائيّة. فقد قدّم أولى مسرحياته  “سهريّة” وهو في عمر السابعة عشر. ولحّن لفيروز أيقونة الغناء العربي أغان خالدة لا تنسى. كما قدّم برامج إذاعية زمن الحرب الأهليّة اللبنانية، وكتب في الصحافة كصاحب عمود في جريدة الأخبار، ومارس التمثيل المسرحي. وتركَ أعمالا فنيّة لا تزال إلى اليوم حيّة محافظة على وهجها وروحها في وجه الزّمن وتغيّر السياقات والأذواق والأحداث. لذلك يبدو اختزاله لنفسه في الموسيقى والصحافة تواضعًا مجانبًا للحقيقة. يسردُ طلال شتوي في كتابه مراحل سيرة زياد، وتحولاتها وتفاصيلها، بكثير من الحكي الممتع. وتتناثر هنا وهناك قصص زياد نفسه عن أعماله. لكن يعوزه دومًا المنهج في الحديث. فسردهُ متقطّعٌ ومتعجّل.

في المسرح أنجزَ زياد الرحباني بعد “السّهرية” (1973)، مسرحيّة “نزل السرور” (1974) وهما مسرحيتان في النّقد الاجتماعي، كشفتا عن فهم عميق للمجتمع وعن وعي سياسي وفكري وثقافي متين. وبعد ذلك جاءت مسرحيته الأشهر والأهم على الإطلاق “فيلم أمريكي طويل” في العام 1980 في أوج الحرب الأهلية اللبنانية. وهي مسرحيّة تدور أحداثها داخل مصحّة نفسيّة، وقد خلّفت هذه المسرحيّة ولا تزال نقاشات وردود فعلٍ واسعة، وهي تعتبر واحدة من أهم إنتاجات المسرح اللبناني، وأكثرها شهرة.

بعد ذلك وفي العام 1983، قدّم مسرحيّة “شيء فاشل” التي اِنتقد فيها أوضاع ما بعد الحرب وأحوال المجتمع في تلك الحقبة من تاريخ لبنان. وبعد ذلك بعشر سنوات، عاد بمسرحيتين متتابعتين الأولى في العام 1993، بعنوان “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” والثانية في العام التالي (1994) بعنوان “لولا فسحة أمل”.

وبالإضافة لأعماله المسرحية، الغنائيّة بالأساس، كانت الموسيقى هي مشروعه الفعلي والصلب والمركزي وفيها ترك أهم منجزاته. حيث قدّم زياد الرّحباني خاصة مع فيروز روائع حقيقية في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة. لكنّهٌ اِنسلخ باكرًا عن مدرسة أبيه وعمّه. وبدا منذ السنوات الأولى يرسمُ طريقه الخاص إيقاعيا وفنيًا.

تظهر أغنية “سألوني النّاس” التي غنتها فيروز لزوجها عاصي الرحباني في فترة مرضه، كواحدة من أشهر الأغاني التي لحّنها زياد. لأنّها أغنية اِجتمع فيها كل الرحابنة في قصّة إنسانية وفنيّة جميلة. وكذلك تظهر أغنية “وحدن بيبقوا” كأغنية أيقونة من كلمات الشاعر طلال حيدر. وهي أغنية اِرتبطت في المخيال العام بالقضيّة الفلسطينيّة والفدائيين الفلسطينيين، رغم تضارب القراءات في موضوعها وقصتها. وأيضًا أغنية “كيفك أنت” وما مثّلته من نقلة في تاريخ فيروز الموسيقي. وكلّ هذه الأغاني والعشرات غيرها في الألبومات والمسرحيات، سواء التي غنتها فيروز أو غيرها، بقيت خالدة في ذاكرة الغناء العربي الحديث. وبها يأخذ زياد الرحباني مكانته -وعن جدارة- كواحد من عباقرة الموسيقية العربية في القرن العشرين.

غير أنّ لزياد الرحباني أبعادًا خارج الفن. وخاصة مواقفهُ الفكريّة والسياسية الذي قد تتداخل غالبًا مع الفنّي ومع الشخصي، لكنّها تبقى في حدّ ذاتها علامةً مميزة من علامات زياد الرحباني، وبعدًا آخر من أبعاده وأركان سيرته وقصّته.

يساريٌّ في السياسة.. يساريٌّ في الفن أكثر

ينتمي زياد الرحباني لجيل الحرب الأهلية في لبنان، ولجيل ثقافي عايش تحوّلات كبيرة في مسارات التاريخ العربي الراهن، فكريًا وسياسيًا. وهو يحرصُ دومًا على تأكيد مركزيّة الحرب الأهلية في تشكيل وعيه ومسار حياته ومواقفه ومشروعه الفنّي. ويربطُ كلّ مفاصل مساره الشخصي بمسار لبنان الحديث، وبتحوّلات المنطقة وصراعاتها. ورغم ما تخلّفهُ مواقفهُ السياسيّة أحيانًا من نقاشات وردود أفعال واسعة في الداخل اللبناني أو على الصعيد العربي، إلاّ أنّ خطّه كان واضحًا دومًا ضمن رؤية إيديولوجية يساريّة ماركسية، وانخراطٍ ملتزم في الحزب الشيوعي اللبناني، ودعمٍ للمقاومة ورفضٍ للاحتلال الإسرائيلي وانحيازٍ للحق الفلسطيني ولقضايا التحرّر عربيًا وأمميًا.

أمّا اِجتماعيًا، فيُعبّر زياد الرحباني عن مواقف صريحة في تقدميّتها في ما يتعلّقُ بقضايا العدالة الاجتماعية والعلمانية والمساواة بين الجنسين والزواج المدني وحقوق الأقليات، ورفض الطائفيّة والمحاصصة السياسيّة في البلاد. لكن يبدو عالم زياد الرحباني حالمًا أكثر منه عالمًا واقعيًا. بعيد التحقّق في وضع لبناني داخلي اِستقال هو نفسه من متابعته واصفًا إيّاه بأنّه “غير مُحفّز”.

لكن أبرز ما يمثّله زياد الرحباني، سياسيًا، هو القيم التي يحملها مشروعه الفنّي، موسيقى ومسرحا. وهي قيم اِجتماعية بمضمون يساري تحرري وتنويري وتقدمي، تنحاز للفقراء والمضطهدين وتكافحُ ضد الطائفيّة والاستغلال والفساد والاستعمار والامبريالية. ماركسيّته التي يتقن التعبير عنها بالفن أكثر من الكلام، والتي يتقن صياغتها فنيًا أكثر من التعبير عنها سياسيًا.

يرفضُ زياد الرّحباني وصف نفسه بالمُلحد. متمنيًا، بحسب تعبيره، أن يكون هناك “الله”. مؤكّدا أيضًا بحسب قوله أنه لن يكون بنفس الصّورة التي رسمتها الأديان. وهو الذي ناجاه في ديوانه الذي كتبه صغيرًا، كـ”صديق”. في ذلك الدّيوان يظهر زياد الرحباني بصورته الإنسانية النقيّة. صورة ذلك الطّفل ذاته الذي ظلّ يعيش داخله حتى الرّحيل. الطفل الذي يصبغ مواقفه وأفكاره وسيرته وسلوكه بلهوٍ وعبثٍ وشيء من الفوضى وكثير من الانفلات والصّدق والسخريّة والنكات.

ومنذ ذلك الدّيوان، حتى رحيله عاش زياد الرّحباني حياته كطفلٍ. عاش في ظلال أمّه فيروز ولكن متمرّدًا عنها. وأيضًا صانعًا لأهم أركان مشروعها الفني. وحين رحل زياد الرحباني ظهرت فيروز من عزلتها، التي لم نكن نعرفُ أخبارها إلاّ من زياد نفسه. ظهرت مجلّلة بالحزن والكبرياء والصمت والألم والخشوع. في شالها الأسود بدت شيئًا يشبهُ هديّة زياد الأخيرة إلينا: إطلالة فيروز.

بدا المشهد إنسانيًا ونقيًا. أمٌّ حزينة على ابنها البكر والوحيد. وبدا زياد الرّحباني نفسه كأنّه يؤدّي آخر طقوسِ إنسانيته: الموت. كأنّه يقول لنا -مرّة أخرى- ها أنا ذا “لا شيء إنسانيًا غريبٌ عني”.

في ديوانه “صديقي الله”، يحكي في القصيدة العاشرة عن قصّة حكتها لها أمّه أمام الموقد. قصّة رجلٍ فقير جمع الأحجار وأتي بها من الغابات والجبال ليبني بيتًا، وحين تعب حفّز نفسهُ قائلا بأنه يعمّر بيتًا ليسكن فيه باقي العمر. “وظلّ يعمّر طُولَ عمره. وعندما انتهى البيت. انتهى صاحبُ البيت”.

“وقلتُ لأمّي: هل انتهت القصّة؟ قالت: نعم”.