المنشورات

العقد الاجتماعي لـ«جمهورية السيسي»: قراءة في كتاب حسام الحملاوي «الثورة المضادة في مصر»

مقال من قبل تميم هيكل

Counterrevolution in Egypt: Sisi’s New Republic

Hossam el-Hamalawy. Verso, 285 pp. 2026.

قاد حسام الحملاوي سيارته في ليلة الثامن من أكتوبر عام 2000، ذاهبا للقاء الشاعر أحمد فؤاد نجم، إلا أن سيارتين مجهولتين اعترضتا طريقه، خرج منهما مسلحون بملابس مدنية، منقضين عليه، ليسحبوه من سيارته، ويلقوه في إحدى السيارتين، معصوب العينين بكوفيته الفلسطينية، ليجد حسام، البالغ حين ذاك 23 عاما، نفسه في مقر أمن الدولة بلاظوغلي، ليقضي هناك أربعة أيام، تحت التحقيق الذي تخلله مناوبات من الضرب، والتجريد من الملابس، والتهديد بالاغتصاب، ومتشاركا زنزانة ضيقة، مع مجموعة من المعتقلين المنتمين للتيار “الجهادي”، ظن حابسوه انهم الرفاق الأمثل لمثير متاعب شيوعي، إلا أن الأمور داخل الزنزانة، لم تجري كما تشتهي نفوس رجال مباحث أمن الدولة، فقد تبين لاحقا، أن أيا من هؤلاء المعتقلين ينتمي لأي تنظيم مسلح، وقد تقاسموا طعامهم اليسير مع رفيقهم الماركسي، مفسحين له مكانا على أرضية الزنزانة المكتظة.

 قدم الحملاوي بعد ربع قرن من هذه الحادثة، وباللغة الانجليزية، أكثر السرديات المنشورة تفصيلا عن ذلك الجهاز الأمني الذي اعتقله في تلك الليلة، تاريخه واقتصاده وتداخلاته السياسية وحصيلة ضحاياه، في كتابه الصادر حديثا “الثورة المضادة في مصر، جمهورية السيسي الجديدة”. وفي الأصل، فإن الكتاب هو أطروحة دكتوراة، تحت إشراف الباحثة سيليا هاردرز والمؤرخ خالد فهمي، في الجامعة الحرة ببرلين. إلا أن الكتاب يعتبر رغم أكاديمية الطرح، قصة شخصية، يمكن تعميمها بأريحية على قصص الكثيرين من الشعب المصري.

يتوقع القارئ ظاهريا، أن يختل التوازن بين هذين النمطين، وأن تتغير سردية الكتاب في موضع ما في بنائه المنطقي، بين كونه بحثا أكاديميا معمقا لتوثيق حالة النظام المصري، وشهادة شاهد كدس روايته بالهوامش بأكثر مما تنوء به. إلا أنني أظن، أن هذا الكتاب يعد من أكثر ما نشر تفسيرا لسؤال حاول الباحثون في الشأن المصري إجابته خلال العقد الماضي؛ لماذا أصبح النظام المصري أكثر عنفا وشراسة وشمولية بعد انقلاب 2013، لدرجة لم يشهدها تاريخ مصر الحديث منذ 1952 وربما قبلها؟

 جادل حازم قنديل من قبل في كتابه “جنود وجواسيس ورجال دولة” (2012) المرجعي -وهو ما يمكننا القياس عليه هنا- بأن الجيش قد أظهر فتورا ثم مناوئة ضد مبارك في فبراير 2011، لأن المؤسسة العسكرية تقلص نفوذها أمام الجهاز الأمني وجهاز المخابرات، تحت وطأة سياسة عزز بها مبارك من التنافس بين تلك المؤسسات لتقاسم النفوذ، وهو ما خفض من النفوذ المطلق للقادة العسكريين في دوائر اتخاذ القرار، كما ذهب قنديل في أن الجنرالات شعروا بظلم مؤسسي داخل النظام، وتضييق للنشاط الاقتصادي والمكانة الاجتماعية، إضافة للكبت المكتوم من اتفاق السلام لمواجهة إسرائيل.

 يعارض الحملاوي في كتابه ما طرحه قنديل في معظمه، ويخصص فصلا طويلا لإثبات معارضته تلك، مستعينا في ذلك ببرقيات دبلوماسية أمريكية مسربة، ومذكرات قادة عسكريين متقاعدين، وعدد من الوثائق الثانوية التي ندر الاطلاع عليها بالعناية والتمحيص الكافيين، ليستخلص من ذلك، أن قيادات الجيش المصري، لم تتعرض يوما للتهميش، وقد عاشوا رغدا من العيش، ولم تكن معاهدة السلام مع اسرائيل لعام 1979 سببا في إحباط أي منهم. على عكس ذلك، يرى الحملاوي أن المؤسسة العسكرية بعد 2013، قد تنازلت عن جزيرتي تيران وصنافير طواعية للسعودية، وسمحت لجيش الدفاع الاسرائيلي بالقيام بغارات جوية داخل سيناء، ووقفت عاجزة أمام إدخال شحنات المساعدات الى قطاع غزة أثناء حرب الإبادة الأخيرة، وهو ما يجعل سردية حازم قنديل مشوشة بدرجة ما.

يقيم الحملاوي حجة مركزية، في أن الضباط الأحرار أسسوا، بعد استيلائهم على حكم مصر عام 1952، نظاما قسريا مقاوما للانقلابات، قد ورثوه عن النظام البريطاني المحتل، مع إجراء بعض التحسينات عليه، انتقل فيه ولاء القوة الامنية بسلاسة من المحتل الى الحكام الوطنيين الجدد، ودون تغير جوهري في عقيدتها الامنية، بجانب جهاز استخبارات عامة متصل مباشرة بالرئيس، بالإضافة الى مؤسسة عسكرية تتضمن جهاز استخباراتها العسكرية. أنيط الى تلك الهيئات الأمنية الثلاث صلاحيات متقاطعة عن قصد، فلا ينفرد أحدهما بالهيمنة الامنية مشكلا تهديدا لسلطة الرئاسة دون أن يرصده الجهاز الآخر. ينسب إلى زكريا محي الدين، رئيس مخابرات عبد الناصر، الفضل في تصميم هذا التشابك المعقد للنظام الأمني، الذي نجح عمليا في منع أي انقلاب عسكري في الوصول إلى السلطة في تاريخ الجمهورية، لكنه نجح أيضا في إبقاء الأجهزة الأمنية المختلفة في حالة توجس دائم ومتبادل وهادئ، فلم يكن أي منها على نفس الدرجة من العنف في الوقت نفسه.

ضاعف السادات بعد عام 1973 من قوة الشرطة عددا وعدة، مدفوعا بريبة مستحقة من قادة الجيش المنتصر، تلك السياسة التي استمر عليها مبارك من بعده وطورها على نطاق أوسع، فزادت أعداد تشكيلات الأمن المركزي في عهده، والتي وصفها عميد متقاعد في مقابلة مع الحملاوي بـ “عبيد وزارة الداخلية”، على حد تعبيره، فقد اعتمدت تشكيلاتهم شبه العسكرية على انفار من الشباب البسطاء الأميين، المنتقين عمدا لشدة سذاجتهم وجهلهم. وهؤلاء من تمردوا في فبراير 1986، حين تفشت شائعة في معسكراتهم، بمد فترة تجنيدهم، فهاجموا المنشآت السياحية والمباني العامة في الجيزة، قبل أن يتدخل الجيش لقمع التمرد.  يسرد الحملاوي شهادة ضابط شرطة سابق في مقابلة معه، يقول إن الجيش قد وجدها فرصة لتصفية حسابات متراكمة ضد وزارة الداخلية، فأطلق النار على رجال الشرطة الذين جاء لينقذهم ظاهريا من الجنود المتمردين.

يصف الحملاوي بعد ذلك الفترة في عهد مبارك، التي تولى فيها زكي بدر وزارة الداخلية، حقبة التسعينات تلك التي اتسمت بالوحشية الامنية في مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة، وقد عاشها الحملاوي يافعا، فيقول انه شعر ان البلد تحت الاحتلال. برغم ذلك، فإنه يرى أن يوم 14 أغسطس 2013، الذي قتلت فيه قوات الأمن ما لا يقل عن 817 شخصا في ميدان رابعة العدوية، 87 آخرين في ميدان النهضة، هو حجر الأساس للنظام الجديد، فقد وضعت كافة الهيئات الامنية لأول مرة منذ عام 1952، تحت قيادة موحدة، تقوم بتنسيق العمليات الميدانية والمراقبة وأماكن الاحتجاز، على نحو لم يكن من الممكن تطبيقه هيكليا من قبل، ويعتبر الحملاوي تلك اللحظة “عقدا اجتماعيا في تأسيس الجمهورية الثانية” على حد وصفه. وهو يرى بذلك، أن النظام الجديد لا يستند في شرعية حكمه على أي ادعاء بتحقيق ازدهار أو استقرار بالنمط القديم الذي أسسه عهد مبارك، بل يستند على إظهار قدرة فجة للقتل والقمع على نطاق واسع، دون مسائلة او عقاب، وبشكل لم يسبق أن عاشته مصر طوال تاريخها الحديث.

يناقش الحملاوي، مستشهدا بخالد فهمي، بأننا لسنا أمام “دولة داخل دولة”، في إشارة للوصف الشائع بين مراقبي الشأن العام المصري من الجيل السابق، في وصفهم للإقطاعية العسكرية منذ زمن عبد الحكيم عامر، ولا حتى “دولة فوق دولة”، كما يراها بعض المعاصرين، بل هي سيادة موازية، مكتفية ذاتيا، بهيئاتها الاقتصادية والقانونية والإعلامية، تحكم البلاد بنمط أقرب إلى نمط المحتل، ما اعتبره أنا طرحا مثيرا وخطيرا.

تكمن أهمية الكتاب الكبرى في حجم موارده المصدرية، التي يستند إليها الحملاوي، فقد استطاع الوصول إلى مذكرات وشهادات للعديد من القيادات والضباط المنسيين من الشرطة والمخابرات، وهي التي لم يطلع عليها إلا  القلة القليلة من مجتمع الباحثين في الاجتماع العسكري المصري، كما أنه عقد مقارنات ومماثلات بين تلك المصادر الحية، وبين برقيات ووثائق ويكيليكس المسربة، واطلع على تقارير العديد من المنظمات الدولية المستقلة، والمنصات الصحفية الاستقصائية، وقام بمجهود كبير لعقد مقابلات شخصية، أجراها على مدى سنوات، مع ضباط متقاعدين، ونشطاء سياسيين وحقوقيين في المنفى، وقيادات هاربة من جماعة الاخوان المسلمين، اضافة لرفاقه من الاشتراكيين الثوريين، وهي المجموعة السياسية التي ينتمي إليها منذ عام 1998.

يقوم الحملاوي في أحد فصول الكتاب، بإعادة بناء السيرة الذاتية للقيادات العسكرية العليا، بتتبع مسار كل قيادة منذ دفعة التخرج من الكلية العسكرية التي انتمى إليها، ثم توزيعه في التشكيلات المسلحة المختلفة، أو ميادين القتال في حرب اليمن والاستنزاف وحرب 1973، ومن عمل تحت قيادته من الضباط، ثم تتبع التحاق تلك القيادات بالعمل كملحقين عسكريين في السفارات المصرية بالخارج، ومن منهم قد تقاعد أو انضم الى مجالس إدارات الشركات العامة بعد إعفائه من الخدمة. وهذا الفصل يعتبر دراسة للشخصيات البارزة في المؤسسة العسكرية المصرية، وعلاقاتها المتشابكة، كما وضعها المؤرخ لويس نامير، حين عرف السياسة من خلال بناء شبكات العلاقات الشخصية، بدلا من التعريف المؤسسي. وهذا لا يمكن اعتباره إضافي شكلية، فدوافع الشخصيات الفاعلة المعلنة هي قيمة حقيقية، ومن خلالها استطاع الحملاوي إثبات مفهوم “الانقسامات الرأسية”، الذي استعاره من عالم السياسة هشام بو ناصيف، مفسرا به سلوك المؤسسة العسكرية بين عامي 2011 و2013، بطريقة أكثر وضوحا من مفهوم “المظالم المؤسسية الموحدة” ضد مبارك.

يظهر جليا استخدام الحملاوي للبيانات الإحصائية، التي يتخذها كأحد الأدوات الرئيسية في تثبيت سرديته. فمقارنة الأرقام الموثقة حجة في حد ذاتها أمام النظام المصري، الذي حجب بيانات الفقر منذ عام 2020. فمنذ أن تولى السيسي السلطة عام 2014، ارتفع الدين الخارجي طويل الأجل من 41,7 مليار دولار الى 152,9 مليار دولار عام 2024. وفقد الجنيه المصري من قيمته نحو 462% بعد عمليات خفض متتالية منذ عام 2016، وبلغ التضخم على السلع الغذائية 72% حتى عام 2024. وغيرها من الارقام الاقتصادية الملفتة لحجم التدهور في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. لكن الحملاوي يشير إلى رقم مثير آخر، وهو بيان أعداد المصريين المسجلين كمقيمين في خارج البلاد، الذي ارتفع من ستة ملايين مصري عام 2013، الى اربعة عشر مليونا عام 2024، اي ارتفاعا يقارب الاضعاف الثلاثة، وهو ما يعتبره الكاتب، وما أظنه أيضا، شكلا من الاستفتاء الصامت، لم يكلف أحدا في القاهرة عناء إحصاء عدد أصواته.

يضيف الحملاوي الى ذلك أرقاما من دوائر المحاكم المصرية، فقد بلغ عدد أحكام الإعدام الصادرة بين عامي 2013 و2018 ما ناهز 2443 حكما، مقارنة 152 حكما بين عامي 2011 و2013، وفقا لبيانات منظمة “ريبريف” القانونية التي تتخذ من لندن مقرا لها.  وبرغم أن كل تلك الأرقام والإحصاءات ليست بجديدة على كثير من القراء المهتمين بالشأن المصري، فقد نشرت أرقام مماثلة وبشكل متفرق على مواقع مدى مصر ومعهد التحرير، إلا أن مجهود جمعها وتوثيقها والمقارنة بينها على صفحات كتاب واحد، يحدث فرقا وأثرا بالغا.

يرسم الفصل الخامس من الكتاب، “معسكر عسكري مثالي”، صورة منطقية لهيمنة الدولة، ذلك المفهوم الفوكوي، وواحد من المواضع النادرة في الكتاب التي يلجأ فيها مؤلفه إلى التنظير بدلا عن التوثيق، مرصعا الفصل بتفاصيل مثيرة. منها أنه بات على المعينين الجدد في الوظائف الحكومية المدنية، اجتياز دورة تدريبية لستة أشهر في الأكاديمية العسكرية المصرية، وبالزي العسكري، لتلقينهم المبادئ الوطنية لمواجهة الأفكار المعادية للدولة، مع بعض التفاصيل الصغيرة المعبرة عن بيروقراطية قاسية مبتذلة، فقد يستبعد من المتقدمين لتلك الوظائف من يعانون من زيادة الوزن والنساء الحوامل.

كما اعيد تفعيل هيئة الرقابة الادارية عام 2013، بشكل أكثر حزما، بعد أن كانت هيئة هامشية لمكافحة الفساد منذ العهد الناصري، فأصبحت جهة رقابية تمتلك مراكز احتجاز خاصة بها في محافظات مصر السبع والعشرين، وادارها أحد أنجال السيسي نفسه. يشير الحملاوي، مستشهدا الى احصاءات أحد مراكز الأبحاث المستقلة في القاهرة، الى أن الضباط المتقاعدين قد شغروا ما لا يقل عن ربع المناصب الوزارية العليا ومناصب المحافظين ونوابهم بين عامي 2013 و2020، ولم تشمل تلك البيانات عدد الضباط الشاغرين لمقاعد في مجالس إدارة شركات القطاع العام وقطاع الأعمال. وكما قلت قبلا، فلن يكون أي من هذه الأرقام مفاجئا بشكل منفرد لأي متابع للحالة السياسية المصرية خلال العقد الماضي، لكن جمعها وتنسيقها وتمثيلها في مكان واحد، يعطي صورة قريبة ومركزة عما أراد الحملاوي عرضه في سرديته، عن نظام لم يستحوذ على مؤسسات الدولة المدنية فحسب، بل قام بإفراغ هذه المؤسسات من مضمونها، محاولا ارتدائها كجلباب فضفاض على هيكل عظمي هش.

يظهر لأي ناقد موضوعي، في مواضع عدة في الكتاب، الذي بذل فيه مجهود ملحوظ، ذلك الأسلوب الجدلي، الذي يسوق حججا لا تبررها الادلة وحدها، رغم انضباط تلك الحجج المحكم في العادة، وقد اعتبرت ذلك غير مرضيا بدرجة ما. يكشف الحملاوي عن هويته السياسية، فهو الثوري الاشتراكي منذ أيام الدراسة الجامعية، ثم واحدا من معتصمي ميدان التحرير عام 2011، والناشط السياسي في الأعوام التالية، والصحفي الحائز على جائزة “أنابوليتيكوفسكايا” للصحافة، وقد صب اهتمامه البحثي على الاجهزة الامنية بدافع “دراسة العدو”، ليخرج لنا في النهاية بهذا الكتاب، الذي يتسم اجمالا بحدود واضحة للفاعلين السياسيين من الليبراليين والاسلاميين، فهو لا يبدي تعاطفا مع كليهما، بل يظهر حيادا صلبا في شرح اشكالية جماعة الإخوان المسلمين، أثناء رئاسة محمد مرسي، وترددها المعلق بين طبقات قواعدها، وهرولة قياداتها نحو المكاسب السياسية استحقاقا لعقود الاضطهاد، وهو ما يندر رؤيته مع أكبر محبي الجماعة هياما أو أشد معارضيها تشنجا.

إلا أن الكاتب يظهر أولئك المؤيدين للنظام خلال صفحات الكتاب غالبا، على أنهم ضحايا للقمع المجتمعي أو كمستفيدين انتهازيين من محسوبية النظام، وهم تلك الشريحة الكبيرة من الشعب المصري، التي تفضل استقرار النظام بديلا عن فوضى سنوات الثورة وحكم الجماعة. يحكم عليهم الحملاوي بكونهم ضحايا أو انتهازيون، بدلا من إعادة تقييم ودراسة نظرتهم بلك، بالجدية نفسها التي يتحلى بها في دراسة مسار لواء متقاعد.

وفي الوقت الذي يعنى فيه الحملاوي أشد العناية بتفسير ما اسماه “اساطير” التهميش الاقتصادي والسياسي للجيش في عهد مبارك، فإنه لم يمعن النظر بالقدر ذاته في تدعيم فرضيته المحورية، في أن وحدة جهاز القمع في عهد السيسي غير مسبوقة في درجتها، بدلا من وضعها كنسخة مطورة لما قبلها، لتكون أكثر نجاعة وقدرة على القمع. وبمنطق تطور النظام الأمني منذ عام 1952، فيمكن اعتبار الوضع الراهن امتدادا طبيعيا للدولة الامنية في نموها، وليس قطيعة جذرية عنها، أو عهدا جمهوريا ثانيا.

ربما يسوق الحملاوي الحجة تلو الاخرى لصالح فرضيته، ولكن القارئ المتشكك يمكنه التساؤل، إذا ما كان التغير الحقيقي في أدوات ووسائل التنفيذ وليس في طبيعة النظام نفسه، فالنظام يراكم خبراته المتعاقبة في سبعين عاما، ليحسن من أدوات قمعه وتكتيكات هيمنته الأمنية.

يجادل المؤلف، كغيره من باحثي الدراسات الجادة في الاستبداد المعاصر، وفي الجزء الأخير من كتابه، بأن النظام الذي يقوم بتحليله طوال عشرات الصفحات من كتابه، لم يسبق له مثيل تاريخيا في هيمنته وقدرته على القمع، رغم هشاشته وقابليته للانهيار المفاجئ. وهي مشكلة هيكلية في هذا النوع من المؤلفات، رغم أن خاتمة الحملاوي تتعامل بأمانة أكبر مما تطرحه الدراسات المماثلة، فهو لا يتنبأ بثورة قادمة، ويقر بأن نشطاء العمل الثوري بين عامي 2006 و2014، قد تراجعوا الى الظل، اما متقاعدين أو ضحايا لحملات القمع المتتالية، ولم يعد هناك أي قاعدة تنظيمية تستند إليها التعبئة الشعبية، ومدللا بموجتي الاحتجاج القصيرتين ضد النظام في سبتمبر 2019 و2020، والتي تم تشتيتهما بسهولة لغياب أي قيادة تنظيمية.

يختم الحملاوي كتابه بعرض للانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 2025، والتي اضطر فيها السيسي الى إلغاء النتائج الانتخابية لتسعة عشر دائرة انتخابية، بعد أن تعالت اصوات داخل المؤسسة الامنية نفسها، اعتراضا على الهندسة القمعية للعملية الانتخابية، التي ادارها جهاز الأمن الوطني. يوضح الكاتب من خلال هذا الجزء الأخير من الكتاب، كيف تبادلت الأحزاب الموالية لجهاز المخابرات الاتهامات مع الأحزاب الموالية للأجهزة الاخرى. ويمكن اعتبار ذلك أول دليل يناقض تلك الوحدة الامنية التي كرس لها الكاتب صفحات الكتاب بأكمله ليقول هنا انها لم تعد “مجانية”، وهذا طرح مدقق ومتحفظ، يستند الى تحوطات، لكنه يظل قابلا للنقاش والتفنيد، بدلا من كونه أمنية مرتجاه.

سيعرف القراء من الجيل الأقدم، أن هذا المنحى في الطرح، يماثل إلى حد ما، في الاستدلال بتتبع الشروخ والتناقضات داخل أجهزة نظام متجانس ظاهريا، للتنبؤ بانهياره في نهاية المطاف –وهو الطرح الذي ساقه جيل سابق من الباحثين والكتاب في الشأن المصري في عهد مبارك قبل 2011–، رغم عدم القدرة على تحديد أسباب لحظة الانهيار أو توقيتها. ويعترف الحملاوي نفسه، بأن أحدا لم يتوقع أحداث عام 2011، بما في ذلك مجموعته السياسية من الاشتراكيين الثوريين، ورغم ذلك، فهو لم يعط جهدا كافيا لتمحيص وتحليل هذا الاعتراف، بل اكتفى بعبارة مريحة وأكثر تفاؤلا تقول “إن التصدعات في التحالفات الامنية الاستبدادية نادرا ما تظل صغيرة”.

يجب أن أشير هنا، أن الكاتب يعلن في بداية الكتاب، أنه لا يسعى لطرح “تشريح كامل” للجمهورية الثانية، ولكنه يطرح سردا لتاريخ القمع الذي تمارسه تلك الجمهورية. وبذلك يضع الحملاوي حدودا واضحة لكتابه وطموحه منه، فهو لا يشتبك مع هيئات الجيش الاقتصادية الا بقدر محدود، فيرى ان شركات مثل “صافي” للمياه المعبأة، أو محطات وقود وطنية، تمثل ورطة أمام السيسي لتنفيذ خطة الخصخصة التي فرضها صندوق النقد الدولي، ولم يتطرق الى تحليل شبكات المؤسسة العسكرية الاقتصادية، بوصفها نظاما اقتصاديا مستقلا، ينافس المؤسسات الاقتصادية المدنية العامة والخاصة، منافسة احتكارية غير عادلة. كما أنه يزعزع أسواق البناء والعقارات والانتاج الزراعي والخدمات اللوجستية، مهددا للطبقات الوسطى.

كما يغيب في الكتاب أي إشارة للنوع الاجتماعي، بوصفه عنصرا تحليليا، رغم التجربة المريرة للنساء داخل المعتقلات أو من أقرباء المعتقلين والمختفين قسريا، وغيرهن من ضحايا حملات “قيم الأسرة المصرية” من فتيات شبكات التواصل الاجتماعي. وبالنظر الى تكوين الحملاوي السياسي، فيمكن تفهم عدم اهتمامه النسبي، بتفسير أسباب استمرار الكثير من المصريين العاديين، من غير المستفيدين من النظام، في تبني سردية النظام للخلاص الوطني من الاستقطاب الإسلامي، فهو يفسر بشكل بارع، كيف لم يعد الرضا عن النظام مطلوبا، لكنه أقل إقناعا في تفسير موافقة قطاع كبير من الشعب المصري عليه، طوال فترة ممتدة تلت الانقلاب. دعنا نقول إنه من غير المتوقع أو المعقول، أن يغطي كتاب واحد كل شيء نرجوه، وبذلك تبدو كل تلك الانتفاضات السابقة غير جوهرية.

وفي واقع الأمر، فإن كتاب حسام الحملاوي، هو سردية تحليلية محكمة ومفيدة بشكل خاص، فهو تأريخ لمؤسسة القمع المصري، يسرد فيه عبر المسارات المهنية لمن قاموا عليه، ويؤكد من خلال حجج قوية وموثقة زمنيا، أن عام 2013 –وليس عام 2011– هو الفاصل القاطع في تاريخ بناء الدولة المصرية الحديثة، وأنه لم يكن مجرد تبديل في القيادة، بل تغيرا في هيكلية البناء، من مؤسسات أمنية قصد فصلها وتجزيئها، وإضفاء مناخ من الريبة في أوساطها، إلى مؤسسة أمنية موحدة، تحت قيادة منفردة ومتعاونة في تسلسل هرمي متناسق.

وبغض النظر عن قبول عناصر الكتاب أو رفضها، فإن الكتاب نجح في طرح اسئلة صحيحة وواضحة، في وقت لم تطرح فيه كثير من الدراسات والكتابات الا الغموض والمفردات الفضفاضة، من قبيل “مرونة الاستبداد” و “الدولة العميقة”، بلا تحديد لتحليل متماسك واضح الأدوات.

أخيرا، فإني أضيف هنا، للقراء من خارج مصر، أن ثمة مسار يبدو مزعجا عبر الكتاب، وهو الحضور السائد للتواطؤ الغربي والإسرائيلي، الذي يضعه الحملاوي كركن أساسي في بنية النظام الأمني منذ تأسيسه عام 1952، بمساعدة وكالة المخابرات المركزية الامريكية أولا، ثم ضباط الشتازي والكي جي بي لاحقا، ثم المساعدات التقنية والعسكرية في الثمانينات، وعسكرة قوات الأمن في نموذج زكي بدر  أثناء مكافحة الإرهاب، الذي فضل القتل على الاحتجاز والمحاكمة، وحتى الآن مازالت وزارة الداخلية المصرية ترسل ضباطها للتدريب في أكاديميات مكتب التحقيقات الفدرالي الامريكي في كوانتيكو. كما لم تكتف اسرائيل بغض النظر عن الصفقات العسكرية المصرية مع الغرب، بل انها مارست ضغوطا فعلية على واشنطن لإبقاء تدفق المساعدات العسكرية على شريك السلام، الذي أدخل معداته العسكرية إلى قطاعات من سيناء، رغم مخالفة ذلك لاتفاقية السلام، والتي اعتبرها حازم قنديل، مصدر استهجان في الجيش، في الوقت الذي تم التنسيق فيه مع القوات الجوية الإسرائيلية، للقيام بغارات داخل الأراضي المصرية ذات السيادة للمرة الاولى منذ معاهدة فض الاشتباك.

يراكم الحملاوي في سرد تلك الحقائق بلا إسهاب مطول، لكنه تراكم يكفي لإظهار الصورة الحقيقية لنظام قمعي، دعم اقتصاديا وعسكريا ودبلوماسيا على نحو مؤثر من الحكومات الغربية منذ عام 2013، وهي نفس الحكومات التي تعرب عن قلقها من انتهاكات حقوق الانسان التي يمارسها النظام المصري يوميا. وعلى غير المتوقع، فإن الحملاوي يضع أركان هذه القضية للقارئ، مبنية على أدلة موثقة، لا على ادعاءات مبالغ فيها، توحي للقارئ المتشكك أصلا، بانحياز لنظرية المؤامرة التي يميل إليها النشطاء في العادة.

ختاما، فإن الحضور الحي الذي أضفاه الحملاوي في صفحات الكتاب من خلال وصفه للهتافات الشعبية أثناء الوقفات الاحتجاجية في التسعينات، وتفاصيل معاناة مجندي الأمن المركزي الذين تعرضوا للضرب والتجويع والإذلال على أيدي ضباطهم، وكيف باحوا بذلك للمتظاهرين الذين أرسلوا لقمعهم، وتلك اللحظات السحرية للعلاقة بين المعتقلين الإسلاميين واليساريين داخل زنازين المعتقلات، وتفاصيل انسانية اخرى، تظهر بين السطور هنا وهناك، تبقي أثرا عالقا في الذهن، أكثر من التفاصيل الاكاديمية الاخرى، وتمنح الكتاب صدقية انسانية توازي حججه الاكاديمية ولا تحل محلها.

نُشر هذا العمل لأول مرّة على موقع دفتر