من الاحتكار الحكومي إلى الملكية المشتركة: السيادة على البذور في العراق وسوريا
تكشف هذه الدراسة كيفية استجابة المزارعين والمزارعات، والناشطين والناشطات في العراق وسوريا لانهيار المؤسسات الرسمية للبذور. وفي هذا السياق، تبرز البذور كبُنى تحتية للبقاء والمقاومة، ولتخيّلات سياسية بديلة.
الطبيعة السياسية لنظم البذور
غالبًا ما يُقدَّم العراق وسوريا على أنهما المهد الأسطوري للزراعة، في سردياتٍ تُزيِّن الماضي وتُحوِّله إلى أسطورة مثالية، بينما تُخفي واقع النضال المادي والسياسي الذي يعيشه المزارعون والمزارعات اليوم. فالخصوبة لم تكن يومًا معطًى طبيعيًا جاهزًا، بل هي ثمرة رعاية وعمل ومعرفة بيئية متراكمة. أمّا البذور، فهي ليست مجرد إرث زراعي؛ إنها أيضًا نتاج سياسي، صاغته الحروب والانهيارات والصراعات الاجتماعية المتعاقبة.
وفي الواقع، لم تكن أنظمة البذور محايدة يومًا، بل تجلّت طبيعتها السياسية بوضوح أشد في أزمنة الحرب. ففي العراق وسوريا، تحولت البذور إلى أدوات للحوكمة، سواء بأيدي الأنظمة الاستبدادية أو عبر وكالات الإغاثة أو الفاعلين والفاعلات في السوق. جرى تسليعها أو الاستيلاء عليها أو تقييد الوصول إليها تحت وطأة السيطرة السياسية. غير أنّ انهيار هذه المنظومات لم يُفضِ إلى فراغ، بل أفسح المجال أمام عودة شبكات حفظ البذور والتبادلات غير الرسمية والممارسات الزراعية المستقلة. ومع ذلك، فإن هذه الديناميات الحيّة كثيرًا ما طُمست خلف الصور النمطية الحنينية التي تتغنّى بـ”كنوز” البذور المفقودة، وكأنها آثار جامدة من الماضي، لا موردًا للصمود والمقاومة في الحاضر.
الثورة الخضراء والسيطرة الحكومية
مع استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق عام 1968، تحوّلت الإصلاحات الزراعية إلى أداة للهيمنة السياسية أكثر من كونها مشروعًا للتنمية. فقد وُضعت التعاونيات والمزارع الحكومية والجماعية تحت سلطة “المجلس الزراعي الأعلى” المرتبط مباشرةً بمجلس قيادة الثورة، بينما أوكلت مراقبة المزارعين والمزارعات سياسيًا إلى الخلايا البعثية في القرى، التي كانت ترفع تقاريرها إلى المكتب السياسي عن مواقفهم وسلوكهم. ومع الطفرة النفطية في السبعينيات، تراجعت الزراعة تدريجيًا لتصبح قطاعًا ثانويًا، بعدما شكّل النفط 73% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الثمانينيات، بدأت الموجة الأولى من خصخصة المزارع الحكومية والجماعية، حتى بات 88% من الأراضي الزراعية بحلول 1989 مملوكًا للقطاع الخاص، في حين لم يبقَ تحت إدارة الدولة سوى 1% فقط. ومع تفكك البنية المؤسسية للسيطرة البعثية، تُرك صغار المزارعين والمزارعات في مواجهة السوق وحدهم، بعد أن حُرموا من أنظمة الدولة التي كانت قسرية وداعمة في الوقت ذاته، ليقعوا تدريجيًا تحت هيمنة الرأسماليين الزراعيين وموردي البذور التجاريين.
أما في سوريا، فقد دخلت الزراعة طورًا جديدًا مع “الثورة الخضراء”، حين دعا حافظ الأسد عام 1977 “المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA)” ليكون مقرًا إقليميًا لمجموعة CGIAR المدعومة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ومؤسسة فورد. جلب المركز أصنافًا عالية الإنتاجية وبنية تحتية بحثية متقدمة، لكن تحت رقابة مشددة من الدولة. ورغم تقديمها كبرامج للتنمية، فإن هذه التدخلات عمّقت مركزية البيروقراطيات الزراعية، وقلّصت من دور المزارعين والمزارعات الصغار ومعارفهم البيئية المتوارثة.
أعطى النظام السوري الأولوية للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن، ووزّع الامتيازات على المزارعين والمزارعات الموالين والمواليات أو ذوي الروابط السياسية، فيما حُرم آخرون، خصوصًا الأكراد والكرديات والفلاحين والفلاحات المعدمين والمعدمات. وهكذا، لم تُقوَّض سيادة البذور والمعرفة المحلية بفعل إصلاحات السوق فحسب، بل أيضًا عبر سياسات استبدادية صُمّمت لتكريس مركزية السلطة، وإضفاء الشرعية على النظام، وضمان ولاء الريف ككتلة انتخابية.
اللوائح القانونية المتعلقة بالبذور
في الدول الاستبدادية مثل العراق وسوريا، لا يمكن النظر إلى قوانين البذور باعتبارها مجرد أطر تنظيمية تقنية، بل يجب فهمها كجزء من اقتصاد سياسي استبدادي أشمل. هذا الاقتصاد ينظم الوصول إلى البذور والسيطرة عليها والاعتماد عليها، ليس عبر التشريعات الرسمية فحسب، بل كذلك من خلال الإكراه، والمحسوبية السياسية، والانحياز الطبقي، والإقصاء الممنهج للفلاحين والفلاحات المهمشين والمهمشات. إن الاقتصار على تحليل الإصلاحات القانونية الرسمية — مثل وجود أو غياب أنظمة براءات الاختراع — يُخفي البنية الأوسع لعلاقات القوة التي حكمت الزراعة وقيّدت السيادة الفلاحية.
في سوريا، لم يكن هناك قانون موحّد للبذور أو نظام لحماية الأصناف النباتية يتماشى مع معايير UPOV كما في الدول المنضوية فيه أو كما حصل في العراق بعد 2003. وبدلًا من ذلك، أُخضعت إدارة البذور إلى إطار قانوني متشعب ينظم إنتاجها وتربيتها واستيرادها ومراقبتها، تحت هيمنة الدولة المركزية. لكن غياب تشريع شبيه بـ UPOV لم يمنح الفلاحين والفلاحات استقلالية حقيقية؛ فقد ظل الوصول إلى البذور مشروطًا بولاء سياسي وبنية سلطوية صارمة.
أما في العراق، فإن الإشارة إلى غياب قانون صارم للبذور قبل 2003 لا تعني أن الفلاحين والفلاحات كانوا أحرارًا. صحيح أن قانون البراءات رقم 65 لعام 1970 حظر صراحة منح براءات اختراع على البذور والنباتات والموارد البيولوجية، مما أتاح نظريًا الزراعة والتخزين والتبادل بحرية، لكن الواقع كان مختلفًا. فالموارد الزراعية لم تكن متاحة على نحو متكافئ، بل خاضعة للرقابة المركزية والتوزيع السياسي غير العادل، ما جعل “الهامش القانوني” بلا أثر فعلي على حياة الفلاحين والفلاحات.
التحول الجذري جاء مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين مُنحت سلطة التشريع إلى “سلطة الائتلاف المؤقتة” (CPA)، وهي سلطة احتلال غير منتخبة. أصدرت هذه السلطة الأمر 81 الذي أدخل لأول مرة نظامًا لحماية الأصناف النباتية على غرار حقوق الملكية الفكرية وفق نموذج UPOV، رغم أن العراق لم يكن عضوًا لا في UPOV ولا في منظمة التجارة العالمية (WTO). بموجب هذا الأمر، حُظر تبادل وإعادة استخدام البذور المحمية، ما أرسى نظامًا يُعطي الأولوية المطلقة للمصالح التجارية على حساب الممارسات الزراعية العرفية التي لطالما شكّلت أساس السيادة الفلاحية.
في موازاة ذلك، دفعت برامج “إعادة الإعمار” بقيادة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) نحو اعتماد بذور هجينة مستوردة تُسوق على أنها “عالية الإنتاجية”، مرفقة بمدخلات كيميائية وحلول ميكانيكية. هذا التدخل لم يكن بريئًا ولا محايدًا: فقد عمّق التهميش للبذور المحلية، ودمّر المعارف الفلاحية التقليدية، وأوقع المزارعين والمزارعات العراقيين والعراقيات — الذين فقد كثير منهم بذورهم بفعل الحرب والنزوح وتدمير بنك الجينات الوطني في أبو غريب — في تبعية قسرية للمدخلات الخارجية.
إن ما بدا وكأنه “حزمة للتعافي الزراعي” لم يُصمَّم قط لتحسين ظروف الفلاحين والفلاحات أو دعم تعافي الزراعة، بل لخلق منظومة تبعية جديدة، تقوّض استقلالية الفلاحين والفلاحات وتربط مستقبل الزراعة العراقية بالسوق العالمية والشركات التجارية. هكذا تحوّل الأمر 81 إلى البنية الأيديولوجية والقانونية التي شرعنت مشروعًا أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي على أسس نيوليبرالية وهيمنية، جاعلًا الفلاحين والفلاحات في مواجهة دوامة من السيطرة السوقية والتجريد من الموارد.
وبحلول العقد التالي، تم دمج الأمر 81 في التشريع الوطني من خلال قانون البذور رقم 50 لسنة 2012 وقانون البذور رقم 15 لسنة 2013، وكلاهما كرّس أولوية حماية حقوق المربين والمربيات الخواص على حساب الاعتراف بأنظمة الفلاحين والفلاحات غير الرسمية لحفظ وتبادل البذور. وبينما تُطرح خطط لإحياء البنك الوطني للجينات في أبو غريب، أُنشئ بنك بذور جديد في السليمانية بدعم من حكومة إقليم كردستان ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والاتحاد الأوروبي (EU). لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تظل محكومة بذات البنية السياسية والاقتصادية التي أنتجت التبعية، ما يجعل مسألة السيادة الفلاحية أبعد من مجرد إعادة بناء بنوك جينية — إنها معركة ضد أنظمة الهيمنة والاستبعاد ذاتها.
البذور: كرامة وملكية مشتركة
البذور ليست سلعًا تجارية ولا ملكًا خاصًا يمكن احتكاره؛ إنها ملكية مشتركة، بذور الكرامة، وأساس الحياة. فهي تحمل إمكانية النمو، والاختيار، والتكاثر، والمشاركة الحرة عبر الطبقات والمناطق والانتماءات الطائفية. إن تبادلها خارج منطق السوق والسلطة ليس مجرد فعل زراعي؛ إنه فعل ثوري يتجذر في التضامن والرعاية والاستقلالية، ويتحدى في الوقت نفسه الاستبداد والانقسام.
في العراق، برزت بعد عام 2019 مبادرات مثل شبكة گوئز ونخل للسيادة الغذائية في كردستان والعراق، التجمّع العراقي للبذور، كامتداد لنضالات أوسع من أجل العدالة. مستفيدة من زخم انتفاضة تشرين، أعادت هذه الشبكات صياغة إنتاج الغذاء بوصفه ممارسة للسيادة السياسية. ومن خلال التعاون الإقليمي، واستعادة الأنواع المحلية (landraces)، وإنشاء مكتبات للبذور، تواجه هذه المبادرات التفكك الذي أعقب عام 2003، وتطرح بدائل زراعية تُخفّف التبعية للأسواق والانقسامات الطائفية.
في سوريا، اتخذت المسألة بعدًا آخر. فمنذ عام 2011، سعى المزارعون — خصوصًا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام — إلى استعادة البذور التراثية و”البلدية” (baladi) لا كتراث ثقافي فحسب، بل كأدوات فعلية للسيادة السياسية. وسط الحصار والتهجير، ظهرت شبكة بستان ال15 لتبادر بتبادل البذور، وإنشاء مكتبات بذور غير رسمية، وزراعة حدائق في القرى المدمرة ومخيمات اللاجئين. في هذه الفضاءات، تحوّل تبادل البذور من مجرد وسيلة للبقاء إلى فعل مقاومة يواجه في آنٍ واحد السيطرة المركزية ومنطق المساعدات النيوليبرالية.
ومع سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، تأسست عشرات مكتبات البذور المحلية على أيدي العائدين والعائدات والمجتمعات التي تحررت من قبضة الدولة الاستبدادية. بينما بقيت النخب غارقة في نقاشات المركزية على الورق، كان المزارعون والمزارعات قد سبقوا الجميع فعليًا: يواصلون تبادل البذور، واتخاذ القرارات الزراعية بشكل جماعي، وإعادة بناء الزراعة من دون انتظار إذن أو اعتراف رسمي. هذه الممارسات لا تمثل مجرد بقاء، بل هي الامتداد الحيّ
لمسار الثورة السورية وتجسيد ملموس لسياسة الكرامة والسيادة من القاعدة
الخاتمة: السيادة الزراعية كعدالة اجتماعية
إن التجربة العراقية، حيث تآكلت استقلالية المزارعون والمزارعات وتعرضوا للتجريد التدريجي من مواردهم تحت وطأة عقود من الحكم الاستبدادي، تمثل إنذارًا بالغ الأهمية لسوريا. فهي تكشف بوضوح أن مصائر المزارعون والمزارعات في المنطقة مترابطة، وأن تحليل هذه التطورات لا يمكن أن يتم بمعزل، بل يتطلب قراءة جماعية، وتعلّمًا متبادلاً، وبناء جسور من التضامن تتجاوز الحدود والاعتبارات القُطرية. في المقابل، فإن الاستسلام لقراءة انهزامية للتاريخ لا يفتح أمامنا أي أفق، بل يرسّخ الإحباط والعجز.
ورغم صعوبة قلب الشروط البنيوية التي فرضها الواقع في العراق، فإن التضامن المتبادل يعني أيضًا أن العراقيين والعراقيات يستمدون اليوم إلهامهم من الشبكات الناشئة لمكتبات البذور ومن المخيّلات الزراعية الجماعية التي أخذت تتشكل في سوريا. وما يمنح هذه المبادرات قوتها هو أنها لم تبق حبيسة الخيال، بل بدأت تتجسد بالفعل على الأرض.
في كل من العراق وسوريا، لم تعد البذور تُختزل في كونها مجرد مدخلات للإنتاج، بل غدت بُنى تحتية للعدالة والاستمرارية والإمكان. وفي منطقة أنهكتها الحروب والجفاف والاستبداد، تصبح استعادة سيادة البذور أكثر من مجرد خيار زراعي؛ إنها قاعدة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، وأساس لإعمارٍ ينبع من الأسفل، من الناس أنفسهم، ومن مقاومتهم اليومية.