المنشورات

الضرورة وغنيمة الحرب

بحث من قبل أحمد نظيف
تحميل المنشور

«الضرورة وغنيمة الحرب»

عن «الإيديولوجيا المغاربية» وفي سبيلها

قياساً للصخب الذي كان جاريًا مطلعَ القرن العشرين وحتى عقوده الأخيرة لحظة تأسيس الإتحاد، من مازال اليوم متحمساً لوحدة المغرب الكبير من بين نُخبه؟ تحتاج الإجابة إلى مسحٍ واسع ودقيق للمواقف والأدبيات، ولكن المزاج العام يكشف بوضوحٍ أن ذلك الصخب والحماس قد انكسر أمام  حمّى الانعزاليات الوطنية المتحاربة وتصدع الدول المركزية في الإقليم. وهو ما يدلل على تفكّكٍ مديدٍ لـ«الإيديولوجيا المغاربية»، التي التي عجزت عن الصمود وربما كانت مؤهلةً أكثر من أي بناء إيديولوجي على إنقاذ «الإقليم» من أزماته الهيكلية الراهنة.

لكن مسار هذا «الإيديولوجية» يكشف في الوقت نفسه عن تفاعل معقد بين الوعي المناهض للاستعمار ومشاريع بناء الدولة والتلاشي التدريجي للروايات الكبرى -التي وعدت في يوم من الأيام بالتماسك التاريخي والتحرر الجماعي-. كانت مجتمعات المغرب مطلعَ القرن الماضي غارقة في قبضة التوسع الإمبريالي الأوروبي المتزايدة، والتي بلغت ذروتها في الحماية الفرنسية والإسبانية للمغرب، وتوطيد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، وإقامة الحماية الفرنسية في تونس وصولاً إلى الاستعمار الإيطالي الدموي في ليبيا، والتوغل الفرنسي في الفضاء الموريتاني. وفي هذا السياق، برزت «الإيديولوجيا المغاربية» مجالاً من الممارسات الخطابية التي تربط بين الإسلام الإصلاحي والنهضة الثقافية العربية والنزوع الوطني الناشئ. حيث سعى الإصلاحيون الأوائل إلى التوفيق بين التجديد الإسلامي والاقتباس الانتقائي للحداثة الأوروبية، بينما صوّر الناشطون الوطنيون المغرب الكبير بشكل متزايد وحدةً تاريخية تتّسم بتجارب مشتركة من الغزو والأسلمة والاستعمار. وشهدت فترة ما بين الحربين تبلْور حركات سياسية، مثل حركة الدستور في تونس وحزب الاستقلال في المغرب والتيارات الوطنية التي ستتلاقى لاحقًا في جبهة التحرير الوطني في الجزائر وامتد ليشمل المقاومة السنوسية في ليبيا والحراك النضالي في موريتانيا،.

 ورغم بلوغ  «الإيديولوجيا المغاربية» ذروتها إبان استقلالها  في خمسينات وستينات القرن العشرين. لكن مع تفاقم الأزمات الاقتصادية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ومع ترسيخ الممارسات الاستبدادية وضيق آفاق التحرّر، ظهرت بشكلٍ جليّ هشاشة التوافق ما بعد الاستعماري وحدود سرديات الوحدة التي تتمحور حول الدولة الوطنية. كما تراجع مفهوم المغرب فكرةً إقليميةً جامعة نتيجة إغلاق الحدود المستمر، وخاصة بين الجزائر والمغرب، وركود الاتحاد المغاربي وتغييب دور ليبيا وموريتانيا في المتن السياسي، ما جعل من التكامل الإقليمي أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع. وفي الخطاب الفكري، أفسحت لغة الأصالة والمصير التاريخي المجال لتحليلات تركز على الحوْكمة والهجرة والأمن والوطنية الضيقة. أما الأجيال الجديدة، التي تشكلت بفعل الاتصال الرقمي والتصورات العابرة للحدود، فغالباً ما تنظر إلى «المغرب الكبير» لا بوصفه أفقا إيديولوجيا بقدر ما تنظر إليه صفةً ثقافيةً أو جغرافية. وهكذا، فإن ما كان يُمثّل في السابق سرديةً قويةً للتكوين الجماعي، بات يُشبه بشكلٍ متزايد موضوعًا للتأريخ. فرغم أن هذه «الإيديولوجيا المغاربية» حاضرةٌ في الاحتفالات والمناهج الدراسية والخطابات الرسمية، ظلّ تأثيرها الفعلي متضائلا إلى حدٍ بعيد، فلم تعد تُشكّل التوقعات السياسية بالطريقة التي كانت عليها خلال حقبة الكفاح ضد الاستعمار وبدايات الاستقلال. وبهذا المعنى، أصبحت كما لو أنها جزءٌ من الماضي، ليس لأن المنطقة قد زالت أو أنها تجاوزت أزمتها الهيكلية، بل لأن الإيمان برسالة تاريخية موحدة قد تشتت تحت ضغوط التماسك الاستبدادي للأنظمة الحاكمة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات في المنطقة. وهكذا، يُسلّط صعود وسقوط الأيديولوجية المغاربية الضوء على الانتقال الأوسع من الحداثة الثورية إلى البراغماتية ما بعد الإيديولوجية، حيث تفسح السرديات الكبرى للمصير الوطني والإقليمي المجال لآفاق سياسية أكثر ضيقاً، وغالبًا ما تكون أكثر هشاشةً.

وتعريفاً لهذه «الإيديولوجيا المغاربية» يمكن توصيفها تجاوزاً بكونها خطاب هويّاتي مرّكب متجذّر في سياقٍ تاريخيّ يتّسم بالتّأمل الذّاتي، ويسعى إلى تحديد الوحدة السّياسيّة والثّقافيّة والمعرفيّة للمغرب الكبير بوصفه كياناً إقليميًّا وأفقاً للتحرّر الجماعي. وقد برزت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بوصفها ردّ فعل على الهيمنة الاستعمارية، وتبلورت خلال نضالات الاستقلال. ولا يمكن اختزالها إلى مجرد قومية إقليمية، كما أنها ليست فرعاً مشتقًّا من القومية العربية أو الأممية الإسلامية، بل هي توليفة محددة تشكلت بفعل التجارب التاريخية المشتركة لنُخب الإقليم، تدلّ على وساطة ضرورية بين الفئات الثقافية الموروثة ومتطلبات الدولة الحديثة والتنمية والسيادة. وتجد جذورها في الروابط اللغوية العربية والأمازيغية والتقاليد الدينية والبنى الاجتماعية المتشابكة، مع إدراكها في الوقت نفسه للتّصدّعات التي أحدثتها الحدود الاستعمارية والمسارات المتباينة لتكوين الدولة. وهدفها النهائي تأكيد هوية حضارية متميزة دون الانعزال، واستيعاب عناصر الحداثة الأوروبية دون الخضوع للتبعية الثقافية. وتحويل منطقة تتّسم بالتجزئة إلى موضوع واعٍ للتاريخ، قادر على التوفيق بين إرثه المتعدّد والمطالب المعيارية للسيادة والتنمية والكرامة الجماعية.

لذلك لا يمكن حصر «الإيديولوجيا المغاربية» في جوهر ثابت أو في حنين إلى الأصول، كما هو الشأن مثلاً للنسخ الأكثر عرقيّةً في القومية العربية أو غيرها من الإيديولوجيات القومية. بل هي صيرورة تاريخية مركبة  الانقطاعات والاندماج والمقاومات. إذ لم تمْحُ مسارات الأسْلمة والتعريب ما سبقها من التكوين الثقافيّ، بل أعادت تنظيمها ضمن إطار رمزي جديد. وبالمثل، لم يقتصر الاستعمار على فرض هيمنة سياسية، بل أحدث شرخًا في الوعي التاريخي، مما أجبر المجتمعات المغاربية على إعادة تعريف نفسها على نحو مختلف. لذا، من الضروري أن لا تُفهم هذه الإيديولوجيا على أنها هوية تراثية خالصة، بل بوصفها بناءً تاريخيًّا يتشكل باستمرار بفعل التوتر بين التقاليد والحداثة والتقدم والتخلف والسيادة والتبعية.