المنشورات

خُرافة إدارة الحدود

مقال من قبل سفيان فيليب ناصر

توظيف دوغمائيّة التحكّم في الهجرة في إدامة الهيمنة الاستعمارية الجديدة وسلعنة حركة تنقّل البشر

لئن تسود الهجرة «النظامية» بوصفها شعار العصر الرّاهن، إلّا أن سفيان فيليب ناصر يعتبر أن مفهوم «إدارة الحدود» متجذّر في تكتيكات واستراتيجيات مكافحة التمرّد و التهدئة (Pacification)، وأنّه لا يفضي إلّا إلى دمج ممارسات التحكّم في الهجرة واستغلال اليد العاملة ضمن مفهوم جديد موحّد يُفيد النزعة الاستعماريّة الجديدة.

لا تكاد تنقطع الأصوات المنتقدة التي تواصل تذكيرنا بأن «رفاهية أوروبا وتقدمها» قد تحقّقا خلال الحقبة الاستعمارية على نفقة من أسماهم فرانز فانون في عام 1961 بـ«معذّبي الأرض»، إضافة إلى الإشارة لتواصل هذا الاستغلال المُمنهج حتّى إثر ما يُصطَلحُ عليه بـ«إنهاء الاستعمار». كما كتب نغوجي وا ثيونغو (Ngugi wa Thiong’o) في مجموعة مقالات صادرة له في العام 1987 بعنوان «تحرير العقل من الاستعمار» (Decolonizing the Mind): «تواصل أوروبا وأمريكا في تحقيقها للتنمية استغلال الموارد الطبيعية والبشرية الإفريقية، في حين تُحملُ أفريقيا على التعبير عن العرفان وإظهار امتنانها بالمساعدات الواردة من نفس الجهات التي لا تزال تستنزف موارد القارة وتستغلّها».

ولم يطرأ تغيير يُذكر من ناحية المبدأ اليوم رغم مرور ما يقرب من الـ40 عامًا على نشر تلك المقالات. بل ولم تتغيّر سوى الأدوات والسرديّات والمصطلحات المعتمدة في إدامة هذا النظام القائم على استخراج واستغلال الموارد وإعادة إنتاجه. وتُعدُّ الهجرة في هكذا سياق إحدى أبرز المجالات التي نعاين فيها اليوم تجسيدًا لمساعي إدامة هذا النظام وإعادة إنتاجه.

عادة ما تصطلح الحكومات ومجموعة واسعة من الوكالات الأممية والمنظمات غير الحكومية والمتعاقدين من القطاع الخاص ووسائل الإعلام على الإطار السياسي الرئيسي في هذا السياق بمفاهيم من قبيل «إدارة الهجرة» أو «
إدارة الحدود» أو «حوكمة الهجرة». بيد أن التذرّع بمصطلح «الإدارة» وترديد شعارات «الهجرة النظاميّة القانونية والآمنة» ليس سوى وسيلة للتضليل وقناعًا يحجب واقعًا قوامه قمع الهجرة واحتوائها وفرز المهاجري.ات وتصنيفهم.نّ على أسس عرقيّة، بما يتماشى مع احتياجات الاقتصادات الكبرى والمصالح السياسية للنخب في الشمال والجنوب العالميين.

لقد تمكّن.ت الليبراليون.ات (الجدد) في دول الشمال العالمي منذ التسعينيات من دمج السياسات الرامية إلى عسكرة الحدود وفرض الرقابة على حركة تنقّل الأفراد وإفراغ القانون الدولي من مضمونه وسدّ نقص اليد العاملة في مفهوم استعماري جديد واحد، وذلك باعتماد انطلق تدريجيا وانتهى تامًّا لمفهوم «إدارة الهجرة».

وتتراوح التدابير المتخذة في إطار هذا المفهوم بين إقامة حواجز وجدران مرئية وأخرى خفية وجمع البيانات، إضافة إلى عمليات الترحيل وبرامج انتقاء واستقدام العمالة و«المساعدات التنموية» وأدفاق لا حصر لها من مشاريع «بناء القدرات».

وقد شملت هذه التدابير على سبيل التحديد ”خطة رواندا“  (Rwanda Plan) المثيرة للجدل التي اقترحتها المملكة المتحدة و
اتفاقيات استقدام العمالة بين حكومات الشمال والجنوب العالميّين وتزويد الدول الأوروبية لما يُسمّى بـ”خفر السواحل الليبي“ بالمعدات وإجراء عمليات جمع واسعة النطاق للبيانات البيومترية في مطارات السنغال أو الولايات المتحدة. كما تشمل كذلك مراكز خدمات التأشيرات التي تديرها الشركات في بوتسوانا أو جنوب أفريقيا و”المساعدات“ في مجال تدريب الشرطة المُقدَّمة للسلطات في غانا أو لبنان أو ساحل العاج، فضلا عن دعم الاتحاد الأوروبي لاعتماد قوانين مكافحة الاتجار بالبشر أو قوانين اللجوء في مصر والترويج لـ«شراكات المواهب» (Talent Partnerships) في بنغلاديش أو المغرب. كما تتضمّن هذه التدابير مراكز احتجاز المهاجرين.ات الخارجية الممولة من قبل العاصمة الاتحادية لأستراليا “كانبيرا” في ناورو أو بابوا غينيا الجديدة ومشاريع «التنمية» التي تهدف إلى تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية ومياه الشرب في بوركينا فاسو، ناهيك عن نشر ضبّاط مكافحة الهجرة الاحتياطيين في المطارات الجزائرية أو الباكستانية وإجراء دراسات استقصائية حول أدفاق الهجرة الدوليّة في تونس.

ديمومة النزعة الاستعمارية الجديدة

يمكن تلخيص إدارة الهجرة باعتبارها مزيجًا من تكتيكات مكافحة التمرد وأساليب الحوكمة الموجّهة نحو الاستغلال، ودمجًا بين سياسات التهدئة وحفظ الاستقرار الإمبريالية والنهب شبه المُقنّنِ. وهي إلى ذلك بمثابة مجموعة أدوات عمادها ثنائية الترغيب والترهيب تُفرض على الشعوب المُصنفة عرقيًّا بهدف سلعنة حركة تنقّلها وإخضاع المستضعفين.ات و”المُعذّبين.ات”.

إلا أن العديد من هذه السياسات أو الاستراتيجيات أو الوصفات شبه المعيارية ليست بأي حال من الأحوال جديدة، بل تخضع لمنطق اشتغال استعماري. وغالبًا ما تعود جذورها المُرَوِّعة إلى الحقبة الاستعمارية، وهو ما يتضح بجلاء في بحث
يزيد بنحدّة (Yazid Benhadda) حول كيفية توجيه الإدارة الإمبراطورية الفرنسية لهجرة المغاربة من خلال «حظر أو تقنين حركة تنقّلهم.نّ» نحو فرنسا منذ عشرينيات القرن الماضي، أو في أحدث مقال لنتسيكا دابو (Ntsika Dapo) منشور في موقع أفريقيا بلد (Africa is a country) حول تطويع الإمبراطوريات الاستعمارية للهوية والعمالة في جميع أنحاء أفريقيا.

لقد أشاعت في البدء دول الشمال الناطقة بالإنجليزية هذا المفهوم باعتباره أسلوبًا للحوكمة. ثُمَّ أعاد الليبراليون.ات الأوروبيون.ات صياغته وصيّروا.ن من فرز واستقطاب العمالة أحد ركائزه الأساسية، فأطلقوا.ن عليه عندئذ اسم “إدارة الحدود والهجرة”. وتُعد أفريقيا اليوم إحدى الساحات الرئيسية لتطبيق هذا المفهوم؛ حيث تبرز دول الشمال العالمي بوصفها الجهات المانحة الكبرى، في ما تتولى التنفيذ وكالات حكومية ومنظمات إغاثة وشركات متعاقدة وهيئات دولية من قبيل المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) والمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD). ولئن تتنوّع الأدوات المُستخدَمة للترويج لهذا المفهوم ونشره في أنحاء العالم، إلا أنّ الأداتين الأكثر تأثيرًا تظلّان مشاريع التدريب على الإعلام والتواصل ومنتديات الحوار بين الحكومات.

نشرت المفوضية الأفريقية في أكتوبر 2025
دليلاً تدريبياً من 200 صفحة حول أساليب حوكمة الهجرة يستهدف العاملين.ات في مجال الإعلام والمسؤولين.ات عن التّواصل في المنظمات غير الحكومية في جميع أنحاء القارة. ويزعم هذا الدليل الذي أعدّه المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD) أنه يهدف إلى تعزيز التغطية «الدقيقة» لقضايا الهجرة «من منطلق الوقائع والحقائق، بدلاً من الاقتصار على الاعتماد على المعلومات الصادرة عن وسائل الإعلام في مناطق أخرى». وقد أصدرت منظمات من قبيل المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أو أكاديميات الإعلام في دول الشمال خلال العقد الماضي العديد من الوثائق المماثلة الموجّهة للصحفيين.ات والمنظمات والعاملين.ات بالمجتمع المدني في إطار السعي لتعميم مفاهيم إدارة الهجرة في دول الجنوب العالمي.

ومن ثمَّ يتنزّل دليل التدريب الأحدث هذا في سياق المحاولات الحثيثة التي تبذلها صناعة أنظمة الحدود لتوسّل الاتحاد الأفريقي أداة لنشر أفكارها؛ إذ من المؤكد أن نشر هذا الدليل سيتبعه موجة جديدة من ورش العمل المُموَّلة من الاتحاد الأوروبي والمخصصة للعاملين.ات في مجال الإعلام والعلاقات العامة تهدف إلى ترسيخ مفهوم للهجرة مرتكز إلى الضبط والتقنين وقائم على سلعنة حريّة التنقّل.

بينما تُستخدم منتديات الحوار الحكومية لغرض استدراج المسؤولين.ات الحكوميين.ات والجهات الفاعلة المدنية المعنية بقضايا الهجرة نحو ما وصفه مقال رأي نُشر على
منصة «Refugees4Refugees» بأنه ”تنافس رمزي على التعاون“، فيصيرون بدورهم.ن ”متواطئين.ات في مخطّطات تهدف إلى تسهيل تصدير أوروبا لحدودها“. وقد موّلت حكومات الشمال منذ التسعينيات إنشاء وتشغيل منظومة شبه مؤسسية ضخمة للمؤتمرات تُيسّر إجراء مشاورات غير رسمية ولا علنية حول آليات الهجرة وسياساتها بين دول الجنوب والشمال العالميين.

لقد مثّلت
عمليّة بودابست (The Budapest Process) التي يديرها المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD) منذ العام 1993 أول هذه المنتديات، وتضمّ العملية 52 دولة من أوروبا وآسيا. ولئن تعمل كل من عمليّة بالي (The Bali Process)ومنتدى أبو ظبي للحوار (The Abu Dhabi (Dialogue  وعمليّة براغ (The Prague Process) على قضايا الهجرة بآسيا بالأساس، فإنّه تعمل في أفريقيا تحديدًا ثلاثة منتديات هي حوار الهجرة للجنوب الإفريقي (Migration Dialogue for Southern Africa) الذي أطلقته المنظمة الدولية للهجرة (IOM) عام 2000 وتشارك فيه 16 دولة من الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي  (Southern African Development Community, (SADC)وتسعة مراقبين من بينهم كندا وأستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وتنضاف إلى ذلك عملية الرباط (The Rabat Process) التي أطلقها المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD) منذ العام 2006 وتجمع 57 حكومة من أوروبا وغرب أفريقيا، فضلا عن عملية الخرطوم (The Khartoum Process) التي يقودها نفس المركز منذ العام 2014 والتي تستهدف حكومات شمال وشرق أفريقيا.

وتُناقشُ في هذه المنتديات تعديلات القوانين ولوائح السفر والممارسات الأمنية ذات التأثير الكبير على الحياة اليومية لملايين الأشخاص دون أي شفافية أو رقابة عامة. ولا ينبغي الاستخفاف بتأثير هذه الحوارات نظراً لأن المشاورات غير الرسمية بين الحكومات غالباً ما تسبق اعتماد أو تنفيذ سياسات عملية وفقاً لما أشار إليه فابيان جورجي في
بحث سابق أجراه عن المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD).


العودة إلى [استراتيجيات] التهدئة

ويمكن تمثّل مناهج إدارة الهجرة المُروَّج لها في هذا السياق بوصفها نسخًا محسّنة من استراتيجيات مكافحة التمرد والتهدئة؛ وهي استراتيجيات سبق اختبارها في العهد الاستعماري في شكل «إدارة استعمارية لمسألة الاغتراب (Immigration)» لطالما فُرضت «خدمة للحواضر الاستعمارية» وفقًا لما أشار إليه وائل القرناوي ومنتصر ساخي في معرض تناولهم لحالة شمال إفريقيا. وقد تحولت هذه الاستراتيجيات الآن إلى ممارسات أُعيد تشكيلها لتُطبَّقَ على نطاق واسع في كل من الشمال والجنوب العالميين بهدف تبرير ممارسات الشرطة العنصرية، بالإضافة إلى التستّر على دور النهب المتواصل لثروات دول الجنوب في تعميق التفاوتات الاقتصادية وإقامة عدد مهول من من الحواجز والجدران العازلة.

تضيء أحدث تحليلات مارك نيوكليوس (Mark Neocleous) لتاريخ سلطة الشرطة أن الاستراتيجية المزدوجة القائمة على دمج استعمال القوة وتقديم الوعود بتحقيق التنمية بغية إخضاع الشعوب وسحق مقاومتها لهي سمة متأصلة في مفهومي “مكافحة التمرد” و”التهدئة”، ناهيك عن كونها من ركائز مفهوم إدارة الهجرة.

وقد اعتمد نيوكليوس في كتابه الصادر عام 2025 بعنوان
«التهدئة: الحرب الاجتماعية وسلطة الشرطة» (Pacification: Social war and the power of police) مفهوم التهدئة لتوضيح الطرق المتبعة في إرساء النظام الرأسمالي وخلق العمالة المأجورة ورعايا مطيعين وفرض الهيمنة عن طريق منح الشرطة سلطة، ممّا يصيّر الدولة الحديثة آلة تهدئة. ويعتقد نيوكليوس أن «مكافحة التمرد هي إحدى الصيغ التي تتجلى فيها استراتيجية التهدئة»، وهي استراتيجية تنظر دائمًا بعين الريبة إلى «الفقراء الرُحَّل» بوصفهم «مجموعة من الأشخاص الذين لا سلطان عليهم.نّ ولا سيّد لهم.نّ» والمرتبطين.ات دائمًا بالتمرّد، إذ يبدون غير خاضعين لسلطة القانون وأشكال الرقابة القسرية التي من شأنها ضبطهم». وليس من المستغرب أن يصبح هؤلاء «الذين لا سلطان عليهم.نّ ولا سيّد لهم.نّ» موضوعًا أساسيًا للتهدئة، وهو واقع الحال راهنًا.

ويسوق نيوكليوس أمثلة لتوضيح تحليلاته حول مكافحة التمرد والتهدئة من خلال الاستراتيجيات التي تتبعها الدولة، والتي تهدف إلى إدامة السلطة الإمبريالية عن طريق استخدام القوة وتقديم الإغراءات في آن واحد. كما يشير إلى حرب الولايات المتحدة في فيتنام أو محاولة الجيش الاستعماري الفرنسي «كسب تأييد الشعب» في الجزائر في الخمسينيات من القرن الماضي لإدامة السيطرة الاستعمارية الجديدة عبر مزاوجة وحشية القمع العسكري بتقديم تعهّدات بالتحديث.

وتتقيّد عقيدة إدارة الهجرة في يومنا هذا بمنطقٍ مماثل؛ إذ ترتكز في جوهرها إلى مقاربة مزدوجة عمادها تقييد حريّة التنقّل باستعمال القوة (ضمن تدابير التعاون الأمني والترحيل) من ناحية، واحتواء حرية تنقل الأشخاص وسلعنتها بتقديم وعود بالتنمية و”مسارات قانونية لهجرة نظاميّة” من ناحية أخرى. غير أن “كسب تأييد الشعوب” يستلزم الآن في المقام الأول توجيه وتنظيم وتوحيد معايير حرية التنقّل، في مقابل تهدئة أي حركات تنقّل غير مرغوب فيها.

ويُنفَّذ ذلك من خلال فرض أنظمة التأشيرات والترحيل أو إقامة مشاريع تنموية تهدف إلى الاحتواء أو توسّل الوعود بمسارات قانونية للهجرة النظامية سلاحًا لإجبار حكومات بلدان الجنوب العالمي إمّا على تقييد حركة تنقّل مواطنيها.اتها أو المساعدة في استقطاب العمالة المهاجرة التي قد تحتاجها الاقتصادات الكبرى أو المتوسطة.

يمكن أن نوجز بالقول بأن المساعدات التنموية هي أداة للتهدئة من جهة كونها تهدف إلى تثبيط أي حركة تنقّل محتملة، وأنّ أنظمة التأشيرات هي كذلك أداة للتهدئة باعتبارها تُلزم الأفراد بالخضوع لإجراءات مهينة من أجل الوصول إلى مجتمعات مُغلقة وحصون موصدة بوّاباتها. أما ممارسات الشرطة القائمة على الفرز العنصري فهي أداة لمكافحة التمرد باعتبار معاملة أولئك الذين يُعتبر وجودهم.نّ غير شرعي على أنهّم.ن متمردون.ات «لا سيّد لهم.نّ ولا سلطان عليهم.نّ».

إن ما تصوّره صناعة أنظمة الحدود اليوم على أنه هجرة
«نظاميّة قانونية وآمنة» لا يعدو كونه تجسيداً لإستراتيجيات التهدئة ومكافحة التمرد الضاربة بجذورها في تصوّر النظام الإمبراطوري لحركة الهجرة المستقلة باعتبارها تهديداً للنظام العالمي الحديث وفرصةً لتحقيق الأرباح في ذات الآن.

وتترافق شيطنة صورة المهاجرين.ات الذين يوصمون بغير الشرعيّين.ات وتجريمهم.ن مع توسّع برامج استقطاب العمالة؛ حيث يشكّل الجانب التنموي في هذه المقاربة الإدارية الذي عادةً ما يُقدّمُ بمسمّيات «مكافحة الدوافع العميقة للهجرة غير النظامية» والترويج لمسارات الهجرة النظامية وجهين لعملة واحدة. ولذا نشهد اليوم انتشاراً متزايداً لبرامج استقدام العمالة في مختلف أنحاء العالم.

وما انفكّت الحكومات في نيروبي أو القاهرة تُشيد بهذه المخططات المتراوحة بين حملات استقطاب
الكوادر الطبية من تونس للعمل في القطاع الصحي في ألمانيا أو فرنسا وصولاً إلى استقدام المملكة العربية السعودية للعاملين.ات بالمنازل من إثيوبيا باعتبارها مصدرًا للتحويلات المالية بالعملات الصعبة. بينما هي في الواقع تعبيرات عن نزعة استغلال استعماري جديد في عصرنا الحاضر.

ويشدّد نيوكليوس على أنّ «الجدران الحدودية ليست معنية بمسائل الاندماج أو الاستبعاد والإقصاء بقدر ما هي مصمّمة لفرض الرقابة على حرية وحركة التنقّل». وبالفعل فإن الأنظمة الحدودية في أوروبا أو أمريكا الشمالية ونظيراتها في جنوب أفريقيا أو ليبيا أو الجزائر لطالما شددت أو خففت قوانين الهجرة وقمعت حرية تنقّل المهاجرين.ات تبعاً لتغيّر الطلب على عمالة ماهرة وطيّعة للاستغلال.

ويظلّ الموروث الاستعماري الذي “صيّر الاختلاف أداة للسيطرة
والإخضاع” المحرك الرئيسي للتفاوت في تمتّع الأفراد بحريّة تنقل داخل أفريقيا. ولطالما تبنّت النخب الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار النزعة القومية وسيلة لتأبيد سلطتها ونفوذها. ولكن يشير دابو إلى تجلّي هذه القومية في أفريقيا في كثير من الأحيان في شكل “أيديولوجيا دَوْلانيّة تدخّلية هدفها إدارة القوى العاملة وحفظ النظام” إذ ترتكز إلى “فصل حاد بين العمال/العاملات المواطنين.ات والعمال/العاملات غير المواطنين.ات”.

الانتقال من مكافحة الشيوعية إلى إعلان الحرب على الهجرة

يندرج الهوس المتعاظم بإدارة الهجرة في جميع أنحاء القارة اليوم في سياق لا يُسمح فيه بتبلور أي تصوّر يتجاوز حدود الدولة القومية؛ حيث أن سلعنة حريّة التنقل والعمالة لم تخدم في نهاية المطاف تراكم رأس المال والمعرفة في الشمال وحسب، بل هيّأت أيضًا أرضية خصبة في العواصم الأفريقية. وإن الركيزة الأساسية لإدارة الحدود المتمثّلة في التعاون الأمني بين دول الشمال والجنوب العالميّين لا تقتصر على مراقبة واحتواء حركة تنقّل الأفراد، بل إن لها دورًا آخر يخدم تثبيت النخب في مواقعها.

لقد أحكم
فرانز فانون توصيف الوضع في العام 1961 وقوفا عند قوله: «الجيش والشرطة هما ركيزتا النظام، وهما جهازان يتلقّيان المشورة من خبراء أجانب». إلا أن إدارة الهجرة ليست سوى أحدث صيغة من صيغ «مكافحة التمرد بالوكالة» منذ أن أفضى انهيار الإمبراطوريات الأوروبية إلى نشأة نظام استعماري جديد. وكان من المقرر ضمن هذا النظام تأبيد السيطرة على الشعوب وحفظ النظام العام وضمان استمرارية استخراج موارد الجنوب وثرواته من خلال الدعم الأمني المُقدَّم من قبل السيّد/المُستعمر السابق، على أن يتواصل تحديث السرديات التي تبرّر وجود هذا النظام الجديد وتُسهِّل تطبيق أجنداته.

مثّل الادّعاء بمعارضة الاتحاد السوفياتي الذريعة الرئيسية التي استخدمتها حكومات الشمال لمواصلة تقديم الدعم الأمني ​​والعسكري للشاه رضا بهلوي في إيران وأوغستو بينوشيه في تشيلي وجوزيف ديزيريه موبوتو في الكونغو خلال أربعينيات القرن الماضي. وقد ظلّت تعلّات مكافحة الشيوعية ودرء خطر الاصطفاف وراء المعسكر الاشتراكي الشرقي المزعوم الذريعة الرئيسية التي برّرت بها حكومات الشمال دعم حلفائها في الدول التي نالت استقلالها حديثًا أمنيًّا ​​وعسكريًّا لتثبيت هذا النظام الجديد.

حلّت تعلّة «الحرب على المخدرات» التي شنتها الحكومة الأمريكية تدريجيًا محلّ «مكافحة الشيوعية» كذريعة لإرسال العتاد المخصص للشرطة إلى النخب الحليفة في أوائل الثمانينيات. ثمّ استُعيضَ عن خرافة الحرب على المخدرات بسردية الحرب على الإرهاب في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مما أتاح للحكومات مبرّرًا أكثر حُجّية لعسكرة عمل الشرطة القائم على الفرز العنصري في جميع أنحاء العالم. ثمّ تفجّرت “أزمة الهجرة” الأوروبية في العام 2015 لتحدث تغييرا جديداً على هذه السرديات، حيث أتاحت منذئذ تجهيز حكومات الشمال لقوات الأمن وخفر السواحل في الجنوب بشحنات ضخمة من العتاد الأمني وتكنولوجيات المراقبة رافقتها مساعي تبرير عمادها “مكافحة الهجرة غير النّظامية”.

وقد عمدت النخب والأنظمة الحاكمة في دول الجنوب في المقابل إلى اتباع استراتيجية أكثر فعالية في معرض سعيها لتجهيز قواتها الأمنية بالمعدات الحديثة والتدريبات العصرية في سعي لتأبيد سيطرتها التامة على السلطة؛ حيث تقوم  هذه الاستراتيجية على الاستفادة مما تقدّمه دول الشمال أو المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD) أو وكالات الأمم المتحدة من تمويلات مطّردة لسياسات وبرامج إدارة الحدود.

وقد زوّدت الدول الأوروبية بفضل هذه التمويلات خفر السواحل في
مصر وتونس والمغرب والسنغال بسفن دورية أو معدات مراقبة. كما وفّرت المعدات الأمنية اللازمة لعمل الشرطة لأجهزة أمن الحدود في غانا وساحل العاج والنيجر والجزائر، وزوّدت سلطات الجمارك بالمطارات في جميع أنحاء العالم بأنظمة جمع البيانات البيومترية وغيرها من المعدّات التقنية. بل إن ميليشيا «الجنجويد» المعروفة باسم قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم فظيعة والتي ترتكب حالياً إبادة جماعية في دارفور قد تم تزويدها بالعتاد العسكري عبر مشاريع الاتحاد الأوروبي الخاصة بسياسات إدارة الحدود.

ونخلص في الختام إلى أن سياسات إدارة الهجرة لا تجعل من الهجرة آمنة، بل إنها تسهم في استفحال نهب الموارد الطبيعية والبشرية وتفشي الانقسامات العرقية وظهور الحصون والمناطق المحظورة. ومع هذا لا ينبغي لمسألة إدارة الحدود والأفراد الذين يعبرونها أن تتصدر جدول الأعمال إذا ما اعتبرنا دعوات
مبايي باشير لو (Mbaye Bashir Lo) لتحقيق السيادة والتحرر والعدالة بما يتجاوز مجرد الاستقلال السياسي. بل قد تمثّل العودة إلى الروح الثورية للموقف الأفريقي الموحّد بشأن الهجرة والتنمية لعام 2006 (The African Union’s 2006 Position on Migration and Development) الذي صوّر استغلال العمالة أو أمننة (Securitization) الهجرة على أنهما تهديد الخطوة الأولى نحو استعادة نفوذ القارة في مجال الهجرة وإعادة التفكير في مفهوم الحدود.


نُشر هذا المقال للمرة الأولى في مجلة Review of African Political Economy.