المنشورات

العمر الرابع للهجرة: دراسة استقصائية حول عائلات المفقودين

بحث من قبل منتصر ساخي ووائل القرناوي
تحميل المنشور

مقدمة

نعتزم في هذا المقال دراسة هيكليات وتداعيات ” العمر الجديد للهجرة“ الذي ابتدأ منذ العام 1995، وَهُوَ تاريخ دخول اتفاقيات شنغن حيز التنفيذ. لقد فرضت هذه الاتفاقيات من خلال تعزيزها لحرية التنقل داخل المنطقة الأوروبية حظراً وقيودًا على حركة الأشخاص القادمين من المستعمرات السابقة. ويبرز هذا المقال الذي يتنزل في إطار استكمال تحليلات عبد المالك صياد[1]  علاقات الهيمنة الجديدة بين المجتمعات المستعمرة سابقًا والحواضر الأوروبية والقائمة على إدارة الحدود والتحكم في أدفاق الهجرة.

ويمكننا أن نوجز فكرتنا في الآتي: لقد خضعت أدفاق الهجرة من المستعمرات السابقة إلى أوروبا لسياسة التأشيرات منذ العام 1995، وهي سياسة لئن كانت تحلّ محل الهيمنة الاستعمارية السابقة، إلا أنّها تديم أهدافها الجوهرية وقوامها تدجين وإخضاع سكان الجنوب العالمي.  وتتسبّب هذه السياسة عبر تحكم في أدفاق الهجرة وتحصين مُمِيتٍ للحدود بآثار وخيمة وتخلق تصدّعات كبيرة داخل المجتمعات المعنية، وذلك بوصفها نتاجا مباشرا لهذه الطريقة الجديدة في إدارة الحدود. ويشكل هذا العصر الجديد للعلاقات بين الشمال والجنوب في الاقتصاد العالمي نظام حكم غير مسبوق يرتكز إلى محورين رئيسيين، ألا وهما تنظيم تنقل البشر والسيطرة على [حركة] السلع والبضائع. يحصر هذا النظام اقتصادات بلدان الجنوب في حالة من التخلف الهيكلي، ليختزلها بالتالي في دور المورّد للعمالة الماهرة والموارد الطبيعية الخام لاقتصادات الشمال.

يجدر في البدء أن نوضح منهجيتنا؛ لقد ملنا في سعينا لتحديد خصائص هذا “العمر الجديد للهجرة” إلى تحديد مجال اشتغالنا  في علاقات الهجرة بين أوروبا ومجتمعات المغرب الكبير باعتبارهما من مجالات التحليل المألوفة لنا إذ سبق وأن أجرينا فيها عددا من الدراسات[2]. ويرتكز هذا المقال بشكل مخصوص على الدراسات الاستقصائية التي أجريت حول عائلات المفقودين بغية تحديد السمات الخاصة بهذه الحقبة من الهجرة التي تعيد بدورها تشكيل العلاقات بين الدول الاستعمارية السابقة ومجتمعات ما بعد الاستقلال. كما سنحلّل من خلال عرض تجربة عائلات الموتى والمفقودين بوصفهم ضحايا الحدود الأوروبية آليات الهيمنة التي أنشأتها التدابير الحدوديّة وأشكال المقاومة الناشئة داخل مجموعات العائلات، وذلك بمنأى عن التنظيمات السياسية التقليدية.
إننا نفترض أننا نشهد حاليًا ”العمر الرابع للهجرة“ الذي يتّصف بجاذبية الحدود الأوروبية التي تزعزع استقرار المجتمعات المحلية في الجنوب بعمق. تصطدم هذه المجتمعات العاجزة عن انتهاج سياسة تحفظ أفرادها بظواهر غير مسبوقة من قبيل عدم القدرة على التّعرف على موتاها ودفنهم إثر وقوعهم ضحايا للطبيعة القمعية لسياسات إغلاق الشّمال لحدوده. ويتنزّل هذا العجز في سياق سياسات الهجرة الإجرامية التي تعتمدها الدول الاستعمارية السابقة. كما تتستّر هذه السياسات المتوارية خلف خطاب يميني شعبوي متطرف أو أخر إنسانيّ وخيري على مسؤولية الدول عن المذابح التي يتعرض لها مهاجرون تُجَرِّمُ تشريعات دول المقصد والعبور عبورهم؛ حيث تزواج [هذه السياسات] بين القوانين العادية والقوانين الاستثنائية والتكنولوجيات الفاتكة واللامبالاة الجامدة في مواجهة الموت، ممّا يسفر عن مآسٍ إنسانية غير مسبوقة.

ولئن اتسمت البلدان الصناعية والديمقراطيات الليبرالية بالجاذبية منذ ”العمر الثاني للهجرة“[3] بحسب قراءة عبد المالك صياد، إلا أنها كانت آنذاك جزءًا من السياق المحدّد للتحضر والتحديث اللذين طرأ على المستعمرات السابقة، مما دفع بأفراد هذه المجتمعات إلى البحث عن وجهات أخرى تكون فيها قوة العمل ذات نفع أكبر[4]. وأما ”العمر الرابع للهجرة“ الذي نجد أنفسنا إزاءه اليوم فهو مرتكز إلى ديناميكية مختلفة؛ وهي رغبة في الاستقرار في البلدان الأوروبية باتت اليوم مرآة عاكسة لقمع الحدود وسياسات انتقاء المهاجرين.

ويتّسم عمر [الهجرة هذا] بنشأة ”الحصن الأوروبي/الغربيForteresse Europe/Occident “ الذي تم تشييده بالأساس من خلال أنظمة التأشيرات التي تحظر حرية التنقّل. يذكّي هذا الحصن نزعة تفوّق تكنولوجيّ وعرقي وتنظيمي ورمزي متعدّدة الأوجه، لتصير مفاهيم الانغلاق والانتقاء ركائز سياسة هجرة هرمية قائمة على بعدين رئيسيين؛ أولّاً، تميّز هذه السياسة بين الأشخاص الجديرين بحقّ التنقل والخاضعين من ثمّة لمتطلبات التأشيرة ومتطلّبات الاندماج في الأمة، وبين وأولئك الذين يموتون على الحدود أو الذين يكافحون من أجل ”تحصيل وثائق الإقامة القانونية“. ثانيًا، ترسم هذه السياسة حدّا فاصلًا أكثر شمولا بين مجتمعات الشمال المتمتّعة بالسيادة والتي تمتلك ”حدودًا مقدسة“ ومجتمعات الجنوب التي تُختَزلُ قيمة حدودها في كونها حواجز وطبقات إضافية تحمي أوروبا.

سنشرع بدايةً في وصف خصوصيات العمر الرابع للهجرة. وسنسعى من خلال هذا العرض إلى غاية بسيطة جوهرها وضع تشخيص شامل يتيح إعادة طرح البعد الصراعي في أسلوب إدارة الهجرة الذي يفرضه الشمال وبيان عواقبه الوخيمة على مجتمعات الجنوب. ويُعَدُّ هذا التشخيص خطوة أولى أساسية نحو علاقة أكثر توازناً واحتراماً ومساواة بين الشمال والجنوب العالميّين.

وسنستكشف في مستوى ثانٍ ميثاق سياسة متضاربة تجاه الدولة تتبنّاها العائلات المتضررة من الاختفاء؛ إذ تتشبث العائلات بالنضال والاحتجاج على أمل البحث والعثور على أبنائهم أحياءً أو متوفين نظرا لعجزهم عن إقامة الحداد إلى حين التصريح بحقيقة الوفاة من قبل دول الجنوب المستقيلة.

كما سنتوقف عند كلمات العائلات التي لا تفصل بين ظروف معيشهم المادية ونضالهم من أجل الحقيقة على عكس ما تورده الدراسات السّائدة: فالتقصي عن العائلات هو أيضًا تقصٍّ عن الواقع الذي أسفر عن رحيل أبنائهم رغم احتمال تعرضهم لخطر الموت. وبالمثل، تدفع العائلات نحو نضالات ملموسة ومستعجلة من قبيل تحديد هوية الجثث بواسطة الحمض النووي من خلال انخراطها السياسي المجرّد من كل نزوع جماليّة. ويشرح المقال كيف أن صميم هذا المطلب مناداة بسياسة عامة تأبى أن تتجسّد.

ويُخْتَتَمُ المقال بمقابلة مطولة مع عماد السلطاني بوصفه رائد سياسة تمثيلية متفرّدة تجسّم وتترجم معاناة ونضالات العائلات التي تواجه حدود أوروبا.


عمر هجرة جديد

إن من المهمّ تحديد طبيعة أعمار الهجرة التي سبقت عمر الهجرة الجديد الذي افتُتحَ في العام 1995، وذلك حتى نُحصّل فهما بخصوصيته حين نستكشفه على أساس دراسة علاقات الهجرة بين المغرب الكبير وأوروبا. يشير عبد المالك صياد إلى أن العمر الأول من الهجرة ”المنظمة“[5] بدأ مع الاستعمار (سنة 1830 في الجزائر وسنة 1881 في تونس وسنة 1912 في المغرب، إلخ) وانتهى إلى تأكيد تفوق الحاضرة الصناعية على الأراضي المستعمرة. وقد امتاز هذا العمر الأول من وجهة نظره بقدرة القرى والمجتمع القروي ككلّ على تحييد الآثار التفكيكية الناجمة عن الاغتراب immigration. وأمّا العمر الثاني للهجرة فقد انطلق مع ”فقدان المجتمع القروي السيطرة“[6]  على هجرةémigration  أفراده، مما أفضى إلى تفكّك و”نزع الطابع القروي dépaysannisation “[7] بما هي مرادفات للفردية في مجتمع الاغتراب. وانتهى العمر الثاني للهجرة بتعميم روابط الهجرة في جميع أنحاء البلد المُستعمَر (الجزائر في دراسته) وتشكيل ”بنية دائمة“ [8] للاغتراب داخل الحاضرة و”نوع من ‘المجتمعات الصغيرة المكوّنة من أبناء الوطنالواحد’“[9]؛ إذ استمرّ ”احساس المؤقّت“ و”العبور“[10] أثناء تكوين المغتربين  immigrésلمجتمعهم على الرغم من تمكينهم.

ونشهد مع مقدم الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين ظهور ”العمر الثالث للهجرة“ الذي يتّسم في نظر عالم الاجتماع الفرنسي الجزائري بمنطق المجتمع المطبوع بتمكين مزدوج سواء تجاه المجتمع الذي هاجر منه الأهل (أي المستعمرات السابقة) أو مجتمع الاغتراب (أي فرنسا وأوروبا بشكل أعمّ)؛ وتلك هوّة ستفضي إلى طرح نقاشات سياسية حول موضوع ”الاندماج“ سيذكّيها الخطاب القومي في أوروبا إلى ما لا نهاية.

سيمكننا هذا الاستطراد الموجز ضمن تحليل صياد السوسيولوجي من أن نحدد عن طريق التباين بعض السمات المميزة للتسلسل الذي اِسْتُهِلّ في العام 1995 نظرا لاعتقادنا بكونه تاريخا هامّا يؤذن بطفرة كارثية في سياسات الهجرة كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك. وسيتّسم التسلسل الجديد للعمر الرابع للهجرة بجملة من الخصائص التي سنوجزها على النحو التالي:

أوّلا، هذا هو العمر الذي تواجه فيه جماهير المهاجرين الوافدين من المستعمرات السابقة سياسة عامة متشعبة تغذّيها باستمرار تدابير تقيِّد حرية التنقل. وتتعزّز هذه التدابير مع كل انتخابات أو حدث سياسي جلل (كالحرب أو هجوم إرهابي أو أزمة دبلوماسية مع إحدى دول الجنوب، إلخ)، ممّا يمسّ جماهير المهاجرين من المستعمرات السابقة بشكل مخصوص. لقد كان لهذه السياسة تأثير بالغ على حركة تنقّل الأشخاص القادمين من الجنوب مقارنة بالعمر السابق للهجرة، أي تلك الفترة السابقة لتعميم التأشيرات على نطاق واسع؛ وأفضى ذلك إلى تبدّل طبيعة العلاقات بين أفراد مجتمعات المنشأ وظروف استقرار المهاجرين في البلدان المضيفة. فمثلًا، كان من المفارقات أن أعلن إجراء لمّ شمل الأسرة الهادف بالأساس إلى تحفيز لم شمل أسر العمال المغتربين نهاية الحق في إقامة انتقالية بين بلد المنشأ وبلد مكان العمل (الوصول). وأرغم ذلك عديد الأسر على الاستقرار في أوروبا، بينما حرمَتْ التأشيرة تلك الأسر نفاذا مؤقّتا كان يصون صلة دائمة مع بلد المنشأ.

وتفرض هذه السياسة الحدودية التقييدية معالجة كليّة للهجرة والاغتراب وتُحدث تغييرًا جذريًا في الهويات الفردية وعلاقات الانتماء الأسري والمجتمعي والوطني. فهي تحد من خيارات المهاجرين والمجتمعات المحلية وتعرّضهم لمسارات محفوفة بالمخاطر (الهجرة السرية) وعقوبات قمعية (مراكز الاحتجاز والإقامة غير النظامية في انتظار تسوية أوضاعهم القانونية والانفصال عن أسرهم والشعور بالاضطهاد في مجتمع غير مضياف، إلخ). وتشمل هذه التدابير التأشيرات وتصاريح الإقامة ومعايير التجنيس وسحب (فقد) الجنسية والترحيل.

ثانياً، يحرم عمر الهجرة الجديد المجتمعات في الجنوب من نخبها، مما يتسبب في تشويه مزدوج. إذ تمارس سياسة الهجرة الأوروبية من ناحية أولى ضغوطًا على هذه النخب من خلال فرض عملية اختيار صارمة؛ حيث تجبر هذه التأشيرة المتاحة بصفة مؤقتة لفئات اجتماعية واسعة الأفراد على انتهاز سريع للفرص التي تتيحها، مما يقود إلى رحيل جماعي للعقول والكفاءات. وتفقد نخب الجنوب التي اجتذبتها أوروبا من ناحية أخرى قدرتها على المساهمة في بلورة سياسة وطنية مستقلة، ليفضي ذلك إلى تبدد حلم الاستقلال الذاتي الذي لطالما كان محرّكا للنضالات ضد الاستعمار[11]. لقد أدّى الرحيل المتسرّع لأفراد البرجوازية في الجنوب الذي أملاه منطق الحدود الانتقائية إلى حصر هذه الطبقة في دور المتفرج المُقْصَى من القرارات السياسية الصادرة عن البلدان الاستعمارية السابقة. وتحافظ بذلك البرجوازية في الشمال بوصفها وريثة البنى الاستعمارية على هيمنتها كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك[12]؛ حيث تفرض من خلال سيطرتها على الحدود ثقافتها وقيمها كمرجعيات مهيمنة. ولكن على الرغم من هذا التماهي فإن النخب والطبقات الوسطى في الجنوب تعاني من الانتقاص من قيمتها بسبب أنظمة التأشيرات، فهي مجبرة على الاستثمار في ”حرية تنقل“ أفرادها رغم كونه مسعى ينتهي بالهجرة إلى الشمال، ممّا يجسّد بحد ذاته شكلا من أشكال تشويه المجتمع ما بعد الاستعماري.

ثالثًا، يتجسد الضغط الممارس على مجتمعات الهجرة (المنشأ) الذي يتضخم بفعل سياسات الانتقاء والانغلاق غير المسبوقة في مشاهد الموت والاختفاء المأساوية. ويؤثر هذا الواقع أيّما تأثير على الفئات السكانية الأكثر هشاشة والطبقات العاملة، ليفضي إلى بروز ظواهر “الحرڨة”) الهجرة السرية( وسيل من المآسي تتّخد من مسالك الهجرة المتعددة مسرحا لها: ويمكن لنا أن نذكر في هذا الإطار عمليات العبور المحفوفة بالمخاطر التي تنطلق من البحر الأبيض المتوسط باتّجاه أوروبا أو من المحيط الأطلسي إلى جزر الكناري والطرق البرية الخطيرة مثل طرق البلقان أو الصحراء الكبرى المؤدية إلى بلدان العبور، والمحاولات المحمومة لعبور جيبي سبتة ومليلية حيث تشهد الأسلاك الشائكة على عنف هذه الحدود. إن لهذه الوفيات الجماعية بما هي من عواقب اتفاقيات شنغن آثار مدمّرة على مجتمعات المنشأ؛ حيث تتفاقم المعاناة المجتمعيّة الناجمة عن تشويه المجتمع والحداد المعقّد لعائلات المفقودين، وتتعاظم الرغبة العابرة للطبقات في الغرب والشعور الجارف بالدونية في مواجهة جبروت الشمال.

تحيل مسألة الموت باعتبار مكانتها المحوريّة صلب عملية إدارة الحدود هذه إلى المنطق الحربي الذي تكابد المجتمعات الأوروبية الاعتراف به. هذا الهابيتوس (الخلقة) الحربي[13] الذي يكون عماده تنصّلا تاريخيا من المسؤولية لهو جزء من تقليد طويل من القبول الضمني بالعنف البنيوي بدءًا من الصمت عن الحروب الاستعمارية مرورا بتحاشي النقاش حول تدمير فلسطين أو أوكرانيا، وصولًا إلى اللامبالاة تجاه الوفيات على الحدود. وينعكس هذا الإنكار في الخطاب الرسمي حين يتم إلصاق المسؤولية بشخصيات غامضة مثل ”عصابات المهربين“، ممّا يحجب حقيقة الحرب التي تُشَنُّ على المهاجرين.

رابعا، ينتج عن تشديد القيود على حدود لم يعد بالإمكان عبورها بدون تأشيرة أو التعرض لخطر الموت منذ العام 1995 تغييرات جوهرية في العلاقات بين المهاجرين وبلدانهم الأصلية. ويؤدي هذا الإغلاق إلى فراق أليم يمنع التنقل (بما في ذلك تنقلات أصول المهاجرين و أحفادهم) في المناسبات الهامة في حياة الأفراد والمجتمعات المحلية من قبيل مراسم دفن الوالدين  [14]وحفلات الزفاف والولادات[15]  والأعياد الدينية. أما المهاجرون الذين يحملون وثائق نظامية والعائلات الثرية التي يمكنها الحصول على تأشيرة دخول فهم وحدهم القادرون على الحفاظ على الروابط العابرة للحدود، شريطة ألا تواجه دولة من دول الجنوب مشاكل مع حكومات دول الشمال. بينما يظل الآخرون محجوبين ومعزولين عن أحبائهم، مما يفاقم هشاشة العلاقات بين الأجيال خاصة بين أبناء المهاجرين وأجدادهم.

يعمل هذا التغيير الهائل على تمكين ”مجتمع أبناء الوطن الواحد“ السابق من خلال فصل متعاظم الحدّة لأفراده المغتربين عن بلدهم الأصلي، مثل فصل أبناء المهاجرين عن أجدادهم الذين يواجهون متاعب مطلب تأشيرة يصعب الحصول عليها، بل ويستحيل ذلك في بعض الأحيان. بل ويتجاوز الأمر اختلال العلاقات بين المهاجرين ومجتمعاتهم الأصلية بسبب سياسات ”الاندماج“ الناشئة منذ ”لم شمل الأسرة“ واستحداث التأشيرة إلى الشعور بالدونية والتهميش الذي بات يطغى على مجتمع المغتربين. وإنّ ما ينظر إليه علم اجتماع الإسلام في الضواحي الذي ينبّه إلى ”العلامات الرمزية للإسلام“ [16] أو ضواحي الإسلام تحت مجهر “التطرّف” لهو في أساسه تنصّل من التعاطي الجادّ مع مسألة تشديد الحدود  Frontiérisation.وتنشأ ضمن هذا الانفصال الجديد حالة من الشقاء التي ترفض سوسيولوجيا الضواحي الوقوف عندها، والتي يُعبّر عنها في بعض المناطق وبين فئات غالبًا ما تكون جدّ شابة برفض خطاب الاندماج وترسيخ متخيّل أسطوري لمجتمع ودين البلد الأصلي[17].ولا تنفصل هذه النقطة الرابعة عن أخرى تتعلق باحتجاج أبناء المغتربين على هذا الإغلاق الجديد؛ إذ ذاك هو العمر الذي تعيش في إطاره أجيال المغتربين في مرحلة ما بعد الاستعمار وتجربة الاندماج والازدواجية والنضال من أجل انتزاع الاعتراف باختلافهم طورا جديدا من التهجمات الهوويّة والسياسية. وتختبر تلك الأجيال الجديدة في هذا العمر تجربة النضال السياسي التي تتدرّج من النزاعات القانونية إلى الخروج والعودة إلى بلدان الأهل الأصلية.

خامسا، يُنظم إزاء هكذا واقع الاحتجاج ضد نظام الاغتراب الصادر عن الحكومة بطرق حميمة وسرية لا تقرّها أجهزة التعبئة التقليدية (كالأحزاب والنقابات والجمعيات المعروفة، إلخ). ويتصدر هذا الاحتجاج على الأنظمة الحدودية ”المهاجرون السريون“ والمرشّحون للهجرة السرية وعائلات المفقودين؛ إنهم يشكلون طليعة حركة نقد التسلسل الجديد الذي بدأ في العام 1995 بغض النظر عمّا إذا كانوا أفرادًا أو منتمين إلى حراك معيّن. إنه عمر هجرة يكون الفعل المطلق فيه ”حرق“ (اختراق) حدود هذا الحصن وتنظيم كل مظاهر النضال والتضامن في إطار مواجهة الممارسات المحافظة لحكومات الدول الاستعمارية السابقة[18]؛ بما في ذلك الحرص على تنظّم المهاجرين وتدعيم التضامن مع رحلة عبور ما انفكت خطورتها تتعاظم وإسناد نضالات العائلات من أجل تحديد هوية الجثث لبلوغ الحقيقة حول الاختفاء، بالإضافة إلى معاضدة نضالات المجموعات المتحدثة باسم غير الموثّقين Sans-papiers ومزيد تعزيز مجهودات التضامن بخصوص استقبال المهاجرين غير المرغوب فيهم ونصرةمساعي مناهضة تجريم الهجرة…

وتؤرخ هذه الظواهر لعصر لم تعد فيه الحدود مجرد خطوط جغرافية، بل باتت أداة لهيمنة منهجية تعيد تشكيل العلاقات بين الشمال والجنوب وتفرض أطرا من التبعية والهامشية على مجتمعات الجنوب. وبالتالي، تطبع هذا العمر الرابع للهجرة ديناميكية مزدوجة بين العنف الممارس على الأجساد والهويات وظهور المقاومة التي تنشد رغم العقبات إضفاء معنى جديد للتنقّل والكرامة الإنسانية بوصفها من أهمّ المطالب المتعددة للربيع العربي لعام 2011.

[1] عبد المالك صياد، الغياب المزدوج: من أوهام المهاجر إلى معاناة المغترب (La double absence. Des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré)، باريس، منشورات Le Seuil، 1999.

[2] وائل القرناوي، منتصر ساخي، Ilaria Giglioli، مناهج البحث الميدانيّ اﻷتنوغرافيّ: نظرات متقاطعة إلى الجنوب الشّامل، مجلة إيبلا (معهد الآداب العربية)، 86(232)، 2024، 105 ـ 130.

[3] عبد المالك صياد، الغياب المزدوج (La double absence)، مرجع سابق.

[4] بيير نويل جيروPierre-Noël Giraud ، الإنسان عديم الفائدة: الاقتصاد السياسي للشعبوية (L’homme inutile: Une économie politique du populisme)، منشورات Odile Jacob، 2015.

[5] عبد المالك صياد، الغياب المزدوج (La double absence)، مرجع سابق، ص. 68.

[6] عبد المالك صياد، الغياب المزدوج (La double absence)، مرجع سابق، ص. 77.

[7] المرجع نفسه، ص. 78.

[8] المرجع نفسه، ص. 110.

[9] المرجع نفسه، ص. 111.

[10] المرجع نفسه، ص. 112.

[11] فرانز فانون، معذبو الأرض، منشورات Maspero، باريس، 1961.

[12] منتصر الساخي، وائل القرناوي، La fabrique du désir de l’Occident frontiérisé إيبلا (مجلة معهد الآداب العربية بتونس)، 86(232)، 2023، 189-209. https://ibla.tn/index.php/ibla/article/view/47

[13] إلياس نوربرت (Elias Norbert)، الألمان: صراعات السلطة وتطور الهابيتوس في القرنين التاسع عشر والعشرين (Les Allemands. Luttes de pouvoir et développement de l’habitus aux XIXème et XXème siècles)، منشورات Seuil، 2017.

[14] لقد صادفنا خلال مقابلاتنا وملاحظتنا للمغتربين غير الموثقين في فرنسا وبلجيكا عدة حالات تعذّر فيها على الأشخاص حضور مراسم جنازات أهلهم مثلا. وقد كان بعضهم من الطلاب الذين لم يحصلوا على وثائق إقامتهم لأسباب مبهمة. وتعتبر مغادرة البلاد بدون تصريح إقامة رديفًا للتعرّض لمتاعب طلب التأشيرة واحتمال رفض طلبهم ذاك.

[15] وائل القرناوي، مؤسسة روزا ليكسمبورغ.

[16] كيبل (Kepel)

[17] انظر “إما أن تحب فرنسا أو تغادرها…” (La France, tu l’aimes ou tu la quittes)

[18] نحن نعتبر أن الرغبة في وضع سياسات لضبط الحدود في مواجهة التنقّل لهي امتداد لتقليد محافظ مهووس بفكرة الحكومة ذاتها. لا يكون هذا التقليد محافظا بالمعنى الليبرالي للدولة الحديثة الذي ينظر إلى حكم القانون على أساس احتكار العنف بدءً من تننظيرات هوبز وصولا إلى فيبر ومرورا بمونتسكيو، بل هو تقليد محافظ بمعنى الحكومة الفاشية التي تجسّدت في الأنظمة التي طبعت أوروبا في القرن الماضي والقائمة على نقاء فكرة الحكم من خلال العقلانية ودون الحاجة إلى تبرير. وقد عرّف موسوليني الفكر الفاشي على النحو التالي: ”برنامجنا بسيط للغاية: نحن نريد أن نحكم إيطاليا. دائما ما يسألنا الناس عن برامجنا. يوجد بالفعل عدد كبير جدًا من هذه البرامج. إن خلاص إيطاليا لا يحتاج إلى برامج، بل هو محتاج إلى الرجال وقوة الإرادة“ (نقلاً عن كارل مانهايم، الإيديولوجيا واليوتوبيا، منشورات ، 2006 [1929]، ص. 111)، (Reden [discours], édité par H. Meyer, Leipzig, 1925, p. 105. Cf. aussi p. 134 sq.).