المنشورات

في مهبّ المحاور: كيف تحوّل السودان إلى كرة تتقاذفها القوى الإقليمية؟

مقال من قبل شمائل النور

تدخل حرب السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع، وبين تصعيد يشتعل هنا وجمود يخيّم هناك، تواصل المبادرات الإقليمية والدولية حركتها الباهتة سعياً إلى إنهاء حرب خلّفت خسائر غير مسبوقة على كل صعيد.

ورغم أن دعوات الحل التفاوضي لم تتوقف منذ صبيحة الانفجار في 15 أبريل/نيسان 2023، فإنها لم تُحدث اختراقاً يُذكر، بل تحوّلت إلى دوامة دون قرار، ومنابر المبادرات الدولية إلى ما يشبه مقاهيَ للمؤانسة السياسية، تنتعش تارة ويغشاها الكساد تارة أخرى؛ من منبر جدة الذي انطلق في مايو 2023 برعاية سعودية أمريكية، إلى مبادرة الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي إيغاد (الهيئة الحكومية للتنمية بشرق إفريقيا) والجامعة العربية.

هذا الحراك الدولي تجاه السودان، على ضعفه، يظلّ الصوت الوحيد الذي يحاول إيجاد مخرج لصراع يلتهم بلداً عربيًّا إفريقيًّا غارقاً في النزاعات المسلحة. أما الصوت الداخلي فيسجل غياباً شبه كامل، لا يقطعه سوى أزيز المسيّرات التي تحصد الأرواح وتعطّل الخدمات الحيوية، وتحوّل كل بقعة إلى جحيم لا يُطاق حتى وإن لم تطأها أقدام المقاتلين. وأسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 11 مليون شخص، ووصفت الأمم المتحدة الأزمة في السودان بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وأشارت التقديرات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الفقر من 45% قبل الحرب إلى أكثر من 65%، وكشف مسح الفقر متعدد الأبعاد الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء أن نسبة الفقر في البلاد بلغت 82.8% للعام 2023 وهو العام الأول للحرب.

الحرب تصادر الفعل السياسي

فتكت الحرب بالحياة السياسية، ودفعت الفاعلين إلى الاصطفاف الحاد خلف البنادق المتقاتلة؛ فانقسمت القوى السياسية بين مساند للجيش ومناصر للدعم السريع، وفي أفضل الأحوال اتخذ بعضها منزلة بين المنزلتين، لكنها لم تكن منزلة حياد حقيقي يمكن وصفها بأنها منحازة لقضايا الناس، وهو ما دفع كثيراً من هذه القوى إلى غياهب عواصم العالم المختلفة. داخليًّا، تشتتت الاتحادات المهنية والنقابات ومجموعات الضغط، واندثرت الصحافة المحلية التي كانت صوتاً داخليًّا قويًّا ومؤثراً في بلد ظل برلمانه صامتاً منذ عام 2018، وإن كان صوريًّا في نظر كثيرين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد فرضت الحرب ملهاة لا تنتهي؛ إذ وجد كثير من الفاعلين والمؤثرين أنفسهم غارقين في تدبير احتياجاتهم الشخصية، ولا فرق هنا بين قيادي سياسي وموظف مدني، فالإفقار الذي أحدثته الحرب في وقت وجيز ساوى بين غالبية طبقات المجتمع، بعد أن ضربت عمق وسائل الإنتاج في مركز البلاد. وفوق ذلك، أصبح العزوف عن الشأن العام السِّمة الأبرز بين كثير من الفاعلين الذين انسحبوا من المشهد، تاركين إياه لوكلاء المحاور الخارجية أو سماسرة العمل العام الذين حوّلوا المشهد السوداني إلى مسرح انحطاط غير مسبوق، فكل قيمة وطنية باتت سلعة لها ثمن.

وهكذا ضعُف الفعل الداخلي تدريجيًّا فيما انتعشت التحركات الخارجية، وبات السودانيون يترقبون وفود المبادرات، ويمدّون أعينهم داخل حقائب المبعوثين الدوليين لعلّها تحمل حلًّا ينقل البلاد إلى سلام دائم يحقق لها التعافي. لكن انسحاب الفعل من الداخل إلى الخارج لم يكن وليد انفجار 15 أبريل، بل محصلة نهائية لمراحل متصلة من الفشل الوطني الذريع، تدرّجت حتى بلغت غياب الإرادة الوطنية كليًّا، ووقع الجميع في براثن العجز.

ديسمبر من الفرصة إلى الانزلاق

مثّلت ثورة ديسمبر والفترة التي تلتها مرحلة مفصلية في هذا المسار؛ إذ كانت الفرصة الذهبية لاسترداد الإرادة الوطنية كاملة، وتقديم تجربة فريدة يُحتذى بها في المنطقة. لكن الفرصة ذاتها تحوّلت إلى حجر الزاوية في انزلاق البلاد إلى جبّ المحاور الخارجية، وهو ما تجلّى بشكل صارخ خلال حرب أبريل.

بطبيعة الحال، أحدثت عملية التغيير الكبيرة في 2019 ارتجاجاً عنيفاً في عصب دولة خرجت لتوّها من قبضة ثلاثين عاماً من حكم عمر البشير الديكتاتوري، وأنتجت هذه الهزة هشاشة عامة تبدو منطقية وطبيعية. غير أن تربّص النظام السابق المقاوم للتغيير، وضعف إدارة الفترة الانتقالية، وغياب رؤية واضحة لاسترداد دولة مختطفة بالكامل لصالح التنظيم الإسلامي ومثقلة بالصراعات المسلحة، جعل قابلية انتقال البلاد إلى الانحلال الشامل أقرب من أي وقت مضى. وظلت البلاد على “شفا الانهيار” حتى انفجرت الأوضاع في 15 أبريل، لتجد بعض الدول ضالتها في بلد تخلخلت مفاصله قبل أن يدخل حرباً ضروساً ترسم الآن ملامح تفتته الكامل.

محاور خارجية نشطت خلال الحرب

برز الدور الإماراتي خلال هذه الحرب بشكل واضح، وهو دور ليس حديث العهد، لكنه تصاعد بشدة منذ اندلاع القتال. وأظهرت دولة الإمارات دعماً واضحاً لقوات الدعم السريع، عسكريًّا ولوجستيًّا وسياسيًّا، وظلت محلّ اتهام دائم من حكومة السودان التي يمثّلها الجيش، حتى بلغ الأمر حد التداول في ساحات المؤسسات الدولية، وصولاً إلى قطع الخرطوم علاقاتها مع أبو ظبي في مايو 2025. ومع ذلك، ظلت الإمارات تنفي باستمرار دعمها لقوات الدعم السريع، مؤكدة أنها تدعم الحل السلمي والانتقال المدني في السودان. وربما يكون السؤال المحوري هنا: لماذا تدعم دولة الإمارات هذه القوات ذات الطبيعة الميليشياوية رغم أنها كانت حليفة للجيش ولبعض القوى المدنية، وداعمة لعملية التغيير في 2019؟ الإجابة أكثر تعقيداً مما يتصوره كثيرون.

قد تبدو الإجابة التقليدية أن الإمارات تنظر بعين الطامع إلى موارد السودان المتنوعة، لكن النظر إلى الدور الإماراتي في المنطقة عامّةً يكشف أن الأمر ليس بهذه البساطة؛ إذ كان بمقدور الإمارات تحقيق أهدافها الاقتصادية عبر دعم الجيش، أو حتى عبر وقوف حقيقي على الحياد بين حليفيها السابقين. وللإمارات حلفاء عديدون في السودان، من بينهم مجموعات إسلامية، والجدير بالذكر أن الاختراق الخليجي الأول للسودان جاء عبر عناصر إسلامية أمنية وسياسية، وكانت المملكة السعودية آنذاك هي الرابح الأول.

ولا جدال في أن الدور الخارجي في السودان لا يقتصر على الإمارات وحدها، لكنها تقوم بالدور الأبرز والأعمق أثراً، بينما جاء الدوران السعودي والمصري، إلى حد مّا، ردَّ فعلٍ على الحضور الإماراتي، مع الأخذ في الحسبان العلاقات التاريخية المتأرجحة بين السودان وهذه الدول، بين القوّة والضّعف، وبين الندّية والتبعيّة في بعض الملفات، عطفا على خصوصية العلاقة بين السودان ومصر.

ولفهم دوافع الدور الإماراتي، لا بدّ من النظر إلى خارطة المنطقة المتقلبة، وموقع السودان فيها، وأهميته العربية والإفريقية في الشرق الأوسط الذي تجري مساعٍ متصلة لإعادة هندسته. كما ينبغي التذكير بأن الإمارات كانت جزءاً من محور تغلغل في السودان منذ سنوات حكم البشير الأخيرة، وداعماً له، قبل أن ينتقل هذا المحور نفسه لاحقاً إلى دعم عملية التغيير التي أطاحت به في 2019.

وفوق ذلك للسودان ارتباطات اقتصادية متشابكة في الدّاخل بالتبعية التي طرأت على الاقتصاد السوداني خلال سنوات الحصار الأمريكي، فكانت الإمارات منفذا مريحا للسودان وتحولت إلى حاضنة لرؤوس أموال سودانية ضخمة اعتمادا على حجم التبادل التجاري بين البلدين والذي احتلت فيه الإمارات الصدارة وفقا لبيانات البنك المركزي لعام2023  ويأتي الذهب على رأس صادرات السودان إلى الإمارات حيث تمثل الدولة الخليجية ثاني مركز في العالم لتجارة الذهب.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المعدن النفيس بعد توقف تصديره إلى الإمارات إلى حدّ كبير، فأصبحت مصرُ الوجهةَ البديلة، حيث بلغ حجم الذهب المهرب من السودان إلى مصر أكثر من 40 % وكان لافتا إعلان مصر رسميا عامَ 2025 إذ سجلت الصادرات من المعدن الأصفر نحو 6.76 مليار دولار خلال الشهور العشرة الأولى من 2025، مقابل 2.63 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، مسجلة زيادة تقارب 157%، واجتاحت المنتجات المصرية السوق السوداني بشكل غير مسبوق بعد أن كانت وجهة الاستيراد الرئيسية هي الإمارات.

سنوات العزلة والانتقال إلى محور الخليج

خلال سنوات حكم البشير الأخيرة، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية عقب انفصال جنوب السودان في 2011 وفقدان البلاد موردها الأوّل، النفط، انفرجت علاقات السودان بدول الخليج بشكل ملحوظ، بعد أن كان صديقاً لإيران طوال سنوات العزلة الدولية التي فرضتها العقوبات الأمريكية بين 1988 و2017.

انفتحت حكومة البشير على الإمارات والسعودية ومصر خلال تلك السنوات، رغم أنه كان على رأس تنظيم تصنّفه هذه الدول عدوًّا استراتيجيًّا، لكنه سعى وقتها إلى فك ارتباطه بالتنظيم الإسلامي، فمنحته بعض الدول صكّ ثقة تُوّج برفع العقوبات الأمريكية، بعد مساعٍ خليجية مشهودة ودعم إسرائيلي غير مرئي.

توالت مواقف البشير وتصريحاته ضدّ جماعة الإخوان المسلمين، وفي خطوة جريئة أزاح كبار الإسلاميين من مناصبهم في الدولة، وعلى رأسهم نافع علي نافع وعلي عثمان طه في ديسمبر 2013، عقب احتجاجات عنيفة ضدّ رفع الدعم عن الوقود. ثم شرع في تفكيك بعض الكيانات الموازية لأجهزة الدولة ذات الصبغة “الإخوانية”، وانخفضت حدّة الخطاب الإيديولوجي الإسلاموي الرسمي وفق شرط أمريكي خليجي، مقابل التطبيع مع إسرائيل الذي كانت بوابته الإمارات أولاً ثم السعودية، ضمن شروط أمريكية رئيسية لرفع العقوبات.

وبدأ الانخراط في حلف الخليج ليتّضح أكثر حين قرر السودان المشاركة في تحالف “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، ليقطع علاقاته بإيران بعد عام من الانخراط في الحلف الخليجي، ساعياً من خلاله إلى دعم اقتصادي وتثبيت لسلطته مقابل فك ارتباطه بالحركة الإسلامية.

ونظير ذلك، انتزعت حكومة البشير قراراً أمريكيًّا مدعوماً خليجيًّا وإسرائيليًّا برفع العقوبات الاقتصادية عام 2017، وتوالى بعده الدعم الخليجي لحكومة كانت تحاصرها أزمة اقتصادية طاحنة. غير أن البشير لم يكن بمقدوره المضيّ أبعد من ذلك في تفكيك تنظيم الإخوان أو فك ارتباط سلطته به، إذ ظل محتفظاً بشعرة معاوية بينه وبين التنظيم، أو -في رواية أخرى- كان هو وتنظيمه يمارسان “تقيّة” سياسية. وحالت مخاوفه المتصاعدة من حلفائه الإسلاميين المتغلغلين في جهاز الدولة، مدنيين وعسكريين، دون إكمال المطالب الدولية، فيما اتسع السخط الشعبي جراء السياسات الاقتصادية القاسية، حتى وصل الأمر إلى نقطة فقدان الثقة في رئيس أدمن سياسة اللعب على الحبال إلى أن أفلتت من يديه.

ومع الانهيار الاقتصادي واتساع السخط الشعبي، انتقلت هذه الدول إلى دعم مطلق للتغيير في السودان، واحتفظت الإمارات إبّان تداعي نظام البشير بعلاقات وطيدة مع بعض القوى السياسية الفاعلة في الحراك الجماهيري، والتي ظهرت لاحقاً حليفا لها؛ وهو ما لم تحظَ به السعودية التي ظلت تتعامل مع الحكومات دون تواصل مباشر مع القوى السياسية. لكنها، بعد أن أدركت تمدد الإمارات في الأوساط السودانية، بدأت منذ أسابيع في عقد لقاءات منفصلة مع قيادات سياسية بارزة بعيداً عن الأضواء، في محاولة تبدو لصناعة حلف موازٍ لحلف الإمارات السياسي.

وعقب إزاحة البشير في أبريل 2019، أظهرت هذه الدول الثلاث دعمها الكامل للمكوّن العسكري الذي شارك الحكم مع المكوّن المدني بعد توقيع الوثيقة الدستورية في العام نفسه. وكان واضحاً أنها اجتمعت على تأييد التغيير، لكن على أن يكون الحكم الذي يعقبه ذا طبيعة عسكرية، أو حكومة حليفة صديقة على أقل تقدير؛ وهو ما يبدو نابعاً من مخاوف حقيقية لدى هذه الدول من أي تجربة ديمقراطية في محيطها الإقليمي. وكما جرى مع ثورات الربيع العربي، كانت المساعي واضحة لوأد التجربة الديمقراطية الوليدة، وإن ظلت العوامل الداخلية المعقّدة هي الفيصل الحقيقي في النهاية.

ديمقراطية قصيرة وديكتاتوريات طويلة

خاض السودان ثلاث تجارب ديمقراطية، انتهت جميعها بانقلابات عسكرية: الأولى مع الاستقلال (1956-1958) وأطاح بها انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958؛ ثم أطاحت انتفاضة شعبية بحكومة عبود لتعيش البلاد تجربة ديمقراطية ثانية (1964-1969) أنهاها انقلاب العقيد جعفر النميري في مايو 1969؛ وبعد انتفاضة أبريل 1985 الشعبية جاءت تجربة ديمقراطية ثالثة (1986-1989) أطاح بها انقلاب عنيف قاده عمر البشير بغطاء سياسي من الحركة الإسلامية، لتنتهي حقبته بثورة شعبية واسعة النطاق.

وشهدت البلاد خلال هذه الحقب القصيرة انتعاشاً للنشاط السياسي واستقراراً حزبياً، أهّل الخرطوم آنذاك لأن تكون فاعلة إقليميًّا، فجمعت الموقف العربي إزاء إسرائيل على كلمة سواء في مؤتمر القمة العربي الرابع عام 1967 عقب “النكسة”، وهو المؤتمر الذي عُرف بمؤتمر اللاءات الثلاث، حين اتفقت الدول المجتمعة على موقف موحد ضد إسرائيل: لا تفاوض، لا صلح ولا اعتراف.

ويبدو أن ارتباط التدخل الخارجي بفترات الديكتاتورية كان أكثر وضوحاً وتأثيراً منه خلال الفترات الديمقراطية على قِصَرها. فقد شهد عهد الرئيس جعفر النميري محاولة انقلابية عام 1976 عُرفت بـ “عملية المرتزقة”، بدعم كامل من ليبيا بزعامة معمر القذافي، الذي واصل دعم المعارضة السودانية حتى فترة حكم البشير. واتهمت حكومة البشير ليبيا رسميًّا بدعم حركات دارفور المسلحة التي تحالفت مع نظام القذافي وقاتلت معه، وحين سقط هذا النظام، صرّح البشير في خطاب مثير للجدل في أكتوبر 2011 بأنه دعم مجموعات معارضة ضد القذافي، قائلاً بصراحة: “رددنا الصاع صاعين”.

وتُعدّ فترة حكم البشير من أكثر الفترات التي حصلت فيها المعارضة على دعم خارجي متعدد، بحكم مطاردتها واضطرارها إلى البقاء خارج البلاد سنوات طويلة. وتشكّل هذا الدعم عبر التجمع الوطني، أكبر تجمع معارض تشكّل عقب انقلاب البشير مباشرة عام 1989، وضم إلى جانب الأحزاب الشمالية الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق، التي توصلت لاحقاً إلى اتفاق سلام مع حكومة البشير تحت ضغط ورعاية أمريكية عام 2005، قاد إلى انفصال جنوب السودان عام 2011. ورغم أن أحزاباً كثيرة دعمت التجمع عبر اشتراكات العضوية، فإن المُثبَت أن الولايات المتحدة موّلت إلى حدّ كبير الحركة الشعبية لتحرير السودان، إلى جانب دعم فردي لبعض الأحزاب المرتبطة تاريخيًّا ببعض دول الجوار، ووفّرت بعض الدول ملجأً لهذا التجمع، وهو ما يُعدّ أيضاً أحد أوجه الدعم.

وشهدت الفترة ذاتها محاولات عديدة من حكومة الإنقاذ وتنظيمها الإسلامي لتغيير أو خلخلة بعض أنظمة الحكم في محيط السودان، وذلك بدعم الجماعات الإسلامية المعارضة للحكومات في هذه البلدان ولعل أبرزها محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك عام 1995 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

تعدّد المحاور في الداخل السوداني

شهدت السنوات القليلة بعد سقوط البشير حضوراً واسعاً للإمارات حليفا رئيسيّا للتغيير، وزيارات مكوكية ودعماً واضحاً، قبل أن تتخذ العلاقة طابعاً خاصًّا مع قوات الدعم السريع. وقد بدا الأمر طبيعيًّا حينها، إذ كانت هذه القوات قد نسجت شبكة علاقات قوية في المحيط الإقليمي، وكانت الإمارات تحديداً صاحبة علاقة نوعية معها بحكم مشاركتها الفعالة في القتال بليبيا إلى جانب قوات حفتر المدعومة إماراتيًّا.

وإذ كان السودان آنذاك مُصدّراً للمرتزقة، من قوات الجيش والدعم السريع على حد سواء، إلى اليمن وليبيا، أتاحت له تلك الفترة علاقات وطيدة مع دول الخليج الفاعلة إقليميًّا، بلغت ذروتها مع بدء مفاوضات رفع العقوبات الأمريكية. وشهدت العلاقات مع السعودية والإمارات تطوراً لافتاً، لكنه ظل محدوداً ورهيناً بفك البشير ارتباطه الكامل بالحركة الإسلامية، وهو ما لم يحدث. ويبدو أن التطبيع مع إسرائيل كان أحد الشروط الرئيسية المطروحة عليه، لكن الخطوة تمت سريعاً بعد التغيير الذي طاله؛ إذ التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي بأوغندا عام 2020، وألغت الحكومة الانتقالية بعدها قانون مقاطعة إسرائيل عام 2021، لتنخرط في التوقيع على “اتفاقيات إبراهيم”. ونظراً إلى غياب المؤسسات التشريعية خلال الفترة الانتقالية، ظلت هذه الاتفاقيات شبه مجمّدة، دون أن يشهد الموقف تراجعاً عمّا تمّ.

وخلال هذه الحرب، برز دور سعودي عسكري داعم للقوات المسلحة، وإن بدا محدوداً مقارنة بالدور الإماراتي الداعم للدعم السريع. بدأ كمحاولة لتحسين وضع الجيش ميدانيًّا بعد أن تمددت قوات الدعم السريع من وسط البلاد حتى جنوب شرقها، تمهيداً لتسوية مرضية للطرفين، لكن مع تعنت الطرفين إزاء الحل التفاوضي، واصلت الرياض دعمها، موفّرة بين الحين والآخر تمويلاً لصفقات تسليح لصالح الجيش أحدثت فاعلية ميدانية مؤثرة في موازين المعارك، فضلاً عن دخولها مسرح السياسة سعياً إلى تشكيل كتلة سياسية حليفة من القوى التي قادت ثورة ديسمبر. في المقابل، تواصل الإمارات دعمها لقوات الدعم السريع وبعض المتحالفين معها، ويُتوقع أن يحتدم التنافس بين السعودية والإمارات في السودان ما لم تتوصل الأطراف إلى حلّ تفاوضي.

ورغم أن الإمارات والسعودية كانتا حليفتين للسودان تلتقيان في أهداف مشتركة، فإن الوضع تحوّل مؤخراً إلى تنافس مكتوم لا ينفصل عن سباق النفوذ في المنطقة، ولاحت بوادره في اليمن، حيث تصدّع التحالف بينهما بعد عشر سنوات من الأهداف المشتركة، إذ دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الكيان السياسي الذي يطالب بإعادة استقلال جنوب اليمن. فيما تدعم المملكة العربية السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها، الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي الذي قادت السعودية التحالف دعماً له، وتسعى الإمارات كما السعودية إلى تثبيت حليف محلي، إلا أن السعودية تدعم وحدة اليمن انطلاقاً من دوافع أمنها القومي، ورغم أن الدولتين تحالفتا في اليمن بهدف كبح تمدّد الحوثيين، فإن أجنداتهما اختلفت مؤخراً ووصلت حدّ التصادم.

وتشترك الدولتان في هدف موحّد في السودان هو محاربة الإخوان المسلمين، لكنهما تتنافسان على شاطئ البحر الأحمر الذي يمتلك السودان منه نحو 500 ميل، في امتداد لتنافس عالمي أوسع على هذه المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية؛ وقد سعت روسيا إلى عقد اتفاق مع السودان لإقامة قاعدة عسكرية على شواطئه، وهو أمر ترفضه الولايات المتحدة.

لكنْ بعيداً عن هذا التنافس الاقتصادي والعسكري، الذي قد يبدو طبيعيًّا، بات الدور الذي تلعبه الإمارات في المنطقة أكثر وضوحاً وصخباً في الآونة الأخيرة؛ دور يسعى، على ما يبدو، إلى إحداث هشاشة شاملة في المنطقة تمهّد لتغيير كبير عبر دعم فصائل مسلحة في مواجهة حكومات معترف بها، وربما يكون هذا الدور، المحمي أمريكيًّا وإسرائيليًّا، تمهيداً لتمرير “صفقة القرن”. ويعزّز هذا التصوّر ما لحق بالكيانات المقاومة من تحولات كبرى؛ إذ تلقت حركة حماس ضربات متتالية، وبدأ صوت حزب الله يتلاشى تدريجيًّا بعد ضربات عنيفة، فيما تخوض إيران حرباً عنيفة مع واشنطن وتل أبيب، وجزء من مسرح هذه الحرب هو دول الخليج التي تنظر إليها طهران بوصفها حليفة ومهادنة للمشروع الإسرائيلي. ويبدو أن التصعيد الإماراتي، الذي بات واضحاً في سياسات هذه الدولة الخليجية الغنية، يأتي بدافع تحصين نفسها من أي ارتدادات قد تجتاح بعض دول الخليج.

وحاليًّا، لا تدعّم الإمارات أي توجه انفصالي في السودان، وظلت ثابتة في خطابها المرتكز على دعم انتقال مدنيّ كامل. غير أن الواقع الذي تشكّل بدعمها لقوات الدعم السريع، المسيطرة الآن على إقليم دارفور باستثناء بعض الجيوب، وعلى أجزاء واسعة من كردفان، يعزّز فرضية تكرار السيناريو الليبي في السودان، وهو ما أعلنت بعض الفصائل الدارفورية رفضه بشكل قاطع. وبطبيعة الحال، فإن سيناريو تقسيم السودان قديم متجدّد، سابق حتى لنفوذ الإمارات في المنطقة؛ فالسودان بلد تعتبره القوى الدولية أقرب إلى مجموعة دول، نظراً إلى تعدّده العرقيّ وتاريخه الطويل في صراعات ذات طابع عرقيّ. وظل هذا السيناريو يصطدم ببعض العوامل رغم تجدّده المستمر، ورغم أن تجربة انفصال جنوب السودان قدّمت نموذجاً غير جاذب، فإنه يبقى قابلاً للتحقق.

أما مصر فهي الداعم السياسي الرئيسي للجيش السوداني، وسبق أن دعمت الإطاحة بعمر البشير. ولها دور بارز وتاريخي في السودان تحكمه دوافع الأمن القومي المصري، وقد تغلغل هذا الدور بعد حرب أبريل بشكل لافت وأصبحت مصر ذات تأثير واضح على قيادة الجيش السوداني، بل إن هناك رواية مصرية تذهب إلى أن الهدف الرئيسي من حرب السودان هو زعزعة استقرار مصر التي تمثل العمود الفقري للمنطقة، وتؤثر القاهرة سياسيًّا بشكل كبير؛ صحيح أنها لا تملك المال، لكنها تملك مفاتيح عديدة في المنطقة. ومع ذلك، أبدت مصر مؤخراً ليناً إزاء موقفها الحاد تجاه قوات الدعم السريع، وأظهرت مخاوف واضحة من سيطرة الإخوان المسلمين على قرار الجيش، أثّرت فيها الإمارات التي تملك أوراق ضغط اقتصادية هائلة تجاه مصر، فيما تتزايد مخاوفها تجاه أمنها المائي بسبب تحالف إثيوبيا مع قوات الدعم السريع. وتسعى القاهرة حاليًّا إلى إيقاف الحرب ضمن الجهود الإقليمية والدولية مع الاحتفاظ بخصوصيّتها في السودان، ويبدو أن تأثير مصر لحق فعليا بقيادة الجيش السوداني في ملف المياه، حيث قاطع السودان الافتتاح الرسمي لسد النهضة العام الماضي ما دفع إثيوبيا إلى الإمساك عن توفير المعلومات للحكومة السودانية ما أدى إلى فيضانات، ثم كررت الأمر ذاته هذا العام ما أدى إلى انحسار ملحوظ في منسوب النيل في بعض المناطق مما تسبب في خروج عدد من محطات المياه من الخدمة مخلّفا أزمة عطش امتدّت أياما واضطرت سلطات الري إلى معالجة الأمر بزيادة التصاريف رغم أن الموسم لتخزين المياه، وتجدر الإشارة إلى أن هناك اتفاقا بين السودان وإثيوبيا لتبادل المعلومات والبيانات بشأن الملء والتصريف لسد النهضة، لكن إثيوبيا أمسكت عن توفير المعلومات بسبب التوترات السياسية بين البلدين حيث يتهم كل طرف دعم الطرف المتمرد، هذا المشهد ينمّي مخاوف كثيرين من أن يكون السودان عرضة للابتزاز من مصر أو إثيوبيا في ما يتعلق بالأمن المائي.

ونفذت السلطات المصرية حملات متصلة ضد اللاجئين السودانيين وسط صمت رسمي لتوضيح ما يجري، وشهدت أقسام الشرطة المصرية وفيات لسودانيين إثر ظروف الاحتجاز السيئة، ويبدو جليًّا أن مصر تسعى إلى الضغط عبر ملف اللاجئين الذي تنظر إليه من زاوية أمنها الداخلي والقومي، خاصة مع تزايد أعداد اللاجئين إليها.

وتحالفت تشاد، المتاخمة لإقليم دارفور، مع الإمارات، ما أسفر عن تحالف مع قوات الدعم السريع، وكذلك الحال في ليبيا، فباتت هذه البلدان قواعد تموين وانطلاق للمقاتلين والعتاد الحربي لقوات تتحرّك الآن من الغرب نحو الوسط بظهر آمن. أما إريتريا، الداعمة للجيش السوداني والقوات المساندة له، فتتخذ موقفاً حادًّا تجاه قوات الدعم السريع، ولها دور تاريخي في شرق البلاد بحكم التداخل الواسع بين كثير من المكوّنات القبلية هناك. وبعد حرب أبريل، أظهرت “أسمرا” دعماً لافتاً للجيش، واحتضنت معسكرات تدريب لقواته وحلفائه، وهو ما يدفع إثيوبيا إلى اتخاذ موقف أكثر حدّة نظراً إلى العداء التاريخي بين الدولتين.

هذه الخارطة المتشابكة والمتقاطعة للمحاور، تظهر بجلاء كيف تضعضع الفعل الوطني إلى درجة انتقال القرار بالكامل إلى الساحات الدولية، حيث تسعى كل دولة إلى التأثير على حلفائها في الداخل لمراعاة مصالحها في ظلّ هشاشة وتفكّك داخلي غير مسبوق، وهو ما يغذّي مخاوف متنامية من تحوّل السودان إلى مسرح صراع إقليمي ودولي يطيل أمد حرب طاحنة، ويؤجّل، إلى زمن غير معلوم، عودة الصوت الوطني الذي أطلق يوماً “اللاءات الثلاث” ليقرّر مصيره بنفسه.

غير أن هذا الواقع الملتبس جاء تتويجا لسنوات طويلة من التراخي عن حلحلة الأزمات الوطنية المتراكمة ومع استمرار وضع الهشاشة الذي استقرّ عليه السودان كان لا بدّ من لحظة انفجار كبرى تفرض حلا جذريّا يؤهل لتأسيس دولة متماسكة أو أن يندفع الجميع نحو الاقتتال العبثي ضدّ الجميع وينتهي الحال إلى عدة دويْلات هشة تجمعها جغرافيا متماسكة بوجدان ممزّق.