المنشورات

البذور في خطر

كتاب من قبل سيمون ديجيلو، ريفيلو جوالا، باتريسيا ليزاراجا، إيمان اللواتي، توكير صبري، و يان أورهان
تحميل المنشور

الصراعات العالمية من أجل السيطرة على الغذاء

لم يعد خافياً أن نظامنا الغذائي الراهن يعاني من اختلالات جسيمة تهدد الأمن الغذائي العالمي. فقد يعاني أكثر من ربع سكان العالم – أي ما يقرب من 2.22 مليار شخص – من انعدام الأمن الغذائي بمستويات متفاوتة بين المتوسطة والحادة. وفي الوقت نفسه، يشهد التنوع البيولوجي العالمي تراجعاً متسارعاً، فيما تتحمل الفئات الأكثر هشاشة وتهميشاً، بما في ذلك العمال الزراعيون وصغار منتجي الغذاء، العبء الأكبر من الصدمات البيئية والاقتصادية المتصاعدة.

تُعد البذور جوهر جميع النظم الغذائية، فهي تحمل المعلومات الوراثية التي تحدد خصائص المحاصيل وإنتاجيتها. أما تنوع أصناف البذور المتوفرة اليوم، فهو ثمرة الجهود الجماعية التي بذلها المزارعون على مدى آلاف السنين. فالبذور مورد مشترك للبشرية، تنتقل من جيل إلى جيل، وقد ظل المزارعون على مدى أكثر من 10,000 عام يختارون البذور ويتبادلونها ويحتفظون بها. ومع ذلك، فإن هذا الإرث الغني من البذور يتعرض للاندثار.

منذ التسارع في وتيرة التصنيع الزراعي بعد الحرب العالمية الثانية، تحوّلت تربية البذور إلى نشاط تجاري مربح تديره شركات متخصصة. وقد بدأت العديد من الدول في أوروبا وأمريكا الشمالية بتنظيم قطاع البذور لديها وفرض قوانين الملكية الفكرية على إنتاجها. إلا أن هذا النهج لا يتناسب مع سياقات العديد من دول الجنوب العالمي، حيث يتم حفظ ما يصل إلى 90% من البذور من قبل المزارعين أنفسهم. ومع ذلك، اعتمدت العديد من دول الجنوب العالمي لوائح تنظيمية للبذور مماثلة، أو حتى أكثر صرامة، من تلك المطبقة في الشمال العالمي. فعلى سبيل المثال، أقرّت غانا في عام 2020 قانون حماية الأصناف النباتية، الذي يفرض غرامة قاسيةأو عقوبة سجن لا تقل عن عشر سنوات على أي شخص يبيع مادة إكثار لنبات محمي في غانا دون ترخيص، وهي عقوبة تفوق بكثير تلك المفروضة على جرائم مماثلة في أوروبا أو أمريكا الشمالية.

و تسعى الشركات الكبرى إلى بسط مزيد من السيطرة على البذور والغذاء من خلال حقوق الملكية الفكرية. وغالبًا ما تُفرض قوانين حماية الأصناف النباتية وبراءات الاختراع عبر الاتفاقيات التجارية. وقد أُجبر العديد من المزارعين على الاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات المتخصصة في إنتاج البذور، والتي تتحكم في تحديد الأصناف المتاحة وخصائصها، وبالتالي في تحديد المحاصيل التي تتم زراعتها في نهاية المطاف.

تشكل هذه التطورات عائقاً أمام ضمان الحق في الغذاء والقضاء على الجوع. فاعتماد المزارعين على عدد محدود من الشركات الدولية المنتجة للبذور يؤدي إلى انتشار الزراعة الأحادية، مما يُقوّض التنوع البيولوجي ويهدده. إن ثروة البشرية من تنوع البذور تُدار وتحفظ على أفضل وجه من خلال الزراعة المستمرة والانتقاء الذي يقوم به المزارعون. لذا، ينبغي أن يكون حق المزارعين في استخدام البذور التي ينتجونها وحفظها وتبادلها وبيعها مبدأً أساسياً في تنظيم قطاع البذور، لا استثناءً منه.ولمواجهة التهديدات المتزايدة التي تستهدف حقوق المزارعين وسيادتنا الغذائية الجماعية، لا بد من إيجاد سبل لحماية أنظمة البذور التي يديرها المزارعون. وكما قال مايكل فخري، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء: ” تمكّن أنظمة البذور التي يديرها المزارعون من إنتاج الغذاء بطرق قادرة على التكيف مع التغيرات والتأقلم معها، مما يعزز قدرة المجتمعات على الصمود ويجعل النظم الغذائية أكثر مرونة واستدامة”

يتناول هذا الملف إمكانات البذور وأهميتها ودورها التأسيسي في أنظمتنا الغذائية. فإذا كنا نسعى إلى تغيير النظم الغذائية، علينا أولاً أن نغيّر نظرتنا إلى البذور وتفاعلنا معها. فالمزارعون والناشطون الذين يدافعون عن حقوق المزارعين يتعرضون لشتى أنواع التهديدات، وغالباً ما يتم تجريم عملهم. لذا، فإن هذا الملف مُهدى إليهم – وإلى كلّ من يعمل بلا كلل لحماية بذور المزارعين والدفاع عن السيادة على البذور.