ماضٍ ليس مجهولًا تمامًا: ليلى مراد وحدود الانتماء
تبدو حياة ليلى مراد (1918 – 1995) أُنموذجًا مثاليًّا لفكرة أننا لا نصنع مصائرنا، وأن المستقبل النابع من نيةٍ خالصة، المتشكل بالوضوح والاختيار والإرادة محض وهمٍ نعزي به أنفسنا. فما نسميه مصيرًا واعيًا غالبًا لن يكون سوى ظلٍّ طويلٍ تُلقيه علينا هوياتٍ ورثناها، وربما قبلناها دون إدراكٍ كاملٍ لثمنها. ليلى التي ملأت مصر وشغلت أهلها بالغناء والتمثيل عشرين عامًا، انسحبت من دائرة الضوء حتى رحيلها، انسحاب القاصد. كأنها بعد أن كشفت عن نفسها بالكامل، أرادت أن تجنب نفسها قسوة الحضور المسموم.
مفارقات تحاول المؤرخة المصرية حنان حمّاد، حلّ أُحجياتها في كتابها “الماضي المجهول: ليلى مراد نجمة مصر اليهودية – المسلمة” (مطبعة جامعة ستانفورد، 2022) والتي صدرت ترجمة عربية لها عامَ 2025 عن دار “كتب خان” المصريّة وقامت بترجمتها بسمة ناجي بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ مكتب شمال أفريقيا. تعيد الباحثة النظر في سيرة مراد بعيدًا عن السرّد الاحتفالي، من خلال مقاربةٍ نقديةٍ وسياقية تطرحُ إشكالياتٍ مترابطةً عن سرّ نهاية مسار ليلى بعد ثورة 1952، وعن أصولها اليهودية واعتناقها الإسلام، وانخراطها القصير والمفجع في السياسة، وعن موقعها في الذاكرة المصرية على مدى العقود اللاحقة؟ ذلك أن فهم حياتها ومصيرها لا يمكن أن يكونا خارج فهم السياقات السياسية والثقافية والشعبية التي شكّلت مصر الحديثة. ولمزْجِ تاريخ مصر الحديث بسيرة ليلى مراد، وجدت الباحثة عنتًا كبيرًا في الحصول على مواد بحثية وفكرية تتعلق بحياة بطلتها، إذ لم تعتبر مسيرتها شأن مهمًّا يُلتفت إليه بحثيًّا. لذلك، اعتمدت على مجموعة واسعة من مطبوعات الصحافة الفنية في مصر ولبنان، مثل مجلات الكواكب وأهل الفن والصفحات الفنية في روز اليوسف وأخبار اليوم، بوصفها مصدرًا أوليًّا للتاريخ الاجتماعي والثقافي، ولاسيما السيرة الذاتية الوحيدة لليلى مراد التي نشرت مسلسلًا في مجلة الكواكب عام 1957، فضلًا عن تحليل أفلامها السينمائية.
بين 1918، تاريخ مولدها، و1938، تاريخ أول ظهور لها في السينما هناك صفحة مجهولة من حياة ليلى مراد، هي التي صنعت شهرتها وصنعت في الوقت نفسه مصيرها المأساوي. فقد وُلدت ليلى في عائلة يهودية مصرية، وكان والدها زكي مراد مغنيًا معروفًا في زمانه، وهو الذي ساعدها في انطلاق مسيرتها المهنية في أوائل الثلاثينات. تلقت تعليمها في مدارس التبشير الكاثوليكية الفرنسية بالقاهرة، وهي مدارس كانت تُعِدّ الفتياتِ ليصبحن ربّاتِ بيوت جيّداتٍ يتمتعن بذوق رفيع. لكنها اضطرّت إلى ترك المدرسة والعمل في مهنة الخياطة بعد أن عانت عائلتها من ضائقة مالية كبيرة إثر عودة والدها من رحلة إلى الأمريكتين خسر فيها جميع ما يملك خلال فترة الكساد الكبير. عندما اكتشف زكي مراد موهبة ابنته، بدأ بتدريبها رغم معارضته الأولية لعملها في المجال العام. تلقت ليلى تدريبًا على يد ملحنين بارزين مثل داود حسني. وفي ماي 1932، قدمت أول حفل غنائي منفرد لها في مسرح رمسيس. وقد اعتمدت في أدائها على ألحان قديمة بالإضافة إلى قطعة جديدة من تلحين رياض السنباطي. ولصقل موهبتها واكتساب الخبرة، قامت بجولات مكثفة مع والدها في أقاليم مصر من بني سويف حتى أسوان. كانت هذه المرحلة حاسمة لتقوية صوتها، حيث كانت تغني دون استخدام مكبّرات الصوت. وفي جويلية 1934، تعاقد معها مدحت عاصم، رئيس القسم الشرقي في الإذاعة المصرية، لتقديم الغناء الحي مرة أسبوعيًّا. لكن بدايتها في السينما كانت عام 1935 بدور ثانوي في فيلم “الضحايا”. وفي 1938، جاءها القدر ضاحكًا إذ مثّل ظهورها مع الفنان محمد عبد الوهاب في فيلم “يحيا الحب”، نقطةَ تحولٍ جذريّةً في مسيرتها. رغم ما واجهته من مصاعب مع المخرج محمد كريم الذي اعتبرها خجولة، وفرض عليها معاييرَ جماليّةً صارمة وصلت إلى حد إجبارها على الحمية القاسية حتى أُغمي عليها.
فُسحة المجْد
صنع “يحيا الحب” أسطورة ليلى مراد الجماهيرية، والتي صنعت بدورها من ليلى علامة تجارية في صناعة السينما المصرية الصاعدة حينذاك. في الفصل الثاني من الكتاب تحلل حنان حمّاد سنوات مجد مراد بين 1939 و1952. جاءت هذه المرحلة عقب فشل مفاوضاتها مع محمد عبد الوهاب ومحمد كريم، حيث رفضت أجر 700 جنيه مصري لفيلمها التالي، مطالبة بضعف هذا المبلغ. لتبدأ مرحلة تحوّلها الكبرى بالعمل مع المخرج والمنتج المصري اليهودي توجو مزراحي، الذي منحها أجرًا مرتفعًا بلغ 1200 جنيه مصري لفيلم “في ليلة ممطرة”. كان مزراحي رائدًا في نظام الاستوديوهات في مصر ومخرجًا ذا حسٍّ تجاري عالٍ. وكانت حيل الدعاية التي يقوم بها شنيعة -مثل نشر شائعات كاذبة حول صحة ليلى- لكنها أظهرت فهمًا عميقًا للجماهير. كانت أفلامه مع ليلى، والتي شارك في بطولتها ممثلون راسخون مثل يوسف وهبي ولاحقًا حسين صدقي، من بين الأعلى تحقيقًا للإيرادات في وقتها. وخلال هذه المرحلة أخرج مزراحي لليلى خمسة أفلام بين عام 1939 إلى 1944 (في ليلة ممطرة، ليلى بنت الريف، ليلى بنت مدارس، ليلى، وليلى في الظلام)، وكثيرًا ما وضع اسمها في العنوان، محولًا “ليلى” إلى علامة جذبٍ تجاري فعلاً.
لكن أفلام ليلى مراد مع مزراحي، ورغم ما حققته من نجاح جماهيري وتجاري، مثلت منبرًا قويًّا لنشر رؤية شديدة المحافظة من الناحية الاجتماعية. فقد عكست أفلام مثل في ليلة ممطرة وليلى بنت الريف قلقًا ذكوريًّا بشأن النشاط الجنسي للإناث في الحياة الحضرية الحديثة، وحذرت النساء من الأخطار الأخلاقية للحياة الليلية في المدينة، وشدّدت على العذرية والتضحية والحاجة إلى حماية الرجال. وقدمت الريف المصري بشكل مثالي بوصفه مستودعًا للقيم الأصيلة، حتى في الوقت الذي عرضت فيه وسوّقت للاستهلاك الحضري الحديث. ومنذ عام 1944، شرعت ليلى مراد في العمل مع أنور وجدي الذي سيصبح زوجها لاحقًا، إذ شكّلا معًا أحد أشهر الأزواج في السينما العربية. ومع وجدي سيحقق فيلمها الأول “ليلى بنت الفقراء” نجاحًا كبيرًا، وبفضله ستسند إليها الصحافة الفنية لقب “سندريلا السينما المصرية”. ورغم أن جرعة المحافظة في أفلامها مع وجدي كانت أقلّ مما كانت عليه مع مزراحي، إلا أنها رسخت في المقابل صورة الأفندي المتعلم تعليمًا عصريًّا، كمنقذ للمرأة الغنية الباحثة عن الحب والحماية. كما تميز وجدي بتقديم الاستعراضات الموسيقية الضخمة في الأفلام، مما نقلها من صالات المسارح النخبوية إلى الشاشة. وفي الفترة نفسها عملت ليلى مع مخرجين آخرين مثل كمال سليم وأحمد سالم. واستمرت في الحصول على أجور ضخمة وصقل صورتها، لكن التناقض الأساسي بقي ماثلًا بين حياتها خارج الشاشة كامرأة مستقلة وغنية وبين المُثل التقليدية التي جسدتها شخصياتها على الشاشة في أغلب الأحيان.
سنوات المحنة
مع منتصف الأربعينات بدأت ليلى مراد تعاني من الأعراض الجانبية للشهرة. فقد أصبحت حياتها الشخصية مادة مغريةً لصحافة النّميمة الفنية. لاسيما بعد دخولها في سلسلة من الزّيجات والطّلاق. بدأت بزواجها المضطرب من أنور وجدي، الذي لم يكن فقط زواج مشاهير، بل زواجًا بين رجل مسلم وامرأة يهودية. وقد اعتنقت ليلى في سبيل ذلك الدين الإسلامي عام 1947. تجادل حمّاد بأن وضع ليلى يشكل نوعًا من “الهشاشة المزدوجة” بوصفها امرأة تنتمي إلى أقلية دينية في ظل نظام قانوني أبويّ ذي أغلبية مسلمة. لكن ليلى تقول إنها اعتنقت الإسلام طواعية، بدافع الاقتناع الشخصي ولأجل التوافق الزوجي، وأنها أخرت الإعلان عن ذلك للعموم حتى وفاة والدها عام 1948 احترامًا له. لكن التوقيت في خضمّ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، سُيّس الفعل. إذ تم تنسيق إعلان اعتناقها للإسلام أمام الصحافة وبين يدي الشيخ محمود أبو العيون في مشيخة الأزهر، مما سلّط الضوء على كيفية استخدام ليلى وأنور وسائل الإعلام لإدارة صورتيهما العامة. في المقابل دارت خلافات الزوجين على الجانب المالي والعمل. فقد اتهمت ليلى أنور وجدي بالسعي إلى احتكار موهبتها وإجبارها على العمل في إنتاجه الخاص دون مقابلٍ أو بأجر أقلّ، وحرمانها من العمل مع منتجين آخرين لتغطية التزاماتها المالية تجاه أسرتها وأشقائها. فيما استخدم أنور الصحافة لتصوير نفسه ضحيّةً بسبب “مادية” ليلى مراد. وقد انتهى هذا الصراع حول المال والشهرة في النهاية إلى طلاقهما.
في جويلية 1952 سقطت الملكية في مصر على يد الضبّاط الأحرار بقيادة محمد نجيب. وبعد شهرٍ واحدٍ أعلنت السلطات السورية حظر أفلام ليلى مراد وأغانيها بعد أن سرت شائعات في الصحافة بأنها زارت إسرائيل سرًّا وتبرعت لها بالمال. أثارت هذه الادعاءات ضجّة في مصر. وبدا أن الادعاءات نبعت من أصولها اليهودية وربما من منافسات تجارية، مستغلة الأجواء المشحونة للصراع العربي الإسرائيلي. كما كشفت هذه الأزمة عن كيفيّة تأثير السياسات الإقليمية بشكل مباشر ووحشي أحيانًا على حياة الأفراد. أجرت السلطات المصرية الجديدة تحقيقاتٍ، قدمت خلالها ليلى كل ما يثبت نفي مزاعم سفرها إلى إسرائيل (جواز السفر، كشوفات البنوك)، وقد ساعدها في ذلك الضابط وجيه أباظة، أحد الذين شاركوا في ثورة جويلية 1952، والذي استصدر لها تبرئة رسمية من القيادة العامة للقوات المسلحة. كما تبنى النظام الجديد ليلى مراد كصوت وطني، فشاركت في حملات دعم الجيش (مثل قطار الرحمة) وسجلت النشيد الوطني للعهد الجديد “على الله القوي الاعتماد”، ما أكد تبرئتها ودمجها في الأجندة الوطنية. ورغم ذلك، ظلت ليلى موسومة بالفضيحة. فقد حدثت هذه الأزمة أيضًا بالتزامن مع انهيار زواجها من وجدي وفي الوقت الذي كانت تبدأ فيه علاقة سريّة مع وجيه أباظة نفسه، فضلًا عن خسائر مالية للمنتجين وإلغاء بعض الدول العربية عروض أفلامها.
ولأن المصائب لا تأتي فُرادى، فقد تحولت قصة الحب مع أباظة إلى كارثةٍ ستكون قاصمةً. كان وجيه أباظة (1917- 1994) ضابطًا من الضباط الأحرار ينتمي إلى عائلة أباظة العريقة. تطورت علاقته بليلى منذ أواخر عام 1952، مما دفعها إلى إنهاء محاولاتها للعودة إلى زوجها السابق أنور وجدي. ورغم ذلك، لم يعترف أباظة بزواجه من ليلى أو بطفلهما أشرف -الذي ولد في جويلية 1954- إذ كان متزوجًا ولم يكن يريد أن تتضرر مكانته الاجتماعية والسياسية. وعندما أصبحت ليلى حاملًا، قرر إنهاء العلاقة قبل ولادة الطفل، تاركًا إياها في وضع صعب كأم عزباء، مما أجبرها على نفي زواجها وحملها ووالد طفلها علنًا خوفًا من العواقب. وقد انتهت المسيرة السينمائية لليلى مراد عامَ 1955 بعد فترة وجيزة من هذه العلاقة. قبل انسحابها تزوجت ليلى من المخرج فطين عبد الوهاب في ديسمبر 1954، وكان هذا الزواج هو الثالث والأخير في حياتها. لكنه جاء على عجل ودون فترة خطوبة أو تعارف طويلة، فقد كانت ليلى تعوّل عليه لحلّ اجتماعي بعد أن رفض وجيه أباظة الاعتراف بطفلهما. كان فطين في ذلك الوقت يواجه أزمة ماليّة خانقةً، بينما تتمتع ليلى مراد بثروة كبيرة، وقد تولت شركتها الإنتاجية (أفلام الكواكب) إنتاج فيلم كان من المقرر أن يخرجه. أنجبت ليلى ابنها الثاني زكي في ديسمبر 1955. وفي سيرتها التي نُشرت عام 1957، تجاهلت تمامًا علاقتها بوجيه أباظة وأشارت إلى أن سعادتها بزواجها من فطين عبد الوهاب وولادة ابنهما زكي “قد أكملت سعادتها”. في عام 1955، أدت ليلى مراد دورها الأخير في فيلم “الحبيب المجهول”، بالتزامن مع تعرضها لفضيحة القمار المفبركة، التي وقعت في ماي عام 1955، عندما نشرت الصحف خبرًا رئيسيًّا يفيد باعتقالها وآخرين بتهمة القمار غير القانوني، لكن المحكمة برّأتها. كما أن شبكات المحسوبية في الدولة الناصرية، وتحديدًا عداء عبد الحميد جودة السحار، رئيس المؤسسة العامة للسينما وصديق أباظة، لعب دورًا في عرقلة عودتها للتمثيل في الستينات.
عقود الغياب
في الفصل الأخير، تُراجع حنان حمّاد موقع ليلى مراد في الذاكرة المصرية، وكيف تمّ بناء إرثها في الثقافة الشعبية المصرية من السبعينات حتى الوقت الحاضر. تزامنت عودة تداول شخصيتها مع زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس عام 1977 ومعاهدة السلام اللاحقة مع إسرائيل. إذ قامت الدولة المصرية، التي كانت تروّج آنذاك لسياسة الانفتاح الاقتصادي والسلام مع إسرائيل، بإحياء صورة ليلى كرمز لماضٍ متسامح، كوزموبوليتاني ومجيد فنّيًّا. بُثّت أغانيها وأفلامها مرة أخرى على نطاق واسع، واحتُفل بها كنزًا وطنيًّا. خدم هذا الإحياء الذي رعته الساداتية لشرْعنة سياسات الرئيس من خلال استحضار حقبة ما قبل الناصرية من الانفتاح الثقافي. كما استُخدمت قصة اعتزالها القسريّ بدفعٍ من المؤسسة العامة للسينما التابعة للدولة، دليلا عمليًّا لدعم خطاب السادات الداعي إلى التخلّص من الاشتراكية الناصرية والانفتاح الاقتصادي. فقد جسدت ليلى، في هذا السرد، أُنموذجًا للموهبة التي أهدرها نظام الدولة البيروقراطي.
في المقابل، استخدمت القوى المعارضة إرثها لأهداف مضادة. فقد شدد معارضو التطبيع مع إسرائيل على أصولها اليهودية واعتناقها الإسلامَ كقصة انتصار عربي وهوية مصرية أصيلة. وصوّرها الإسلاميون والقوميون مسلمةً صادقة رفضت الصهيونية، مستخدمين إياها للاحتجاج ضدّ السلام مع إسرائيل. كما تمّ استخدام أزمة غيابها في الخمسينات من قبل خصوم عبد الناصر لتصويره على أنه كان وراء إجبارها على الاعتزال انتقامًا لدعمها لنجيب، أول رئيس لمصر بعد انهاء الملكية التي أطاحت بالملك فاروق والذي بدوره أطاح به عبد الناصر بعد ذلك بسنتين وقام بعزله وتغييبه بشكل كامل.رغم أن هذه الحجة تفتقر إلى دليل قويّ وتتجاهل تأثير أزمة وجيه أباظة. إذ ترجّح الباحثة أن نفوذ أباظة القوي قد يكون السبب الرئيسي لإنهاء مسيرة ليلى مراد في السينما.
بعد وفاتها عام 1995، زادت الكتابات التي أكدت على تقوى ليلى مراد والتزامها بالإسلام، إذ تمّ تداول قصص بشكل متواتر حول التزامها بالصلاة وقراءة القرآن ومحاولاتها المتكرّرة أداءَ فريضة الحج. وقد حاول الكتّاب الإسلاميون ربط ليلى بشخصيات دينية بارزة مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي، إذ ادّعوا أنها كانت تستشيره وتطلب إرشاده الديني، مما خدم صورة الشعراوي في الذاكرة الشعبية، وأكد على عمق إيمان ليلى. كما حاولت جماعة الإخوان المسلمين توظيف قصة إسلامها، مدّعين أن مؤسس الجماعة حسن البنا هو من قادها إلى الإسلام عن طريق زوجها آنذاك أنور وجدي. وقد قوبلت هذه الادّعاءات بتشكيك وسخرية من الصحافة الرّسمية. ويُظهر هذا التركيز على الجانب الديني أن الهوية المصرية أصبحت في التسعينات وما تلاها، في أذهان شرائح واسعة من النُّخب والمجتمع، متلازمة مع الهوية الإسلامية، وأن ليلى التي ترمز إلى مصر، كان يجب أن تكون مسلمة كي تكون مخلصة لوطنها. لكن وراء كلّ ذلك تبدو ليلى مراد، من خلال حياتها، رمزًا لمصر في صراعها مع التحديات السياسية والثقافية، مما جعل قصتها تتجاوز مجرد سيرة فنانة لتصبح أداة رئيسية في تشكيل الهوية المصرية وتحدي السّرديات المهيمنة.