بذور التبعية: الحرب الصامتة على السيادة الغذائية في تونس
في مزرعته الصغيرة بجهة زغوان، يقف مزارع سبعينيّ أمام صندوق خشبي ورثه عن والده. يحتوي الصندوق على أكياس صغيرة من القماش، في كل واحدةبذور لمنتوجات زُرعت لعقود في أرض العائلة: طماطم، شعير صيفي، فول وبصل… هذه البذور ليست مجرد أدوات إنتاج، بل تمثّل ذاكرة حيّة، ذاكرة أرض ومعرفة ونمط حياة متوارث. لكنها، كما يقول الفلاح ، أصبحت بلا قيمة: “الدولة لا تعترف بها، السوق لا يطلبها، والقانون يجرم تداولها.” ما يقوله الفلاح لا يُختزل في أزمة فردية، بل يعكس تحوّلًا هيكليًا عميقًا في السياسات الفلاحية التونسية، جعل من البذور أداة ل لتجريد الفلاح تدريجيًّا من قراره، من معارفه، ومن سيادته.
على امتداد العقود الماضية، خضعت تونس لمسار سياسي واقتصادي أعاد تشكيل علاقة الدولة بمجال الفلاحة، ليس فقط عبر تقليص دعمها المباشر أو خصخصة بعض آلياتها، بل، والأهم، عبر خضوعها التدريجي لمنطق السوق المفتوح والشروط المفروضة من قبل المؤسسات المالية الدولية. مع بداية الثمانينيات، وفي ظل أزمة مديونية خانقة، قبلت الحكومة التونسية بشروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ضمن برنامج الإصلاح الهيكلي، الذي فرض على البلاد تحرير التجارة وتفكيك منظومة الدعم والانسحاب التدريجي للدولة من أدوارها الإنتاجية، لا سيما في القطاع الفلاحي. تم تقديم هذه السياسات على أنها ضرورية لتحقيق “التحديث” وزيادة “النجاعة الاقتصادية”، لكنها في العمق أعادت توزيع السلطة داخل المجال الفلاحي لصالح الشركات والمصالح الخارجية، على حساب الفلاح المحلي.
واحدة من أبرز هذه التحولات تمثلت في إعادة تعريف “البذور” ضمن المنظومة القانونية والسياساتية. فبعد أن كانت موردًا مشتركًا، متداوَلًا بحرية بين الفلاح ين ، أُدرجت البذور ضمن منطق الملكية الخاصة، وأصبحت خاضعةً لشروط قانونية مستوردة تمنح الحق الحصري للإنتاج والتوزيع لشركات بعينها[1]. فقد فرض القانون التونسي عدد 99-42، الذي نُشر في الرائد الرسمي سنة [2]1999،تسجيل البذور في السجل الرسمي للبذور المعتمدة حتى يُسمح بتداولها، وهو ما يعني عمليًا منع الفلاح ين من تبادل بذورهم التقليدية ما لم تكن مطابقة للمعايير التقنية المعتمدة، وهي معايير لا تراعي الخصوصيات المحلية ولا تُعبّر عن التنوع الفلاحي التقليدي. وبهذا أصبح تداول البذور المحلية جريمة قانونية، حتى وإن كانت هذه البذور أكثر تكيفًا مع البيئة وأقل استهلاكًا للمياه والمدخلات الكيميائية.
ولا يمكن فهم هذا التغيير إلا ضمن سياق أوسع من التبعية القانونية المتزايدة، حيث انخرطت تونس تدريجيًا في منظومة قانونية دولية تُكرّس حقوق الملكية الفكرية على الموارد الزراعية، متبنية اتفاقيات دولية دون مساءلة اجتماعية أو نقاش عمومي حول تبعاتها. و قد تبنّت الدولة التونسية هذه الأطر القانونية الخارجية بوتيرة متصاعدة، كما تُظهر التسلسلات الزمنية للمصادقة على الاتفاقيات والتعديلات التشريعية، في مسار يُجسّد تجريدًا ممنهجًا للفلاحين من سيادتهم على مواردهم الزراعية، ويُرسّخ خضوعًا سياسيًا واقتصاديًا لإملاءات النظام التجاري العالمي.

من السيادة إلى الخضوع: تطور الإطار القانوني للبذور في تونس تحت تأثير الاتفاقيات الدولية
لم يكن هذا الإقصاء القانوني للبذور المحلية معزولًا، بل ارتبط بتوجهات اقتصادية أوسع تهدف إلى إدماج الفلاحة التونسية في سلاسل الإنتاج العالمية. فقد أصبح الفلاح مجبرًا على شراء بذور هجينة و موسمية تنتجها شركات متعددة الجنسيات مثل “مونسانتو”[3]و”سينجينتا”[4]، وغالبًا ما يتم ذلك عبر وسطاء محليين مدعومين من برامج “تحديث الفلاحة” المموّلة من الاتحاد الأوروبي والبنك الإفريقي للتنمية. وتأتي هذه البذور مرتبطة بحزمة إنتاج كاملة تشمل: أسمدة كيميائية، مبيدات، تقنيات ريّ مفرطة، وأسواق موجهة للتصدير. بهذه الطريقة، تم تكبيل الفلاح بنظام إنتاج لا يتحكم في مدخلاته، ولا في شروط بيع منتوجه ، ما جعله أكثر هشاشة وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات المناخية أو الاقتصادية.
لقد ترافقت هذه السياسات مع خطاب رسمي يروّج لفكرة “التحديث الفلاحي” و”الرفع من الإنتاجية”، خاصةً داخل أسوار المعاهد والكليات المهتمة بالفلاحة، مستخدمًا لغة تقنية تُغفل الأبعاد الاجتماعية والسيادية للعملية الفلاحية. لم تُطرح أي تساؤلات حول من يتحكم في القرار الفلاحي، أو من يحدّد أولويات الإنتاج، أو ما هي مآلات الفلاح ين الصغار ضمن هذا المنظور. وفي ظل هذا الخطاب، أُهمِلت الأصناف المحلية، وشيطِن الفلاح التقليدي، وصُوّرت المعارف الفلاحية المتوارثة كمجرد عائق أمام “التقدم”[5].
من ناحية السياسات العمومية، يبدو واضحًا أن الدولة التونسية تبنّت، عن وعي أو نتيجة تبعية هيكلية، منطقًا يربط الأمن الغذائي بالمردودية والسوق الخارجية. ففي العقود الثلاثة الماضية، ركّزت وزارة الفلاحة، تحت تأثير اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والالتزامات تجاه منظمة التجارة العالمية، على دعم الزراعات التصديرية (كالطماطم والفراولة والقوارص والزيتون) على حساب الزراعات الأساسية كالحبوب والبقول[6]. ولم تكن هذه الخيارات مجرد أولويات تقنية، بل عكست خضوع القرار الفلاحي لمنطق لا يُعطي أولوية للسيادة الغذائية، بل يفضّل التكيف مع الطلب الخارجي ولو على حساب استنزاف الموارد الطبيعية، خاصة المياه، وزيادة التبعية للمدخلات الأجنبية.
في هذا السياق، تُعد مسألة البذور مؤشّرًا حادًا على طبيعة العلاقة بين الدولة و الفلاحين. فحين تُصاغ السياسات الفلاحية دون إشراك الفلاح ين أو الأخذ بعين الاعتبار معارفهم وتجاربهم، تُصبح الأرض مجرد موقع إنتاج، ويُختزل الفلاح في دور المنفّذ، و وتغدو السيادة مجرد شعار. إن تغييب البذور المحلية لا يعني فقط فقدان مورد فلاحي، بل فقدان القدرة على التصرّف المستقل، وعلى إنتاج الغذاء وفق إيقاع البيئة المحلية واحتياجات السكان. كما أن اختفاء هذه البذور يقوّض التنوع البيولوجي الفلاحي، ويجعل المنظومة الغذائية الوطنية أكثر هشاشة أمام تغير المناخ والأزمات الاقتصادية.
أمام هذا الواقع، تنشأ مبادرات محلية مقاومة، لكنها لكنها غالبًا ما تعمل على الهامش، بعيدًا عن السياسات الرسمية. هناك تعاونيات فلاحية نسائية تعمل على جمع البذور التقليدية، وشبكات غير رسمية لتبادل البذور بين الفلاح ين ، ومشاريع بحث مدعومة من منظمات بيئية تهدف إلى إعادة الاعتبار للمعارف الفلاحية المحلية[7]. ورغم صغر حجم هذه المبادرات فإنها تُعبّر عن توجّه مغاير يتعامل مع البذور لا باعتبارها سلعة، بل كحق جماعي، و رافعة نحو السيادة الغذائية والعدالة الاجتماعية. غير أنها ، في ظل الإطار القانوني الحالي، تبقى مهددة بالتجريم، وتفتقر إلى الدعم السياسي والمؤسساتي الذي من شأنه أن يُحوّلها إلى استراتيجية وطنية.
إن السيادة على البذور ليست مسألة تقنية، بل سياسية بامتياز[8]. فهي تتعلق بحق المجتمع في تحديد خياراته الغذائية والفلاحية، وفي امتلاك أدوات إنتاجه وتداوله. ولا يمكن الحديث عن سيادة غذائية دون استرجاع السيطرة على البذور، ودون الاعتراف بالقيمة الاستراتيجية للمعرفة الفلاحية. وإذا كانت السياسات العمومية الحالية تستبطن منطق السوق كمحدد وحيد، فإن مقاومة هذا المنطق تتطلب تحالفًا واسعًا بين الفلاح ين والباحثين والناشطين من أجل الدفاع عن حق الجماعات في إنتاج غذائها بشكل حر ومستقل.
إن مستقبل الزراعة في تونس لا يُقاس فقط بحجم الصادرات أو بتطور التكنولوجيا الفلاحية، بل بقدرة الفلاح ين على الاحتفاظ بحقهم في اختيار ما يزرعون، وبمدى تنوّع منظومتنا الفلاحية، وبإمكانية خلق مسارات إنتاج بديلة أكثر عدلًا وتكافؤًا واستدامة. استعادة البذور المحلية ليست مجرّد مطلب ثقافي أو بيئي، بل شرط أساسي لاستعادة القرار الوطني في مجال حيوي وحاسم كالغذاء.
[1]مايكل فخري، المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، البذور والحق في الحياة وحقوق المزارعين، أفريل 2022
[2]قانون عدد 42 لسنة 1999 مؤرخ في 10 ماي يتعلق بالبذور والشتلات والمستنبطات النباتية.
[5]Projet de plan strategique du systeme de la recherche et del’enseignement superieur agricoles, IRESA https://iresa.agrinet.tn/wp-content/uploads/2023/10/Plan_Strategique_SRESA_Version_detaillee-1.pdf
[6]https://www.gil.com.tn/uploads/FCK_files/variation%20des%20exportations%202014.pdf
[7]https://osae-marsad.org/2023/09/26/policy-insights-from-farmer-seeds-2023-project-nurturing-food-sovereignty/
[8]قيس سعيّد أمام امتحان السيادة الغذائية: خطابات دسمة أم سياسات أقوم؟هيثم قاسميhttps://nawaat.org/2023/10/24/قيس-سعيّد-أمام-امتحان-السيادة-الغذائي/